الباحث أبو فخر يستعرض الهوية والثقافة والفنون في فلسطين

جانب من المحاضرة-(من المصدر)
جانب من المحاضرة-(من المصدر)
عمان- ألقى الباحث الفلسطيني صقر أبو فخر محاضرة حول "الهوية والثقافة والفنون في فلسطين، كيف تصوغنا وتغيرنا فلسطين، وحديث في الطعام واللباس والأغنيات"، في المركز العربي للأبحاث - عمان، وأدارها الكاتب معين الطاهر.اضافة اعلان
قال أبو فخر: "إن صراعنا مع  الاحتلال الصهيوني لا يدور على الأرض وحدها بل على كل شيء "على الهوية وعلى السردية التاريخية، وعلى الرموز الحضارية كالطعام والأزياء والأغنيات وحتى على الهواء"، مبينا أن الصراع على الأرض هو الأهم، وهو الحاسم في نهاية المطاف، وهو الأكثر إيلاما.
وتحدث المحاضر عن عجائب العقل الاستيطاني الصهيوني، قائلا: "احتج أحد الفلاحين الفلسطينيين أمام مدير دائرة العقارات في إسرائيل وقال له: "كيف تنكرون ملكيتي لأرضي؟ هذه الأرض لي، وقد ورثتها عن والدي الذي ورثها بدوره عن والده، ولدي كوشان فيها (أي سند ملكية)". فأجابه المدير الإسرائيلي هازئا: "نحن اليهود لدينا كوشان أهم من كوشانك". لدينا كوشان من الله يمنحنا هذه الأرض من دان (تل القضاي) إلى بير السبع، وهذه هي أرض الأسباط في العقيدة الزائفة  لليهود".
وأضاف أبو فخر، إن هؤلاء المستعمرين تمكنوا من احتلال فلسطين لا بقوتهم الذاتية، بل بقوة المشروع الإمبريالي البريطاني، الذي عمل أربابه بكل قواهم على تأسيس دولة يهودية في فلسطين لتحرس مصالح بريطانيا على قناة السويس، أي على طريق الهند وشرق أفريقيا، ولتجسد الحل الأمثل للمسألة اليهودية التي قضت مضاجع الأوروبيين في القرن العشرين، لذلك كان احتلال فلسطين في سنة 1948، قبل 76 سنة، يمثل تحديا خطيرا للأمة العربية وخطرا عسكريا مباشرا على دول المشرق العربي.
وتابع المحاضر، هل سيبقى هؤلاء المستعمرون على صلتهم عندما تضع الحرب على غزة أوزارها ويبدأ عد الأوراق الخاسرة، لننصت إلى صنع التاريخ التي تجري وقائعه اليوم على دروب الحرية لا يبقى في نهاية المطاف غير التراب وحجارة الوادي؛ تلك الحجارة الدهرية التي نحتها الزمان. وحجارة الوادي في فلسطين هي شعبها الصخري الصامد في مواجهة كل قوة عاتية وهمجية وغريبة.
وأضاف أبو فخر، يقدم لنا التراب الفلسطيني في كل يوم أمثولة للمجد وللتاريخ وللمستقبل. فالإسرائيليون حاولوا منذ أكثر من خمسين عاما أن يطمسوا هوية المكان، فجاءوا بالصنوبريات الأوروبية، وغرسوها فوق تربة القرى الفلسطينية المدمرة. وقد لاحظ سكان قرية المجدل في الجليل الذين تمكنوا من زيارة قريتهم المدمرة أن الزيتون الذي غرسه أجدادهم قبل مئات السنين عاد إلى النمو، وراح يشق الصنوبر الإسرائيلي شامخا نحو الأعلى.
ورأى المحاضر، أن الشعب الفلسطيني في تاريخه القريب وفي محنته الراهنة يشق ركائز الاستعمار الصهيوني ويثقبه دائما استعدادا لانهياره غدا. لقد فشلت أشجار الصنوبر الغريبة في أن تتكيف مع التربة، وفتكت بها الأمراض لأن المكان كان يرفضها، وستفتك الأمراض، عاجلا أم آجلا، بالمجتمع الإسرائيلي الغريب، ولن تنبت الأرض غير الأزاهير والأشجار والأغراس التي لها جذور في التراب، سلام للزيتون الفلسطيني وللأيدي التي تتعهده وتحميه.
وأشار أبو فخر "لم ينجح أحد من التجربة الفلسطينية في جميع بقاع المشرق العربي، وها هي التراجيديا الفلسطينية تغمر العالم كله بقوتها التعبيرية الهائلة، ففلسطين كانت دائما، وما برحت، تضفي على الأشياء والكلام والصور ألوانها وتشربها رحيقها. أولا هكذا تسرج فلسطين، بألقها وتألقها، وخيوط الحاضر والماضي لتسنج من ذلك كله الذاكرة المتشعلة والهوية المتحفزة في آن واحد".
وأضاف: لنميل قليلا إلى الأغنيات الشعبية والتراثية ونستعيد أغنيات مثل، "وين ع رام الله"، أو "يا ظريف الطول"، أو "الجفرا"، أو التراويد الفلسطينية الساحرة والمدهشة مثل "يا طالعين الجبل"، أو "شمالي يا هوا الديرة شمالي"، مشيرا إلى أن أغنية "وين ع رام الله"، التي غنتها سلوى ولحنها جميل العاص، وكتبها رشيد زيد الكيلاني، هي أغنية عاطفية في أصلها وفصلها، وانطلقت من الإذاعة الأردنية، وكلماتها عبارة عن عتاب من فتاة لحبيبها لأنه سيسافر إلى رام الله ويتركها وحيدة "وين ع رام الله-ولفي يا مسافر وين ع رام الله- ما تخاف من الله -خذيت قليبي وما تخاف من الله"، لاحظوا كيف أن هذه الأغنية الجميلة والرشيقة والعاطفية، تحولت بعد وقوع رام الله تحت الاحتلال الإسرائيلي في العام 1976، إلى أغنية وطنية ذائعة الصيت، لأن كلمة رام الله في مطلع الأغنية أضفت على الأغنية بُعدا جديا هو البعد الوطني بعدما كانت أغنية عاطفية خالصة.
تابع أبو فخر حديثه: "ونجد الأغنية الفكلورية المشهورة جدا "يا ظريف الطول"، التي تغنى في بلاد الشام من جنوب غزة إلى شمال حلب؛ فهي أغنية عاطفية في الأساس: الفتاة تخاطب حبيبها، "ظريف الطول"، بعبارة "وقف لقولك، رايح ع الغربة وبلادك أحسنلك/خايف يا ظريف تروح وتتملك، وتعاشر الغير وتنساني أنا"، وواضح أن مضمون هذه الأغنية عاطفي محض، لكن عبارة "بلادك أحسنلك"، جعلت المطلع يتشرب معنى وطنيا، وهو ما كان ممكنا البتة في أي دار من ديار العرب، إلا في فلسطين لأن كلمة "بلادك"، لها معنى شديد الخصوصية.
وتحدث عن الترويد التي هي كما قال: تعد من الأغنيات الصعبة التي تحتاج إلى تدريب طويل لإتقان غنائها. هناك الترويدة البسيطة على غرار "يا طالعين الجبل"، والترويدة الصعبة مثل "شمالي يا هوا الديرة شمالي/على لي بوابهم تفتح شمالي/ونا الليله لبعث مع الريح الشمالي/سلامي يوصل ويدور ع الحباب". لكن كيف تغني هذه الترويدة؟ لافتا إلى أن الباحثة والمغنية سناء موسى، تعمل على جمع هذه التراويد وتعيد توزيعها بطريقة متطورة.
وأعتقد أن حفظها مسألة صعبة إلا بعد تدريب، وهذه التراويد كانت تغنيها الصبايا، وفيها "شيفرة ملغزة" للحبيب كي لا يتمكن والدها أو أخوها أو ابن عمها من أن يفهم مضمونها الغرامي، في أحوال وطنية مختلفة، راحت النسوة الفلسطينيات هذا القالب اللحني والكلامي لإيصال الأخبار إلى الثوار المسجونين في سجن عكا، حيث لا يستطيع الجنود الإنجليز أن يفهموا الرسالة، إذ حصل ذلك في بعض الحالات فهذا يبرهن كيف تتحول أغنيات عاطفية زاخرة بالحب إلى وسيلة لإيصال رسائل سياسية مشفرة.
ثم تحدث أبو فخر عن أكلة "الشاكرية"، المشهورة في بلاد الشام. لكن الفلسطينيين سموها "لبن إمو"، من أجل أن يغيظوا اليهود المستعمرين، فالشاكرية عبارة عن لحم مطبوخ باللبن، ويسكب إلى جانب الأرز، والمعروف أن اليهود لا يخلطون اللحم باللبن في قدر واحد التزاما بتعاليم التوارة التي تقول: "جديا بلبن أمه لا تأكل"، وهنا عمد بعض الأذكياء الفلسطينين المسيحيين إلى ابتداع اسم جديد للشاكرية هو "لبن إمو"، نكاية بالمهاجرين اليهود المستعمرين.
أما الكوفية التي صارت رمزا للحرية في جميع بقاع الأرض، ونراها في كل مكان تزين أعناق الشباب والشابات المتظاهرين في مدن أوروبا وأميركا. والحقيقة أن أصلها من الكوفة، في العراق ولها نسب قوي مع سكان الأهوار الذي عاشوا بين القصب وفوق الماء. وكان هؤلاء السكان صيادو سمك ماهرين. حيث نلاحظ أن نقوش الكوفية العراقية هي شبكة صيد السمك بعقدها الأسود، والخطوط تمثل تموج الماء، وهي تختلف عن الكوفية الفلسطينية بكثرة السواد فيها.
وغطاء الرأس في فلسطين لم يكن الكوفية، بل الحطة أو القضاضة "الحطة والعقال أو القضاضة والعقال"، وتغني سميرة توفيق "يابو قضاضا بيضا"، و"يابو عقال المركز"، والسبب في انسحار الطربوش عن الرؤوس هو ثورة 1936، حين كانت الشركة البريطانية تعتقل الثوار وتلاحق الفلاحين لإيوائهم الثوار. وكان الفلاحون يعتمرون الحطة والعقال، فيما يعتمر الأفندي والموظفون وأبناء الذوات وسكان المدن الطربوش النمساوي. لذلك أصدرت قيادة ثورة 1936، آنذاك تعميما بضرورة ارتداء الجميع الحطة والعقال كي ترتبك الشرطة البريطانية، فلا تتمكن من اعتقال الثوار لأنها لا تستطيع اعتقال جميع الناس. لأن البعض لم يلتزم بقرار قيادة الثورة راح الباعة والفتيان يلاحقون معتمري الطربوش وهم يرددون على مسامعهم "الحطة بخمس قروش  أما الكوفية التي كانت قليلة الانتشار قبل ثورة 1936، فزاد انتشارها في حرب 1947-1948، ثم صارت ساترا لوجوه الفدائيين الذين تلثموا بها في قواعد الثورة الفلسطينية المعاصرة. وفي تلك الفترة راحت الخطوط المتقاطعة في الكوفية تتحول من شبكة صيد السمك إلى أسلاك شائكة.
ورأى أبو فخر أن هناك غطاء للرأس عليه النقوش الحمراء، والذي يسمى الشماغ أو الغترة، وهو الشائع في الأردن وسورية وخصوصا الشماغ الذي يزينة الهدب أو الشرشيب، وتورد بعض المحاضر أن أصله من الشوبك، وأن لفظة شماغ أو شماخ تعني العلو والشموخ.