"التعلق" بالأماكن والأشخاص.. مشاعر إنسانية تؤدي زيادتها لحالة مرضية

Untitled-1
Untitled-1

ربى الرياحي

عمان- "التعلق" سواء بالأشخاص أو الأمكنة، حالة عاطفية تسيطر على مشاعر الإنسان، فهناك من ما تزال بيوتهم القديمة تسكن دواخلهم رغم الابتعاد عنها لسنين طويلة، وهنالك أناس أبعدتهم الحياة عن من يحبون، لكنهم ما يزالون متمسكين بهم وبتفاصيلهم وذكرياتهم التي لا تنسى.اضافة اعلان
حالة التعلق تلك، ربما تختلف من شخص لآخر، هنالك من لا يستطيع أن يخرج منها وتبقى مرافقة له العمر برمته، ويعيش وسط ذكريات تكون هي المسيطرة على كافة تفاصيله، ليصبح أسيرا للماضي بفرحه وحزنه.
الستينية أم سائد لم تستطع أن تنسى تفاصيل جميلة اختبرتها في بيتها الأول، والذي كان "وجه السعد" عليها كما تقول، فهي حتى اللحظة لا تشعر بأي متعة أو استقرار في بيتها الذي تقطن به حاليا. والسبب أنها وزوجها اضطرا لبيع البيت القديم بسبب الالتزامات المادية والأوضاع الصعبة التي مرت على العائلة.
لكنها للحظة، ما تزال تتحدث أمام الجميع عن بيتها الأول الذي كبر به الأبناء، والحديقة التي تحيط به، وكانت تجمعها بالأصدقاء والأقارب، و"هداة البال" الذي تفتقدها حاليا.
تقول "بكثير من الأحيان أطلب من أحد أبنائي أن يأخذني لأرى البيت من بعيد.. نقف بالسيارة على أول الشارع واغمض عيني وأتذكر كل لحظة جميلة قضيتها هناك، ولا يخلو ذلك من لحظات البكاء.. ربما أبكي على أيام افتقدتها".
حالة الألم التي تعيشها الثلاثينية رشا مراد، سببها سفر ابنة أخيها (7 أعوام) مع عائلتها للعيش بإحدى الدول الخليجية، إذ شعرت بأن الحياة توقفت عند تلك المرحلة وأنها لم تعد قادرة على الاستمتاع بأي شيء.
تقول تفتقد اليوم وبعد مرور سنة كاملة على غياب ابنة أخيها، للفرح وللابتسامة الحقيقية النابعة من القلب، إذ كانت تنسيها ذاتها ببراءتها وعذوبة حركاتها التي كانت تأسرها تأخذها إلى عالم آخر، وتعود معها طفلة صغيرة.
وتبين أن حرمانها من الأطفال وصعوبة تحقيقها لحلم الأمومة جعلها تتعلق بها كثيرا، وترفض تجاوز تلك المشاعر، لأنها ترى بها الأمل والنقاء والسعادة، وظلت تعتقد أنها تعوض كل ما مر عليها من وجع وخوف وأن الحياة أنصفتها بها.
تغير واضح تلمسه رشا اليوم في شخصيتها يستنزفها، يبدد حتى سعادتها بتلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنحها القوة والرغبة في الحياة. إحساسها الآن بأنها باتت وحيدة وفقدت جزءا من روحها، جعلها تقرر الوقوف في المنتصف مكتفية بالنظر إلى الخلف وكأن عقارب الزمن هي الأخرى تعطلت.
في الحياة أشخاص تحكمهم المشاعر تسيطر عليهم، وتبقيهم قلقين مشتتين يشعرون بالغربة حتى عن ذواتهم، هذا النوع من المشاعر يعيق الكثيرين عن عيش الحياة الطبيعية، كما أن هؤلاء تحديدا يجهلون أن هناك خيطا رفيعا يفصل بين الحب الطبيعي وبين التعلق الخانق.
وتستغرب سها علي كثيرا من ذلك الشعور الذي ينتابها عند زيارتها لمكان عملها السابق، تقول "العلاقة مع الأماكن التي نحبها تلازمنا في أغلب الأحيان، أحاسيس يصعب علينا تفسيرها فهي تسكننا ونسكنها وتصبح جزءا لا يتجزأ منا.. نشتاق إليها باستمرار".
وتضيف أن تأقلمها في عملها الجديد لم يكن أبدا أمرا سهلا، بل أخذ وقتا طويلا، خصوصا أنها كانت مضطرة للاستغناء عن أشياء بدافع التغيير ولأنها تحتاج دائما للتطور والبحث عن طرق جديدة للنجاح، لكن اكتشفت أن سعادتها كانت مرهونة بذلك المكان رغم ابتعادها عنه.
وتبين أن شيئا ما يشدها دائما لزيارة عملها السابق والوقوف عند ذكريات جميلة مع زملاء أحبتهم، لذلك تغلب مشاعر الحنين والتعلق لديها كلما ذهبت هناك، موجهة اللوم لنفسها، ومتمنية لو أنها لم تغادر هذا المكان يوما.
الاختصاصي الاجتماعي محمد جريبيع يرى أن "للأشخاص والأماكن تأثيرا كبيرا على حياتنا كما أنهما يلعبان دورا رئيسيا في تكويننا ونظرتنا للأشياء وحتى الذكريات"، موضحا أن لجوء الشخص للتعلق بشخص أو مكان، هو بحث بطريقة ما عن الأمان والمساندة.
ويذهب إلى أن الارتباط الشديد بالمكان في حقيقته ارتباط روحي يفسر تحديدا الانتماء للمشاعر والعواطف التي تبني علاقة الشخص بكل ما يحب وتخلق عنده ذاكرة خاصة يختزن فيها كل التفاصيل الصغيرة المحرضة على الشعور بالتعلق.
ويلفت إلى أن التعلق السلبي يفقد الإنسان بوصلة الطريق، ويكون عائقا حقيقيا يحول بينه وبين استمراريته وحبه للحياة ولأهدافه، مشيرا إلى أن التخلص من مشاعر التعلق يتحقق من خلال الإصرار على السيطرة على الذكريات المتعلقة بالشخص أو المكان وتجاوزها، وضرورة مواجهة كل الأفكار والرغبات السلبية الناتجة عن تلك العلاقات التي تصبح مؤذية مع الوقت، بالإضافة لأهمية تحويل طاقة الألم إلى شيء إيجابي.
ويرى الأخصائي النفسي د. عبد الله أبو عدس أن التعلق هو أحد الدوافع الحياتية الرئيسية الذي يأتي ضمن سياق محدد مرتبط بالحاجات الاجتماعية، وعلاقات الإنسان اليومية مع الآخرين ويكون هذا التعلق طبيعيا لحد معين، لكن إذا زاد عن حده، يصبح "مرضيا".
ويبين أن التعلق يبدأ مع الطفل منذ الولادة، وبعلاقته بوالدته ومن ثم تعلقه بأبيه والمدرسة حتى يصل إلى مرحلة التعلق بالمجتمع وقد يتعلق الفرد بشخصية معينة.
أما في حالة التعلق المرضي، فإنه يدخل الإنسان بحالة قهرية إلحاحية، وبالتالي يؤثر ذلك على ثقته بنفسه وعلى تعاطيه مع الآخرين.
وهنالك من يشعر بخوف دائم من فقدان ذلك الشخص الذي يتعلق به، موضحا أن هذه المشكلة عادة تنتج منذ الطفولة نتيجة خلافات أسرية، وبالتالي وقد يكون أيضا بسبب عدم تفريغ المشاعر.
ويبين أن التعلق بشكل عام يؤثر على جميع مسلكيات الحياة كالدراسة والعمل، ويتم التخلص من التعلق المرضي عبر اللجوء إلى طبيب نفسي مختص ولا بد من تفريغ المشاعر، ووضع برنامج وخطط عمل ليكون لهؤلاء شخصيتهم الخاصة والرضا عن الذات. إلى ذلك، ممارسة النشاطات الإيجابية كالكتابة أو المطالعة أو الرياضة والتعرف على أصدقاء جدد تشعر الإنسان أنه شخص مرغوب فيه وأنه مميز بصفات معينة.