استقرار الأبناء المادي.. بذرة نجاح وحصاد يفرح به الآباء

Untitled-1
Untitled-1

ربى الرياحي

عمان- يتسلل الشعور بالسعادة والارتياح إلى قلوب الآباء كلما كبر أبناؤهم وأصبحوا أكثر استقرارا، وذلك تحديدا عندما يتمكنون من إعالة أنفسهم ماديا، وأيضا يكونون قادرين على مساندة والديهم في مواجهة ظروف الحياة الصعبة.اضافة اعلان
شعور السعادة هذا تترجمه أفعال الأبناء تجاه آبائهم، والتي تشمل حتما الاهتمام بهم، وتلبية احتياجاتهم، والخوف على مشاعرهم من أن يصلوا إلى فكرة أنهم مقصرون أو أنهم بحاجة للمساعدة بعد أن كانوا الداعمين لهم سواء ماديا أو معنويا.
طمأنينة كبيرة تسكن قلب الستيني أبو عامر، وذلك لأنه نجح في تربية أبنائه الستة وتوصيلهم إلى بر الأمان، يقول إن سعادته باستقلالية أبنائه وتمكنهم من اعتلاء مراكز مهمة مهنيا تزداد بمرور الوقت.
أبو عامر، كغيره من الآباء، جاهد وتعب من أجل أن يحصد هذه النتيجة التي تجعله اليوم مرتاح البال، واثقا باختيارات أبنائه، وبقدرتهم على أن يكونوا مصدر فخر وسند له من خلال النجاحات التي يطمحون إلى تحقيقها، وأيضا وقوفهم إلى جانب بعضهم بعضا كاليد الواحدة.
ويضيف أن الحياة رغم ظروفها الصعبة تظل قادرة على إسعادنا، ومنحنا الفرصة لنعيشها بسلام وهدوء مع من نحب، لافتا إلى احتياج الوالدين وخاصة عند الكبر لاهتمام أبنائهما ودعمهم، ويبين أن علاقته بأبنائه أصبحت أكثر قربا ودفئا بعد أن استقلوا. ويوضح أن شعوره بأنه أدى رسالته الأبوية على أكمل وجه، يجعله مرنا في تعامله معهم والاستماع لآرائهم ومحاورتهم بصدر رحب، مرجعا السبب إلى تخلصه من الضغوطات التي كان يعاني منها وهم صغار، وعلاقتها في زيادة مخاوفه المتعلقة بتأمين مستقبلهم، وتحفيزهم على أن يكونوا نماذج ناجحة تستحق الاحترام.
أم عماد هي أيضا تعيش حالة من الراحة والسعادة والامتنان لكونها استطاعت أن تستثمر بأبنائها الثلاثة، وتصنع منهم أشخاصا ناجحين اجتماعيا ومهنيا، تقول إنه بعد وفاة زوجها وجدت نفسها مسؤولة عن تربية أبنائها الصغار وإعالتهم.
وتضيف "سنوات طويلة اختبرت فيها اللحظات المفرحة، وكذلك المحزنة واجهتها الكثير من الصعوبات"، لكنها مع ذلك بقيت قوية متكئة على أبنائها الذين كبروا، وبالفعل كانوا لها السند والملاذ.
وتبين أن سعادتها اليوم كبيرة بأبنائها تشعر بالفخر والاعتزاز إزاء ما حققوه من إنجاز. تقول إنهم اليوم وبعد أن استقلوا ماديا يحاولون بشتى الطرق تعويضها، ومكافأتها عن كل المعاناة التي عاشتها في الماضي، يتسابقون لإرضائها وجعلها أكثر سعادة واطمئنانا.
الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة، يرى أن سعادة الآباء بأبنائهم، وتحديدا عندما يكبرون ويصبحون أكثر اعتمادا على أنفسهم، هي تعويض لهم عن التعب والمعاناة والجهد الذي بذلوه من أجل أن يحصدوا ثمار كل لحظة سهر وخوف وترقب عاشوها.
ويشير إلى أن محاربتهم لكي يكون أبناؤهم في القمة تتطلب منهم أن يحشدوا كل قواهم في سبيل تأمين مستقبل جيد لهم، ولكي يشعروا بأنهم أدوا الأمانة على أكمل وجه محاولين التحرر من فكرة التقصير.
ويبين أن الحاجة الأبوية للأبناء لا تنتهي عند تخرجهم أو حصولهم على وظيفة جيدة، وتكوين أسرة أخرى، بل تستمر لكونها منبع الحب والحنان والعطاء. لذا فإن استقلال الأبناء ماديا يوجد حتما شعورا عميقا بالطمأنينة لدى الآباء، ويجعلهم أكثر امتنانا لكونهم استطاعوا أن يوصلوا أبناءهم إلى بر الأمان.
ويضيف "فالأبناء هم بالطبع السند والأمان لآبائهم، وهم أيضا امتداد لوجودهم في الحياة، لذا فهم بالنسبة لهم أهم استثمار يمكنهم أن يدخروا منه القوة والحب والسعادة".
الأخصائي التربوي الدكتور عايش نوايسة، يقول "إن الأبناء بطبيعتهم يميلون للاستقلال عن الآباء عند بلوغ سن الرشد، والدخول في مرحلة الشباب، ويعد هذا الميل طبيعي في ظل الحاجات النمائية والنفسية والاجتماعية للابن".
ويوضح "ويعد هذا الاستقلال إيجابياً في ظل توافر الإمكانات المادية للابن، مما يعزز من الثقة بالنفس، ويمنح الابن قوة الشخصية التي تمكنه من النجاح وتطوير نفسه في ظل إمكانياته، وبمساعدة من أهله الذين يعتبرون وصول الابن إلى هذه المرحلة نقطة تحول بالنسبة لهم لأهميتها في تعزيز حياة ابنهم ووصوله إلى حالة الاستقلال الاقتصادي، مما يخفف عن الأب متطلبات الحياة الاقتصادية".
ولا بد من مراعاة مفاهيم ثقافة العائلة والتربية والاستقلالية، وهي حساسة ومهمة، ولكنها تحتاج إلى مراجعة دائمة لكي توائم ظروف الواقع وتتكيف مع الحاضر الذي يعيشه الإنسان. وليس الإرث القديم الذي ذهب بظروفه ومصاعبه واحتياجاته، وفق نوايسة.
ويضيف "فالأطفال والشباب في الماضي كانوا يعملون في الحقل والدكان والمرعى ويساعدون أهلهم، وهذا ما جعلهم مصدر قوة للعائلة. ولكنهم في الوقت الحالي -في الغالب- يمكن أن يكونوا مصدر استنزاف وقلق دائم".
وأكد بحث أن الأبوة والأمومة تجعلان بالفعل الآباء أكثر سعادةً بعد استقلال الأبناء بحياتهم، ونقلت نتائج البحث الذي أجرته جامعة هايدلبرج الألمانية، استناداً إلى بيانات استطلاع تضمن سؤال 55 ألف شخص حول سلامتهم النفسية واستقرارهم العاطفي، وخلُص إلى أن السعادة تكون أكثر شيوعاً بين من تبلغ أعمارهم 50 عاماً فما فوق، ولديهم أبناء مستقلون.
وأشار إلى أن أصحاب هذه الفئة تكون أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب، ولديهم استقلال مالي أكبر من نظرائهم ممن ليس لديهم أطفال من الأساس، وأظهر أن السبب الذي يجعل الآباء الذين ما يزالون يعولون الأبناء أقل سعادةً بالمقارنة بمن لم تعد لديهم مسؤولية، هو وجود ضغط عليهم فيما يتعلق بفترات النوم والوقت والمال.
ونقلاً عن الباحث كريستوف بيكر، فإن الأبناء الأكبر سناً، ويحققون الاكتفاء الذاتي، يسهمون على الأرجح في رفاهية الآباء من خلال الدعم الاجتماعي، بما في ذلك مرافقة الآباء ومساندتهم مالياً.