"الأزهري- الكوميديان" مبروك عطية

رشا سلامة*

العاصفة المثارة مؤخراً حول الدكتور المصري مبروك عطية ليست الأولى من نوعها؛ إذ لا ينفكّ يدلي بتصريحات جدلية، وإن حملَت طابعاً هزلياً. حكاية عطية ومشاكله أكثر عمقاً وتعقيداً مما يبدو؛ إذ هو ليس مجرد رجل دين يجلس في استوديو بخلفية فاقعة، من قبيل الأزرق الكهربائي أو الأخضر "الجنايني"، ويجيب عن الأسئلة التي تصله والتي يدور جلّها حول العلاقات الزوجية، حاملاً في يده باقة من الورد البلدي، كما يضع على عينيه نظارة شمسية سوداء، ويرتدي في مرات العباءة العربية فوق البدلة.
قد لا يجول في خلد من يتناقلون فيديوهات عطية أنّ هذه الشخصية، التي يغلب عليها الأداء الكوميدي، كانت تحتل موقع "عميد كلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر"، وقد لا يظنون أيضاً أنه يقدّم ذاته في الأوساط الأكاديمية بصورة الباحث والفقيه.
قلّما يستشهد عطية بآية قرآنية أو حديث نبوي أو حتى حكاية من الإرث الديني، بل يستعيض عن هذا كله بمنطقه الشخصي في حل الأمور، وبلهجة مصرية شعبية قد يستعصي فهم بعض مصطلحاتها على المتلقي العربي، على الرغم من كونه تلقّى تعليمه الجامعي في تخصص اللغة العربية، كما أنّ رسالة الدكتوراة التي أعدّها حملت عنوان "القضايا النحوية والصرفية في تفسير القاضي البيضاوي".
لا يعرف المتابع إن كان عطية يستخدم اللهجة المحكية وخفة الظل والنزعة الشعبوية؛ رغبة منه في الشهرة وإحداث "فرقعة" إعلامية، أو إن كانت هذه شخصيته على أرض الواقع، والتي لربما يملك طلبته في الأزهر أو من يعايشونه في المنزل تحديد ما إذا كانت حقيقية أم استعراضية، لكن من يتابع بعض تصريحات الرجل السياسية يشعر أنّ ثمة خبثاً لا يُستهان به يقف خلف الأمر.
عطية يجد في الرئيس عبد الفتاح السياسي "مُخلّصاً" وأنه يتحمّل وزر أخطاء الحكومة؛ بل ذهب للقول إنه يوافق أن يحكم السيسي مدى الحياة، كما يجد عطية أنّ الخطر على الشعب المصري يأتي من الصحافة والإعلام، وأنه لولا "عبقرية" الشعب المصري و"أنه مؤيد بنصر من الله" لكان قد لاقى مصيراً يشبه مصير سورية بعد ثورات الربيع العربي.
والطريف في الأمر، أنّ الرجل الذي يسعى للتواجد في مساجد الطبقة الفقيرة لسماع أسئلتهم، والذي يختار لذاته لهجة شعبية وأسلوبا بسيطا، والذي ينزل بمصطلحاته لمستوى منحدر في مرات قد لا يتناسب و"أكاديمي"، مثل قوله، عن تصنيفات الجماعات الإسلامية "على الجزمة" و"دا هجص"، الطريف أنه يتحدث في بعض المرات بفوقية وقلة تفهّم عن هؤلاء الفقراء والبسطاء، قائلاً إنه ليس من الضروري لهم أن يتزوّجوا، وأنّ الإسلام اشترط الاقتدار المادي في الزواج وأن لا شيء في الإسلام اسمه خذوهم فقراء يغنهم الله.
لربما كان يُنتظر من "أكاديمي" أن يكون أكثر عمقاً عند سؤاله عن نظرته للفنون، لكن الرجل يصرّ على النزول للمستوى الشعبي بل السوقي في مرات، كقوله "الرقص الشرقي أبو الفنون ومن تريد أن ترقص لزوجها فلترقص وأرشّح لها أغنية آه لو لعبت يا زهر وحبة فوق وحبة تحت".
تارة ينزل عطية للشارع ليغسل الأطباق ويقلي "الطعمية" ويبيع الجرجير مع العامة، وتارة أخرى يدخل في ملاسنات مع الفنان المصري عادل إمام لتقليده إياه، وثالثة يقول إنّ الإخوان المسلمين "جماعة زي الفل ومش إرهابيين" برغم قوله سابقاً إنه لا يعترف بهذه التصنيفات وبرغم مهاجمته لمؤسس الجماعة حسن البنّا.
كانت هذه بعض من جدليات عطية التي ما تزال تتوالى، والتي تطرح سؤالاً مُلحّاً حول مؤسسة الأزهر ومخرجاتها ودورها، وحول بعض المنابر الإعلامية المصرية وأهليّة من تفتح لهم الأبواب وتُطلِقهم تباعاً نحو الجمهور المحلي والعربي، وحول ما إذا كان مبروك عطية، تحديداً، داعية و"أكاديميا" يفتقر للتركيز ويتصرّف على سجيّته، أم أنّه ممثل يساند السلطة بنكهة كوميدية- دينية؟

اضافة اعلان

*صحفية وأستاذة جامعية في الإعلام