الجرايشة.. معلمة ملهمة تسخر التكنولوجيا لفتح آفاق جديدة للطلبة الصم

1719062436705880300
المعلمة نهاد الجرايشة تتوسط طلابها

حملت المعلمة نهاد الجرايشة على عاتقها أحلام الطلبة الصم فكانت أمينة على مستقبلهم تمهد طريق النجاح أمامهم قدر المستطاع، ليتمكنوا من تحقيق ما يصبون إليه من أمنيات وطموحات.

اضافة اعلان


تميزت في عملها في مدرسة الأمل الدامجة للصم في محافظة العقبة، واستطاعت أن تتميز كمعلمة لمادة الرياضيات في ظروف استثنائية، فكانت نموذجا في العطاء. بقلبها الكبير وإنسانيتها وصلت نهاد لأعماق الطلبة وعرفت جيدا كيف تحتضنهم بحنانها وتساعدهم في تخطي الصعوبات التي تواجههم يوميا. 


سعت دوما لتطوير أدواتها، فنجحت في تسخير التكنولوجيا لتكون جزءا من عملية التدريس بحصولها على شهادة البكالوريوس في الرياضيات من الجامعة الأردنية في العام 1999، ومن ثم شهادة الدبلوم في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العام 2007، هذا ما جعلها تتميز وتبرهن على نجاحات لم تتحقق إلا باجتهادها وعزيمتها. 


تقول في حديثها لـ"الغد": "قرارها بالانتقال إلى مدرسة الأمل للصم لم يأخذ منها وقتا طويلا، وذلك بسبب قربها من بيتها كما أن واحدة من صديقاتها كانت تعمل هناك". وتبين أن اتخاذها لتلك الخطوة لتأدية رسالتها على أكمل وجه. إنسانيتها العالية زادت من رصيدها لدى الطلبة وساعدتها في أن تكون قريبة منهم وتفهمهم. 


وتلفت إلى أن البداية كانت صعبة ومليئة بالتحديات كون الوضع جديد عليها. نهاد لم تيأس بالرغم من المشاعر المختلطة التي عاشتها تحديدا أول يوم لها في المدرسة، لم تكن تعرف ماذا تفعل وخاصة أن بعض الطلبة فاقدون للسمع تماما والبعض الآخر يصنفون على أنهم من ضعاف السمع. 


المسؤولية كانت كبيرة على نهاد التي قررت أن تخوض التجربة للنهاية بكل ما فيها، فلجأت للطلبة أنفسهم واعتمدت في الدرجة الأولى على ضعاف السمع ليكونوا همزة الوصل بينها وبين الطلبة فاقدي السمع نهائيا، كما أنهم ساعدوها على تعلم لغة الإشارة والسماح لها بدخول عالمهم، وبالتالي تمكينها لهم من الاندماج اجتماعيا.

 

ولا تنسى دور المديرة سلام المجالي وأيضا المعلمات في تجاوزها لتلك المرحلة ونجاحها، كونها من أوائل المعلمين الذين استخدموا التكنولوجيا في التعليم وتسهيل الطريق أمامهم لتصل إليهم المعلومة بشكل أسرع. لم تتوقف نهاد عند حدود المادة أو الاكتفاء حتى بالإشارات الأساسية، بل أوجدت مع الطلبة إشارات جديدة لتستطيع تغطية كل ما يحتاجونه ويمكنهم من الفهم بما يتواءم وقدراتهم. وخلال أيام قليلة نجحت نهاد في كسب ثقة الطلبة ومحبتهم.


اليوم وقد مضى على عملها في مدرسة الأمل 15 عاما، تجد نهاد أن التجربة كانت تستحق كل ذلك التعب وأن نجاحها مع الطلبة الصم أغنى شخصيتها كما جعلها أكثر صبرا وتحملا، وزاد من طموحها إلى تحسين واقع الأشخاص الصم وكسر جليد العزلة بينهم وبين المجتمع بتقبل اختلافهم وإعطائهم الفرص المناسبة ليكشفوا عن طاقات جبارة ما تزال مجهولة لدى الكثيرين.


ووفق قولها، فإن التكنولوجيا ذللت صعوبات كثيرة وخاصة في مادة الرياضيات باعتمادها على البصر، فأصبح بمقدور الطلبة الوصول إلى النظريات واستنتاجها وهذا ما يضفي على الحصة المتعة والفائدة، كما أن التكنولوجيا مكنتهم من التفاعل وتثبيت المعلومة أكثر، لكن التكنولوجيا لا تستطيع أن تغطي المادة بالكامل، بحسب قولها هناك مواضيع أخرى تستعين فيها بأوراق العمل لتوضيحها وشرحها للطلبة فمن جهة، تساعدهم في فهم المادة ومن جهة أخرى، تعزز ثقتهم بأنفسهم وتشعرهم بالسعادة وأنهم قادرون على الإنجاز كغيرهم تماما. 


واهتمام المدرسة بالطلبة كما توضح نهاد كبير وعلى كل المستويات، فهناك دور مهم تلعبه المدرسة في حياتهم. تقول: "نعمل جميعا في المدرسة على تقوية شخصيات الطلبة وإشراكهم في أنشطة لا منهجية وتدريبهم عليها إضافة، إلى تمكينهم من المشاركة في الإذاعة والمناوبات وهذا ما يجعلهم أقوى نفسيا لديهم كل المهارات لمواجهة الواقع".


وتشير إلى أن وقوفهم أمام الطلبة الآخرين يزيدهم سعادة وخاصة بعد أن أصبحت المدرسة دامجة للصف الثالث أما بقية الصفوف، فتضم طلبة "صم فقط" وقد طبق قرار الدمج قبل سنتين تقريبا بحسب نهاد لتكون المدرسة الدامجة لذوي الإعاقة، وكانت البداية مع الصفوف الأصغر من أول إلى ثالث ليتعلموا أن الاختلاف موجود في كل مكان ولا يقتصر على الإعاقة فقط. 


تجربة نهاد ومن خلال عملها مع الطلبة الصم، علمتها الكثير، كيف تكون صبورة ومجتهدة ولديها الطموح والحماس لتساعدهم برسم مستقبلا حافلا بالإنجاز والتميز. وجودها في مدرسة الأمل، ساعدها على أن تبدع أكثر وتكون لها طريقتها الخاصة بها في العمل مع الأشخاص ذوي الإعاقة.


وأكثر ما يسعد نهاد وينسيها التعب هو رضا طلبتها عنها واستمتاعهم بالحصة وتفاعلهم معها، فالمعلومة تصل إليهم بحب لذلك يستقبلونها ويفهمونها. فإن الدعم متبادل بينهم فهي تستمد منهم الأمل والطاقة. صدقهم وطيبتهم وإصرارهم الدائم على النجاح كلها عناصر تثري العلاقة وتزيدها متانة، لذلك فهي تعطي أكثر وتجتهد دائما لتكون محط ثقتهم. 


أما عما يشعر به الشخص الأصم تجاه مجتمعه، فتوضح نهاد أن الأشخاص الصم أو الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل عام بحاجة لمن يفهمهم ويتقبلهم، يبحثون عمن يلمسون فيه الدفء والطيبة ليكونوا قريبين منه يتبادلون معه الحب والأمان، فهم لم يفقدوا أي حاسة من حواسهم بإرادتهم أو اختيار منهم بل هي إرادة الله تعالى.


لذلك تركز كثيرا على التوعية ونشر ثقافة التقبل واحترام اختلاف الآخر، مشيرة إلى أن التوعية تبدأ أولا من الأسرة وهذا تماما ما تعمل عليه نهاد من خلال تصويرها للفيديوهات خلال الحصص، وإطلاع الآخرين عليها لتكون لديهم صورة واضحة عن الأشخاص الصم وقدراتهم. تقول: "الإعاقة قد تكون مصدرا للإبداع والتفوق". 


وتدعو نهاد من خلال موقعها معلمة، إلى إعداد مناهج تتناسب وقدرات الطالب الأصم وأيضا إدخال التكنولوجيا في أغلب المواد ليسهل عليهم تلقي المعلومة وأن تكون المادة قابلة للعرض، لأن ذلك يحمل المعلم الكثير من الوقت والجهد، متمنية أن تتوفر المواد إلكترونيا إلى جانب الكتب المدرسية وإثرائها بالصور والحركة لجذب الطالب وتشجيعه على التعلم. 


وحول الاحتياجات التي تخص الطلبة الصم تبين نهاد، أن المشكلات التي تواجهم كثيرة في ظل غياب بعض التسهيلات فالمدرسة بحاجة لعدد كاف من شاشات العرض وأجهزة التابلت والألواح الذكية smart bord وتزويد الصفوف بإنترنت لاسلكي، كما تطالب بتوفير اختصاصية نطق للطلبة الأصغر سنا، وتشير إلى أهمية إعداد الخرجين بمساقات ودورات إشارة ليكونوا مؤهلين لسد النقص في حال اضطرت إحدى المعلمات الأساسيات لأخذ إجازة أو حتى وصلت سن التقاعد، وضرورة عقد دورات للمعلمين في تعديل السلوك.