الاختلاف في وجهات النظر.. هل يفسد الود وينهي علاقات اجتماعية؟

6546
6546
منى أبوحمور ” الخلاف لا يفسد للود قضية”؛ ولكن في الحقيقة الخلاف في الأفكار أو وجهات النظر وحتى في الحياة العملية، يولد خلافا حقيقيا بين الناس وقد يتسبب في القطيعة احيانا. الأمر لا يتوقف على العلاقات الاجتماعية فحسب والعائلية وإنما يتعداها إلى مواقف سياسية واقتصادية وعداوات تؤثر في مختلف المواقف. وفي جدل وقع بين مجموعة من الأشخاص يعملون سويا معا في إحدى المشاريع؛ حول حقيقة عدم وصول المساعدات إلى الأسر المنكوبة في شمال سورية، اشتعل الخلاف في وجهات النظر والمواقف التي غابت عنها الحيادية، ليشتعل فتيل الأزمة بين الأطراف. بين مؤيد ومعارض لما يقال بقضية النهب وسلب المساعدات المتوجهة لضحايا الزلزال من قبل مجهولين من عدمها، نشب خلاف كبير تعدى القضية ليلقي بظلاله على العلاقات الشخصية بين أطراف الحديث التي انتهت بقطيعة ووفق العمل سويا ضمن مجموعات، وسبب هذا الاختلاف بالمواقف السياسية. كذلك هو الأمر في الحياة العملية، فكثير من الأحيان يختلف زملاء العمل أو ربما الموظف مع مديره حول قضية ما في العمل، حيث يبدي أحد الأطراف رأيه بشفافية على مبدأ “الخلاف لا يفسد للود قضية”، إلا أنه في كل مرة يثبت العكس فالإختلاف في وجهات النظر والمواقف والتوجهات “يفسد الود بل وينهيه” في كثير من الأحيان. من جهة أخرى، تسبب خلاف علمي بين منى حسان وشقيق زوجها حول فاعلية لقاحات كورونا من عدمها إلى قطيعة اجتماعية تجاوزت السنتين سببها عدم التقائهما في وجهات النظر وتبني كل منهما لوجهة نظر مغايرة تماما، وبأسلوب حاد. وتقول حسان، “الأمر لم يتوقف عند فعالية اللقاحات بل تسبب هذا الخلاف بعلاقة ندية بيننا وأصبح كل منا يقف للآخر على الكلمة”، مشيرة إلى أن كلام الأمثال والشعارات يتلاشى عندما يلامس الواقع. الوصول لحاله مثالية من الفهم والارتقاء والحوار البناء بحسب اختصاصية علم الاجتماع الدكتورة فاديا الإبراهيمي، يجب أن يبنى على ثقافة مجتمعية قائمة على قبول التنوع والاختلاف، ويبدأ هذا من الأسرة التي يجب أن تعلم أطفالها مهارات الحوار والنقاش الصحيح وكذلك المدارس والجامعات بسعيها دائماً لتربية الطلبة على سعة الفهم والرؤية وقبول التنوع والاختلاف والتعددية والتشارك بشكل ايجابي من اجل تحقيق الخير العام للجميع. ومع تطور التكنولوجيا والحياة الرقمية وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي؛ ترى الإبراهيمي أن الاشخاص أصبح لديهم حيز كاف لعرض أفكارهم أو مناقشة أفكار الآخرين والتعليق عليها، هذا الفضاء الالكتروني أصبح شديد الخطورة “إن لم نكن على وعي كاف بفهم الافكار المختلفة أو الجديدة واستيعابها حتى وإن لم نتفق معها”. وتبين أن مثل هذه الفضاءات يمكن أن تؤدي الى انقسامات في المجتمع، وخلق الفتن والاحقاد والكراهية، لذا يجب أن نكون واعين وأن “نبتعد عن العراك الكلامي والاحاديث المشحونة وذات الطابع العصبي البعيد عن اللباقة والمنطق في النقاش”. وتؤكد الإبراهيمي أن الاختلافات طبيعية سواء في الانتماءات الفكرية والسياسية وحتى الرياضية، وبمختلف المجلات، لكن ينبغي ألا تتطور لدرجات تؤثر على طبيعة العلاقات. هذه الانتماءات بحسب الإبراهيمي ينتج عنها أفكار مختلفة، والأصل أن تُثري وتُثمن الحاله الفكرية لأي مجتمع، وأن تكون مدارك أفراد المجتمع مُتسعة لتستوعب جميع التنوع والاختلاف في الفكر والرأي، والنقاش الايجابي وتبادل الافكار بشكل سليم وصحيح هو النهج للمضي بالمجتمعات نحو التقدم والتطور والازدهار. وتقول الإبراهيمي “مسؤولية كل فرد في المجتمع أن يكون مواطن صالح يعمل من أجل الخير العام للمجتمع”، وهذا الصلاح يجب أن يبدأ من ” أفكارنا وآرائنا التي هي بالأساس المحرك الفعلي لسلوكياتنا وأفعالنا الاجتماعية، والفرد الواعي يكون عنده الفهم الكافي لقبول واستيعاب افكار وآراء الآخرين مناقشتها وأخذ الايجابي منها وتجاوز السلبي”. وعلى الصعيد النفسي تبين اختصاصية الإرشاد النفسي والتربوي الدكتورة روان الدعجة؛ الأصل ألا يسبب الاختلاف في وجهات النظر أي مشاكل، ولكن المهم هو كيفية التعامل مع هذا الاختلاف واستيعابه وكيفية تقبل الرأي الآخر. وتشدد في هذا الجانب على اهمية الاستماع للآخر حتى في لحظات الاختلاف في وجهات النظر أو المواقف والتوجهات، وتقبله ونقده ولكن بشكل بناء بعيدا عن المبالغة أو التقليل من شأن الشخص الآخر أو موقفه. وتشير الدعجة إلى أن بعض الافراد متطرفون في آرائهم واتجاهاتهم ولا يُجيدون احترام آراء الآخرين، هؤلاء الاشخاص تفكيرهم إقصائي يرون دائماً أنهم على حق وأن الآخرين المختلفين عنهم في الرأي دائماً على خطأ، لا تتسع صدورهم ولا عقولهم لقبول الرأي والرأي الآخر ونراهم يأخذون كل الأمور بشكل شخصي ويفتقدون لمهارات النقاش والحوار السليم، وغالباً ما يدخلون مع الآخرين بنقاشات وجدالات سلبية وغير مُثمره، ليس هذا فحسب بل قد يؤدي بهم هذا الى الخصام والعداوات مع الآخرين وأحياناً قطع العلاقات. هذه الخلافات ليست بالضرورة بحسب الدعجة أن تقتصر على أماكن العمل أو المواقف السياسية، خصوصا في ظل الأحداث الراهنة والمتتالية التي شهدتها المنطقة العربية والتي أفرزت اختلافا كبيرا في التوجهات والمواقف السياسية والإنسانية حتى والتي أثرت بشكل كبير موقف الشخص من القضية نفسها ومن الأشخاص الذين يخالفونه الرأي. الأصل أن يتم التعامل مع هذا الاختلاف بحسب الدعجة بطريقة عقلانية بعيدا عن العاطفة والمواقف الشخصية، والنظر إلى وجهات النظر بتجرد تام واحترام آراء الآخرين وعدم مهاجمتها أو حتى التقليل من أهميتها لمجرد أن هنالك من يختلف معها. وتقول الدعجة “النقاش البناء يتطلب من جميع الأطراف عدم تبني وجهة نظر شخصية وإنما المحاججة بالديليل والبرهان”، أما ما قد ينتج عن النقاشات العبثية والجدال العقيم وعدم إعطاء كل شخص فرصة للآخر لشرح وجهة نظره فمن الطبيعي أن “يفسد الود ويخلق نزاعات قد تصل في كثير من الأحيان إلى قطع العلاقة نهائيا أو ربما الوصول إلى المحاكم”. اقرأ أيضاً: أدب الاختلاف: أخلاق تحضر عند تعدد وجهات النظر قبول الرأي الآخر.. ثقافة “غائبة” وسيطرة لفكر الإقصاء و”التخوين”اضافة اعلان