إدمان الجمال الافتراضي.. حينما "تمحى" الملامح الحقيقية في لحظة

إدمان الجمال الافتراضي.. حينما "تمحى" الملامح الحقيقية في لحظة
إدمان الجمال الافتراضي.. حينما "تمحى" الملامح الحقيقية في لحظة
رشا كناكرية- صور تتشابه بها الملامح، وجوه مرسومة تخلو من العيوب، عيون ملونة ولافتة، وبشرة صافية؛ كلها صور تغزو مواقع التواصل الاجتماعي تبدأ بـ"فلاتر" جاذبة، تتنوع وتختلف لتلبي رغبات الجميع ممن يبحثون عن أدق تفاصيل الجمال. يشهد العالم تزايد الإدمان على الجمال الافتراضي الذي أصبح واقعا، فالبعض لا يستغرب إن تصفح حالات "stories" لمختلف أصدقائه ووجد أن الوجوه مختلفة ولا تشبه أصحابها، وكأنه يشاهد نموذجا موحدا لمقاييس الجمال الافتراضية. ومن جهة أخرى، لم تقتصر "فلاتر" الجمال على نحت أشكال الوجوه بل والأجسام، ويرفض الشخص رؤية نفسه دونها، أو يفضل شكله بها، فهي "رتوش" قد يراها بسيطة من وجهة نظره، ولكنها تغير الكثير من شكله في الواقع لتتأرجح بذلك ثقة الفرد بينه وبين نفسه. تسنيم (29 عاما) من الأشخاص الذين يرفضون تماما التصوير من دون "فلتر"، فهي تعتقد أنه يمنحها الإشراقة بتعديلات بسيطة تزيد من جمالها. وتعترف تسنيم أنها في مرحلة ما سعت لأخذ صورتها بأحد الفلاتر لتطلب من أحد أطباء التجميل أن تكون شبيهة كما هي بالفلتر، لتنعم بهذا الجمال، ولكن خوفها من الجراحة منعها من هذه الخطوة. وتشير تسنيم إلى أن الفلاتر والجمال الافتراضي أصبح أمرا اعتياديا ومقبولا عند الجميع، والشخص له حرية الاختيار باستخدامه أم لا. بينما سارة (25 عاما) على عكسها، فهي ترفض أن تتصور بأي فلتر، إذ تشعر كمن يخدع نفسه ومن حوله، بحسب قولها، فهي تعتقد أنها جملية بهيئتها التي هي عليها. وتضيف، أنها باستخدام هذه الفلاتر، تخدع الأشخاص الذين سوف تقابلهم في حياتها الواقعية، وتقول "مش حلو بحقي انه تحكي الناس في ظهري عن الاختلاف الكبير بين ما يرونه على مواقع التواصل الاجتماعي والواقع". ومن وجهة نظر خالد (27 عاما)، فإن الاستعانة بفلتر يظهر وجهه صافيا وبلون موحد وآخر ينقص القليل من وزنه ويظهره بجسد رياضي، ما هي إلا مجرد تعديلات بسيطة تحسن من نفسية الإنسان، بل من الممكن أن تشجعه لكي يهتم بنفسه أكثر. ويشير خالد إلى أنه فيما مضى كان ينتقد الشاب عند استخدامه هذه الفلاتر، ولكن الآن تغير الوضع وأصبح مقبولا عند الشباب بقدر الفتيات، وبالنهاية هي حرية شخصية للفرد نفسه. ومن الجانب الاجتماعي، بين الدكتور محمد جريبيع أن هذا الإدمان هو جزء من مقتضيات الحياة التكنولوجية، إذ إن الإنسان بطبيعته يبحث عن الجمال في نفسه "بداخله" ويحب أن يظهر للآخرين الجمال الذي يتميز به. ويوضح جريبيع أن المرأة بطبيعتها دائما تلجأ الى أدوات التجميل وقد تكون بنسبة أكبر بكثير من الرجل، بالرغم من أنه في السنوات الأخيرة أصبح هنالك تزايد ملحوظ باهتمام الرجل بالجمال، ويلجأ أيضا الى بعض الحيل التجميلية، وفي مراكز التجميل هنالك ذكور حاضرون في المكان، فلم يعد التجميل مقتصرا على النساء. ويشير جريبيع إلى أن إدمان الجمال الافتراضي جزء من التواصل الافتراضي مع الآخرين، ونتعاطى كذلك مع متاجر افتراضية للتجميل ولشراء مختلف الحاجيات، وهذه إحدى الاستجابات الطبيعية لعصر التكنولوجيا الذي نعيشه الذي أصبح يسيطر على حياتنا بكل أولوياتها. يقول "أصبحت السوشال ميديا تحدد أولوياتنا وتدخل بجميع تفاصيل حياتنا، فليس غريبا أن تدخل أيضا في تفاصيل جمالنا، وهذا وضع طبيعي". ويضيف جريبيع "أن الإنسان بطبيعته، والمرأة بشكل خاص دائما تبحث عن الجمال، وهذه الميزة وفرتها بعض التطبيقات والتقنيات، وهنالك كثير من الباحثين يقولون إن اللجوء الى الأمور الشكلية، ومنها الجمال على حساب المضمون، قد تكون جزءا من غياب الرضا عن النفس". ويؤكد جريبيع، أن الأشخاص عندما يلجأون للفلاتر وتقنيات التصوير المختلفة، فهو لجوء طبيعي وليس أمرا غريبا عن المجتمع، لكن له أثره السلبي إن زاد على حده فالجمال غير الطبيعي يعني أن ترى شيئا جميلا لكن على أرض الواقع لا تراه، وهذا يترك لدى الفرد أثرا سلبيا وغيابا للمصداقية والخداع أحيانا، والبعض قد يصل حد الإدمان. ومن جهة أخرى، تبين المختصة النفسية عصمت حوسو، أن الإدمان هو ليس إدمان الجمال الافتراضي، بل بدأ منذ سنوات مع ظهور التكنولوجيا، ألا وهو "النوموفوبيا"، وهو إدمان الموبايل والتكنولوجيا والعالم الافتراضي، وأصبح هنالك استهجان لجميع مستجدات الجيل الجديد، لذلك يصبح هنالك صراعات وانتقادات. وتوضح حوسو، أن العالم أجمع يتجه نحو العالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي، مبينة أهمية تقبل التطورات لأن "التغيرات عندما تحدث لا تستأذن، بل تحدث ونرفضها ولا تعجبنا، ونجد لها أساليب وقائية وعلاجية لكي نمنعها عنا، لكن بالنهاية نرضخ لها، وهذه سنة الحياة وهي التغير". وتشير حوسو الى أن الإنسان يسعى للتغير، وهذا الجيل والأشخاص المدمنون على الجمال الافتراضي والاهتمام بالفلاتر، يكون هدفهم السعي للظهور بأجمل حلة، وبالذات أن هنالك منافسة في معايير الجمال، والعالم الافتراضي سهل الأمور في تعديل الشكل واختيار ما يحبونه، فهذه أدوات التغير بنظرها. وتؤكد حوسو أن هذه الفلاتر قدمت للإنسان قدرة على أن يحصل على شكل يريده من دون أن يخسر المال أو يخضع للجراحة، وفي الأساس أصبح الأمر مكشوفا وفيما مضى لم يكن معروفا لدى الجميع، وكان هنالك نوع من الخداع، ولكن الآن أصبح واضحا، فهنالك أشخاص عندما نراهم على الواقع أشكالهم تكون مختلفة، وندرك السبب سريعا. وتشير حوسو الى أن هذه الفلاتر هي من أدوات التعايش والتكيف في العالم الافتراضي، وتيسر على الإنسان تحسين شكله ونفسيته، ويظهر بالمظهر الذي يحبه والذي يريحه ويرضيه. وتوضح حوسو أن إدمان الفلاتر يحدث عندما "لا نفصل بين الواقع والعالم الافتراضي"، لذلك يجب أن نركز على توعية أطفالنا وتقوية ثقتهم بأنفسهم وبجمالهم الداخلي والخارجي. وتختم حوسو حديثها، قائلة "إننا الآن في هذه المرحلة، بجميع تطوراتها ومدخلاتها الجديدة، مطالبون بالوعي الكافي، فكلما كان وعي الإنسان بنفسه ومحيطه أعلى استطاع أن يتميز ويفهم ويرتقي بذاته". ورغم أن العديد من الأشخاص لا يستخدمون الفلاتر واللجوء للجمال الافتراضي، فإن دراسات ما تزال تؤكد أن الإفراط في استخدام تلك الفلاتر يمكن أن يؤدي إلى ما يسمى باضطراب التشوه الجسمي، إلى جانب التأثير على الصحة النفسية للمستخدمين في عمر المراهقة. وكشفت دراسة أجرتها جامعة هارفرد الأميركية، أن استخدام فلاتر معنية في تطبيق "إنستغرام" لنشر الصور يمكن أن يفسر الحالة النفسية للمستخدم. وأثبتت النتائج أن الأشخاص الذين ينشرون بورتريهات لأنفسهم هم أكثر إحباطا من الأشخاص الذين ينشرون صورا للمناظر الطبيعية ولصور تلتقط تفاصيل مهمة من الحياة اليومية. فيما كشف أحد التقارير بصحيفة "وول ستريت" الأميركية، أن لاستخدام الفلاتر تأثيرات سلبية على مستخدمها؛ حيث توصلت إحدى الدراسات إلى أن حوالي 32 % من الفتيات المراهقات يشعرن بالسوء تجاه أجسادهن وملامحهن بعد استخدامهن الفلاتر المختلفة، وهو ما قد يتسبب في اللجوء لأفكار انتحارية لدى البعض. اقرأ أيضاً:  اضافة اعلان