الإجازة.. حينما تكسر حالة الملل وتنفع الجسد والعقل

الإجازة-(تعبيرية)
الإجازة-(تعبيرية)

يحتاج الفرد بين الحين والآخر إلى الابتعاد عن الضغوط والروتين اليومي، وإلى تجديد نشاطه؛ لكي يستعيد قدرته الجسدية والذهنية.


الإجازة كلمة ذات وقع سحري محبب للجميع، فالكل ينتظرها من وقت لآخر، وأحيانا بفارغ الصبر؛ لكسر حالة الملل والتخلص من المسؤوليات الدورية والروتينية. 

اضافة اعلان


والشعور الجيد تجاه الإجازة لا يعني مطلقا تفضيل الكسل وعدم الجدية والرغبة في الهروب من الواجبات، بل هو حالة طبيعية تعكس مطالبة أجهزة الجسم بالتوقف قليلا لشحن الطاقة من جديد.


تشير دراسة علمية حديثة إلى أن الإجازة هي الطريقة المثلى لتحسين الأداء الإدراكي للإنسان، فهي ليست مجرد وقت يقضيه الإنسان متوقفا عن أداء ما اعتاد فعله بشكل عام، بل إنها ذات تأثير كبير ومهم على الصحة النفسية والعقلية والجسدية للإنسان، وفق ما تؤكده نتائج دراسة أميركية حديثة صادرة عن جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو.


كما لفتت الدراسة إلى أن الوقت الذي نقضيه في الإجازة يساعد على الحد من العمليات البيولوجية الضارة المرتبطة بالتوتر، وهو ما ينعكس بالإيجاب على الصحة العامة للإنسان؛ "فكلما ابتعدنا عن مشاغل الحياة ومسؤولياتها وبحثنا عن الاسترخاء لبعض الوقت، لاحظنا على أنفسنا تغيرات إيجابية"، هذا ما توضحه أليسا س. أبيل، أستاذ الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا والباحثة الأولى في الدراسة.


إذا فنحن لا نكون بعد الإجازة كما كنا قبلها؟ "الإجازة من أهم المحفزات التي تؤثر بشكل إيجابي على أداء الموظفين، إذ يكون الموظف قادرا على اتخاذ قرارات أفضل، وتكون رؤيته وتقييمه للأشياء أوضح، كما يستطيع أن يجد حلولا مبتكرة لمشكلات العمل، وذلك على العكس تماما من وضعه قبل الإجازة".


وهناك مؤشرات تدل على أن القدرة الإدراكية للشخص أصبحت متدنية ولا تعمل بالكفاءة المطلوبة، وهو ما ينتج عنه قرارات غير صحيحة ودون دراسة جيدة؛ إذ تسيطر على الشخص العصبية والتوتر فلا يحسن التعامل مع مَن حوله، ويصبح كثير النسيان، وهو ما يسمى علميا بمتلازمة الاحتراق النفسي burnout الناتجة عن الإجهاد العقلي والنفسي الذي تتسبب فيه ضغوط العمل.

 

وهذا السلوك غير الطبيعي ليس إلا إشارات يرسلها المخ للتعبير عن احتياجه إلى التوقف عن العمل. ولذلك  فإن المنشآت تكون مجبرة أحيانًا على استخدام حقها القانوني بإعطاء العاملين إجازة إجبارية قد تصل إلى ستة أيام متتالية تخصم بعد ذلك من رصيد إجازاتهم السنوية بخاصة للموظفين الذين لا يطلبون اجازات سنوية.


وفي أحيان كثيرة، نرى حولنا العديد من هؤلاء الأشخاص أو نكون نحن أنفسنا منهم، ونظل نتعجب ونبحث بشتى الطرق عن أسباب لهذه الحالة دون أن ندرك أن الحل غاية في البساطة: أخذ إجازة!


من المؤكد أن الإرهاق والتوتر والتعرض لضغوط العمل فترات طويلة لا يؤثر فقط على السلوك والنشاط العقلي للإنسان، بل يؤثر على صحة الجسم بشكل عام ويمثل سببا رئيسيا للإصابة بالأمراض الخطيرة، والعكس تماما يحدث عندما يهتم الإنسان بخلق توازن بين العمل والراحة في حياته وتكريس وقت للتأمل والاسترخاء.


التوتر والاجهاد في العمل أضرار ومخاطر

إن الحديث عن الارتباط بين الضغوط والتوتر وبين صحة الإنسان، خاصة مع الإيقاع الصاخب المتسارع للحياة، أصبح يفرض نفسه يومًا بعد يوم على الساحة العلمية التي لا ينفك باحثون يدقون ناقوس الخطر ويطلقون التحذيرات من مخاطر الاستمرار في السير في الحياة دون التوقف لالتقاط الأنفاس وتمضية بعض الوقت في التأمل والاسترخاء.


وقد أثبت العديد من الدراسات العلمية الحديثة وجود علاقة وثيقة بين الضغط العصبي المستمر وإصابة الإنسان بأمراض عقلية مثل الزهايمر، ويشير بعضها إلى أن الذاكرة تتأثر بشدة والخلايا تصاب بالشيخوخة كرد فعل للنهج الخطأ في التعامل مع الضغوط.


ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالسرطان وأمراض القلب والأمراض النفسية على القائمة الطويلة -بل والمخيفة- لتأثير الضغوط، كما يوضح وسام الشريف، أستاذ علاج الأورام المساعد بمستشفى القصر العيني، قائلا: "هناك المزيد من الدراسات التي تتجه للبحث عن العلاقة بين الضغوط التي يتعرض لها الإنسان لفترات طويلة ومتتالية وبين إصابته بالأمراض المزمنة".


وتربط هذه الدراسات ربطا مباشرا بين احتمالات الإصابة بهذه الأمراض وبين العمل لفترات طويلة والتعرض لضغوط دون الحصول على قدر كاف من الإجازات، وهو ما يؤدي إلى ضعف مناعة الجسم والتشتت الذهني والاكتئاب.


أن العديد من العاملين لا ينتبهون لأهمية الإجازة، قد يكون ذلك بسبب ثقافة رؤساء المنشآت الذين يبدون التقدير ويميزون كل مَن يضحي بإجازاته أو تمتد ساعات عمله لما بعد مواعيد العمل الرسمية.


والكثير من ذوي الأمراض المزمنة والخطيرة، وبالبحث حول نمط حياتهم، يكتشف أن الضغوط المتواصلة دون راحة كانت ضمن الأسباب الرئيسية لإصابتهم بتلك الأمراض. وعليه فإن قضاء إجازة هادئة بين الحين والآخر وتغيير نمط الحياة بحيث يصبح الاسترخاء والتأمل جزءا من الروتين الحياتي، هو أول وأهم خطوة في العلاج.
أجهزة الإعلام مَنوط بها نشر هذه الثقافة وتعريف المواطنين بنمط الحياة السليم المناسب للحياة العصرية السريعة والمضغوطة التي نعيشها، فالاسترخاء لفترة لم يعد من الكماليات، بل هو سلوك أساسي يجب أن يتبعه الإنسان للحفاظ على صحته.


الاجازة.. متى وكيف؟

إذا، التوقف عن الجري باسم العمل أو المسؤوليات ولو لفترة وجيزة، وتكريس بعض الوقت للتنفس بعمق والاسترخاء والتأمل لإبطاء حركة محركاتنا الداخلية؛ أصبح ضرورة لا يجب الاستهانة بتأثيرها علينا.


السؤال الحقيقي: هل نعلم كيفية القيام بذلك بالطريقة الصحيحة؟ وهل نعلم متى وكيف يجب اتخاذ القرار بالانسحاب لبعض الوقت والانفصال عن العمل؟


لكي يحافظ الإنسان على توازنه النفسي وصحته الجسدية لا بد أن يمضي إجازة لا تقل مدتها عن ثلاثة أيام، تتكرر من ثلاث مرات إلى أربع على مدار العام، بخلاف إجازات نهاية الأسبوع، هذه هي الوصفة المثالية لكي يتخلص الإنسان من ضغوطه ويفرغ الشحنة السلبية من داخل جسده، ويجب أن تكون الإجازات الأسبوعية بمنزلة فاصل قصير يجري الاستفادة منه أيضًا، وعدم إهداره كله في إتمام المسؤوليات المتراكمة خلال الأسبوع.


ولكن من المؤكد أن الإجازة لن تكون مؤثرة إلا إذا قضيت بالشكل السليم. وتعد أفضل طريقة للاستفادة من الإجازات هي السفر، أو على الأقل الخروج إلى الأماكن المفتوحة.


وفي أثناء أيام العمل، يجب على العامل أن يتوقف لدقائق أو ثوانٍ ليسترخي بإغماض عينيه وتخيل منظر طبيعي أو تذكر موقف مبهج، فالتجارب المكتسبة من السفر وزيارة أماكن مختلفة، والنظر والتأمل في الطبيعة؛ لها قدرة كبيرة على تقوية جهاز المناعة وتصفية الذهن واكتساب طاقة إيجابية.

الصيدلي ابراهيم علي أبورمان/وزارة الصحة