التأثر بالمظاهر.. كيف يسرق هوية المراهق ويقوده نحو الفراغ؟

1718202884772232400
التأثر بالمظاهر

انتاب والدة ماجد شعور بالحيرة والضيق، ففي حين كانت تصر على توصيل ابنها إلى المدرسة بسيارتها، كان ماجد يبدي امتعاضا واضحا، لأن مركبة العائلة لا تشبه مركبات أهالي زملائه في المدرسة، وهي من طراز حديث وفخم.

اضافة اعلان


كان ماجد يكتفي بأن توصله والدته إلى ناصية الشارع القريب من المدرسة. اعتقدت في البداية أنه لا يرغب في إزعاجها بدخولها في ازدحام السيارات أمام المدرسة.

 

لكن سرعان ما تيقنت أن خجله جاء من سيارة والدته، التي ليست من السيارات الفارهة كما يرغب، هو السبب وراء رغبته في النزول بمكان بعيد عن المدخل الرئيسي.


لم يعد ماجد يهتم بأشياء تفيده وتبني مستقبله، وأغلب أحاديثه، كما تقول والدته، تنصب حول المشاهير وما يملكونه، وأحدث صرعات الموضة والملابس، والمطاعم التي تقدم وجبات مميزة، والمقتنيات التي يريد الحصول عليها لأن صديقه يملكها. كل ذلك ضاعف من مخاوفها بأن ابنها كأنه يسعى وراء الفراغ، لا يهمه سوى الأمور الاستهلاكية والمادية.


تكرر المشهد ذاته مع هند؛ حيث تصر ابنتها على أن توصلها إلى المدرسة بسيارة الدفع الرباعي التي يقودها والدها بالغالب، رغبة في إبهار صديقاتها، ولكي تشعر بثقة أكبر، وأنها تملك أكثر منهم، كما تقول. 


يسلط هذا الموقف الضوء على ظاهرة انتشار سلوكيات مقلقة بين المراهقين وطلاب المدارس، حيث تغلب المظاهر والاهتمام بالشكليات على أي شيء آخر، سواء في اختيار الملابس أو أماكن التسوق التي يرتادونها، حتى المبالغة في المصروف المدرسي. كل ذلك يزداد يوما بعد آخر، خصوصا مع ما يرونه على منصات التواصل الاجتماعي والتأثر بالمشاهير ونمط حياتهم وما يملكونه.


مختصون يرون أن هذه السلوكيات الاستعراضية غالبا ما تشد اهتمام المراهقين، متجاهلين أمورا أخرى لها علاقة في تطوير الشخصية وبناء علاقات إيجابية مع الآخرين والفخر بالإنجاز مهما كان صغيرا، وبأشياء لا تحكمها المظاهر.


يتشارك العديد من أولياء الأمور المعاناة ذاتها مع أبنائهم، يتمثل أغلبها في الانسياق وراء المظاهر والشكليات، وتصدر عبارة "ليش صاحبي عنده وأنا لأ.. ليش أهلوا بقدروا وأهلي أنا مقصرين بحقي.. ليش ذنبي أنه وضعنا المادي أقل من غيرنا"، كل ذلك يثقل كاهل الأسرة ويدخلها في دوامة لا تنتهي من المصاريف ومحاولة تلبية الطلبات.


عبارة "شو بدي أحكي لصاحباتي اشتريت بنطلون مش ماركة؟"، استفزت والدة هديل؛ حيث بات الاهتمام بالعلامات التجارية للملابس أهم من اختيار الشكل المناسب أو مراعاة إمكانيات العائلة المادية.


يثير قلق والدة هديل تلك الاستعراضات والمظاهر حتى في مشاركة مراهقين صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي، مع التركيز على العلامات التجارية للملابس التي يرتدونها وأماكن التسوق التي يذهبون إليها، والمقاهي التي يقضون فيها أوقاتهم، وحتى على وجبات في مطاعم معينة تعد "تريند"، ويرغبون بأن يكونوا أول من يجربها. 

 

اختصاصية التربية الدكتورة سعاد غيث، تبين أن انتشار ظاهرة اهتمام المراهقين بالمظاهر، يمثل إحدى الإشكاليات التي تصاحب مرحلة النمو، في سعي منهم لتحديد هويتهم والبحث عن الذات وجذب الانتباه.


مع الدخول لمرحلة المراهقة، يبدأ البحث عن نماذج يقتدون بها، وفي حال كانت هذه النماذج ضعيفة أو غير فعالة في العائلة، فإنهم يميلون إلى البحث عن نماذج أخرى من محيطهم أو المشاهير أو المعارف أو الشخصيات التي تثير حولها ضجة.


"يثير اهتمام المراهقين بالمظاهر مخاوف الأهل في عملية التربية، ويبدأون التفكير هل السبب هو عدم الحصول على التوجيهات وترسيخ قيم مناسبة تساعدهم ويحتاجونها في فهم طبيعة الحياة"، وفق غيث.


وتنوه إلى أن التقليد السلبي جزء من سلوك المراهقين، ما يعكس غياب النماذج الإيجابية وتشتتها. وعليه، تحذر غيث من أن مطالب المراهقين بما يفوق إمكانيات العائلة مؤشر خطير، يتطلب إعادة تقييم العلاقة بين الأهل وأبنائهم، مع أهمية مشاركة الأوضاع المادية معهم بشكل صريح وواضح لتعزيز المسؤولية المالية لديهم، وأنه ليس كل شيء يمكن الحصول عليه، وليس علينا أن نقارن أنفسنا بغيرنا.


ويتفق في ذلك اختصاصي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنة، الذي يؤكد تصدر الاهتمام بالمظاهر والشكليات الذي أصبح بارزا في الآونة الأخيرة، لافتا إلى أن العائلات هي التي ترسخ اهتمام المراهقين بالمظاهر من عدمه، والأهم يبقى بترسيخ مفاهيم الإنجاز داخل نفوسهم بعيدا عن التأثر بالتفاصيل السطحية.


ويأسف مطارنة لانتشار المظاهر في المجتمع، التي تلقي بظلالها على الطفل في مختلف جوانب حياته، سواء في الشارع أو المدرسة أو العلاقات الأسرية أو مع الناس بشكل عام، وكذلك باهتماماته، مثل اختيار الملابس والماركات والسيارات والمطاعم والمقاهي.


ويبين مطارنة أن المراهق، بطبيعته، يميل إلى أحلام اليقظة، ويسعى للعيش في عالم مثالي مليء بالمظاهر. ينعكس ذلك على سلوكياته الاستهلاكية في الحياة، حتى في نوع الطعام الذي يتناوله، والملابس التي يرتديها، ومقتنياته الشخصية التي يحصل عليها، والمقارنة الدائمة مع ما يملكه أصدقاؤه والمستوى المعيشي لعائلاتهم، مقارنة مع مستوى عائلته.


لذا، هنالك ضرورة بزيادة الوعي، وفق مطارنة، خاصة في المؤسسات التعليمية والمدرسة وممارسة الاستراتيجيات لتوجيه الطلبة وتربية الأطفال على الحقيقة الواقعية وتنمية قدراتهم ومهاراتهم بالشكل الأفضل، والتطلع نحو الإنجاز.


كذلك، أن يدرك الطفل أن قيمته الحقيقية تكمن في علمه ومهاراته، وفي تحقيق ذاته وشخصيته، لافتا إلى أن بعض الأطفال قد يشعرون بالنقص عندما لا يرتدون ملابس من ماركات معينة، أو عندما لا يمتلك أهلهم سيارة من طراز معين، أو لا يسافرون في العطلات مثل أصدقائهم. لكن هنا يأتي دور الأهل أن يدرك الأبناء أن القيمة لا تقاس بالمظاهر، وأن التركيز ينبغي أن يكون على تنمية المهارات والقدرات.


وأخيرا، يحذر مطارنة من مخاطر الانسياق وراء المظاهر، والتي تؤدي إلى شعور غياب الرضا لدى المراهق واضطرابات نفسية كبيرة، ما يؤثر على طريقة تفكيره وتفاعله مع الآخرين، وتفاصيل حياته بشكل عام.