الثوب والتطريز الفلسطيني: تاريخ من التراث الحي ومقاومة ترتبط بالأرض

1704628450071350500
الثوب والتطريز الفلسطيني: تاريخ من التراث الحي ومقاومة ترتبط بالأرض

تجلس يارا صابر على طرف الكنبة، تسمع صوت الشتاء يضرب من شباك غرفة الجلوس، تفتح التلفاز على قناة إخبارية، تشاهد ما يحدث من فظائع في غزة، تلف نفسها بوشاح أسود مليء برسومات وأشكال وألوان زاهية.

اضافة اعلان


يارا ورثت الوشاح من جدتها التي جاءت لاجئة من فلسطين، إثر الاحتلال الإسرائيلي لقريتها في مدينة يافا، وأورثته لابنتها، التي أهدته لاحقا ليارا، التي احتفظت به، وتضعه في أيام ومناسبات خاصة خوفا عليه من التلف.


وتقول يارا، إن هذا الوشاح يمثل صلتها بأرضها في فلسطين، وقريتها التي لم ترها قط، لكنها تحفظ كل تفاصيلها من أحاديث جدتها وأمها، وتعرف أسماء القرى والشوارع، وأماكن البيارات والحقول.

 

وتشير يارا، إلى أن كل من يشاهد الوشاح، يسألها عن تطريزه وخيوطه، وهي تجيب بفخر أنه ثوب يافا، وتبدأ بالشرح عن الرسومات والأشكال التي تزينه، حتى أن كثيرا من صديقاتها، أخذن صورا للوشاح، لعمل فساتين ومعاطف ووشاحات حديثة، بنفس الرسوم والألوان والأشكال.


ويعد فن التطريز من الفنون الشعبية الفلسطينية المتوارثة عبر الأجيال، والتي تطورت مع مرور الزمن إلى حرفة، فأصبحت مورد رزق لفئة كبيرة من النساء في فلسطين؛ حيث توفرت فيها خصائص تتلاءم مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني. وقد رافق هذا التطور ابتكار نماذج جديدة ذات قيم جمالية عالية مستوحاة من أصالة هذه الحرفة.


تقول مصمة الأزياء التراثية مناف عبيدات، إن انتشار التطريز يعبر عن المقاومة بطريقة معينة، حتى لا يسرق الإسرائيليون الثقافة العربية الفلسطينية، وهو نوع من تثبيت حق العودة من خلال اللباس.


وتشير عبيدات إلى أن التطريز والتزيين كان من باب الزينة والحفاظ على التراث، واليوم لباس التطريز حتى البسيط منه موجود على الملابس العصرية، أو ضمن الصور والتحف المنزلية، وبعد حرب غزة أصبح الاهتمام به نوعا من المقاومة وحق الأرض وعدم التخلي عن القضية بكل الأشكال.


وتبين أنها تضيف التطريز على القمصان "الهودي" والصور والمرايا، وزاد الطلب على الخريطة المطرزة، ومدن فلسطين وغزة، حتى أن لديها العديد من الطلبيات إلى خارج الأردن، منها مجموعة من الشباب طلبوا طلبية تطريز إلى أستراليا، من ضمنهم شخص أندونيسي، إضافة إلى العديد من طلبات خريطة فلسطين على القمصان لدول أخرى.


وتذكر عبيدات أن أبرز النقشات تكون للمفتاح، والديك، وأوراق البرتقال، وفيها ألوان معينة، ومنها الأخضر الذي يعبر عن لون عشب الأرض، وله دلالات مختلفة بشأن ورق العنب وأشجار السرو وجبال فلسطين.


ومن النقشات الرائجة أيضا؛ الخريطة مع مفتاح البيوت الفلسطينية، في حين أن ثوب المرأة اليافاوية يحمل أوراق البرتقال والياسمين، وفيه ليرات ومربعات داخلها الرسومات، وهذه التطريزات ترسخ الهوية، ويحاول الشخص من خلالها إيصال صوته المقاوم.


وبالنسبة لأثواب أهل غزة، فهي تمتاز بالألوان النارية، مثل الأحمر القاني والبرتقالي، والأسود يكون فيه لمعة تعبر عن أهل غزة.


والثوب الفلسطيني هو فن وثقافة وقطعة تراثية ممزوجة بالفلكلور، وشاهد على التاريخ الفلسطيني وتعبير اجتماعي عن ارتباط الإنسان بأرضه، فكانت الأم الفلسطينية تصنع بيديها كل أثواب أولادها وبناتها، وبالذات أثواب البنات اللاتي يلتقطن منها الطريقة والأسلوب من جيل إلى آخر، وتصنع الأم الفلسطينية لابنتها نحو 12 ثوبا آخرها ثوب الزفاف.


وتتميز الثياب من منطقة الى أخرى بأسلوب التطريز وشكله، فالزي البدوي في شمال فلسطين وجنوبها مختلفان بشكل واضح وجلي، وهذا الاختلاف يعود إلى الفروق في الوضع الاجتماعي والاقتصادي وفي الثقافة والموروثات الحضارية، أما الأزياء الريفية فتدل تطريزاتها على الطبيعة كالنجمة والزهرة والسنبلة، وتتميز بتكرار وتنوع الأشكال الهندسية، ويعد الزي السائد في فلسطين.


ويقول الباحث في التراث نايف النوايسة، إن الهوية الفلسطينية لن تقف على امتداد حدود المقاومة وعند فوهة البندقية، وإنما تمتد إلى كل عناصر الهوية الفلسطينية ذات البعد العربي الإسلامي، ومن ذلك تسجيل التطريز الفلسطيني قبل أكثر من سنة في قائمة التراث الإنساني.


ويشير إلى أن الكثيرين يهتمون بهذا الموضوع لما له من علاقة بمقاومة العدو والعلاقة مع الأرض وما فوقها سواء التراث المادي أو غير المادي وعلى المستوى المهني، مشيرا إلى أن تسجيلات الأغنية الفلسطينية تثبت أن المقاومة لا تنتهي بحدود جغرافية، بل هي تفاصيل على طول الوقت.


وثوب المرأة الفلسطينية فيه الكثير من التنوع، فلكل مناسبة أزياؤها الخاصة، كما يتميز بأشكال ورموز وزخرفة رائعة اختيرت بعناية وبساطة وذوق وفن، ويعد التطريز صناعة حرفية فلسطينية عريقة، وتختلف أشكاله وأساليبه من مكان لآخر، بحسب ذهنية وذوق المرأة التي تخلق تعبيراته من ظروف الحياة والبيئة والتضاريس التي تحيط بها، وتعد أبرز المدن الفلسطينية التي ذاعت شهرتها في أعمال التطريز بيت لحم، وبيت دجن، ورام الله، والبيرة.


ويبين النوايسة أن المقاومة من خلال التراث الحي، جاءت بمساعدة وسائل الإعلام بواسطة التعبير عن المقاومة بكل أشكالها، وخصوصا التباهي بأي شيء يتعلق بفلسطين، ويشاهده الناس، حتى لو كان لباسا أو وشما أو موسيقا، وهو ما تسبب بتعاطف حول العالم حتى في الدول الأوروبية.


ومر الثوب الفلسطيني بمراحل تاريخية عدة؛ الأولى من 1948 إلى 1963، إذ أضافت المرأة وحدات هندسية وأشكالا زخرفية وكل ما يعبر عن حال الأرض في حينه، والثانية من 1963 إلى 1965 لم يشهد الثوب فيها أي إضافة في الوحدات المطرزة، إذ انصب جهد المرأة بالحفاظ على التراث قدر المستطاع في ظل عمليات النهب والتدمير والشراء التي اتبعتها قوات الاحتلال طمعا في الاستيلاء على الأرض والتاريخ والتراث والحضارة. وفي المرحلة الثالثة بين 1967 و1994 بدأت الإضافات تندثر، لأن الاحتلال بدأ بعمليات نهب للتراث الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى، إهمال التطريز مع التطور الحاصل في العالم.


ويقول النوايسة إن الإنسان الفلسطيني ينقل لنا كل شيء له علاقة بالتراث وحتى هذه اللحظة، ويتم الإضافة والتطوير عليه، وهي مقاومة مستدامة وتؤثر على العالم بتراثه الحي.


ويضيف "هذا ما أنتج تراثا وثقافة حية، وهذا ما ينقله ويحافظ عليه اليوم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل انتصارا شعبيا للمقاومة، فالدم الذي يراق هو انتصار لنا عند كل العالم".


يشار إلى أن المرأة الفلسطينية تستخدم أنواعا متعددة من الخيوط تختلف حسب ثقلها وثمنها، مثل الخيط القطني، وخيط القصب، والحرير، كما أن ملابس النساء تختلف باختلاف المناسبات كالأعياد والأعراس وثياب العمل.


أما ألوان الأثواب فتؤخذ من النباتات، من محار البحر وقشر الرمان، وأكثر الألوان التي تستخدم في تطريز هذه الأثواب هو الأحمر الداكن "القرمزي"، وتكون قطعة القماش التي يتم التطريز عليها ذات لون أسود، كما تستخدم أحيانا بعض الألوان كالبرتقالي والأصفر والفوشي لتعبر عن الفرح، وخاصة في فستان العروس.

 

اقرأ أيضاً: 

التشكيليان عناني ومنصور يخطان "دليل فن التطريز الفلسطيني"