"الحزن يبدأ كبيرا ويصغر".. هل يتعارض مع أسيري الذكريات الموجعة؟

1696162776993683500
"الحزن يبدأ كبيرا ويصغر".. هل يتعارض مع أسيري الذكريات الموجعة؟

يقول المثل الشعبي "الحزن يبدأ كبيرا ويصغر مع مرور الوقت"، تحديدا الحزن الشديد الذي يصيب الإنسان في بداية الأمر، ولكن هذا يتعارض مع أشخاص لا يؤمنون أبدا بهذه العبارة، بل يعيشون أسيرين للذكريات الحزينة، لا يستطيعون التخلص منها، إنما يزداد عمق الألم مع الوقت، وتغيب القدرة على البحث عن طريق يؤسس لذاكرة فيها مشاعر إيجابية بدلا من تلك الموجعة.

اضافة اعلان


مشاعر الحزن حينما تجتاح الإنسان نتيجة تعرضه لحدث مؤلم أو خسارة أو فقدان، وكلما مر الوقت، تكون المشاعر أكثر صعوبة وقد تتسبب بمخاطر نفسية وجسدية على المديين القصير والبعيد، إن لم يتوقف الإنسان عند مشكلته ويحاول إيجاد الحلول لما يعانيه والبحث عن مصادر للسعادة، بمساندة من الداعمين حوله.


ما حدث مع الثلاثينية ماجدة بأن مشاعر الحزن تتراكم في داخلها كلما تقدم الوقت، حيث يزداد الحنين ويتضاعف ألم الفقد ووجع الخسارة وتفشل في كل مرة تحاول بها تجاهل تلك المشاعر التي تنتابها.


محاولات فاشلة وأخرى بائسة قامت بها ماجدة مرارا وتكرارا لعلها تتجاوز تلك العتمة المحزنة في داخلها بعد مرور 4 سنوات على فقدان شقيقها، إلا أنها في كل موقف تعود إلى تلك الذاكرة، فتنتفض قهرا وتعيش الحسرة والدموع من جديد.
وتقول ماجدة "لم أتجاوز الأمر بعد، وفي كل مرة يزداد وجعي أكثر"، وتقول: "كيف يمكن لوجع حقيقي مستقر في القلب ينبض مع نبضاته أن ينتهي ويزول؟".


ولا يختلف حال مروان كثيرا عن حال ماجدة، فلم تسعفه السنين تجاوز الألم والحسرة اللذين بقيا عالقين في قلبه بعد فقدان والدته التي أخذت معها طفولته وفرحه، كما يقول، وبقي مع ذكرياته الحزينة ومشاعر الوحدة التي أبت مفارقته.


يقول مروان "كل شيء يذكرني بها وكل موقف يعيدني إلى تلك اللحظات التي فقدتها بها وكأنني أعيش الوجع لأول مرة"، مستهجنا لوم الناس له ونكراهم لاستمرار حزنه وسؤالهم الذي لا يتوقف.. ألم تنتهِ دموعك بعد؟


في حين لم تنطو اللحظات والذكريات المؤلمة التي عاشها محمد القاضي بعد وفاة والده، ليعيش عالقا بين تلك الذكريات ويعيش حسرتها وألمها، تفاصيلها ولحظاتها الصعبة.


ويقول القضاة "بات الحزن رفيقي والألم جزءا من تفاصيل حياتي، وإن جاء يوم وابتسمت أشعر بالذنب الشديد وأعاقب نفسي بالبقاء معزولا عن الآخرين".


ومن جهتها، تشير الاختصاصية النفسية وخبيرة الحياة عصمت حوسو، إلى أن الإنسان عندما يتعرض لحالة من الفقدان أو الخذلان يمر بمراحل عدة من الحزن الداخلي التي قد لا يشعر بها، ولكن لابد من أن يمر بها.


هذ المراحل، بحسب حوسو، لابد من أن يعشها الإنسان كما هي بل ويعطيها وقتها اللازم حتى وإن تطلب ذلك فترة من الوقت، مشيرة إلى ضرورة ألا يستعجل الإنسان على نفسه لتجاوز تلك المراحل حتى يتجاوزها بشكل كامل وحقيقي.


وتبدأ هذه المراحل، بحسب حوسو، بمرحلة الصدمة عندما يتعرض الإنسان لحالة الفقد أو الخذلان، كثيرون يعلقون بها ويمضون وقتا طويلا، وبالتالي يتأثرون نفسيا ويبقون في تلك العزلة طويلا حتى يتمكنوا من التكيف مع الوضع الجديد.


ويختلف التكيف، بحسب حوسو، من شخص إلى آخر ويعتمد على قوته وعمره واستقلاليته ومدى قرب الشخص الذي خسره منه.


وتعود الذكراة الحزينة لهؤلاء الأشخاص كلما انفتح الحديث أو مروا بموقف مشابه، فيعيشون شعور الغضب ذاته والحسرة وكأنه اليوم حدث الأمر للمرة الأولى، عازية ذلك لكون هؤلاء الأشخاص لم يأخذوا وقتهم بالحزن ولم يحصلوا في الوقت ذاته على الدعم الكافي.


ووفق حوسو، فإن غياب الأشخاص الداعمين في أوقات الحزن، يبقيهم عالقين في مشاعر مكبوتة في داخلهم والقيام بردات فعل فجائية، وفي حالات أخرى ربما لا يتمكنون من القيام بمهامهم ويدخلون باكتئاب شديد.


وتقول حوسو "أي إنسان يحتاج لأن يعيش مراحل الصدمة كاملة ويأخذ وقته فيها حتى يتمكن من تجاوزها"، وبالتالي لابد من أن يختار الشخص شبكة دعم حقيقية تمنحه الوقت الكافي للحزن، فهذه الطريقة الوحيدة ليشفى من أحزانه ويتجاوز تلك الذاكرة الحزينة ومشاعر الفقد.


اختصاصي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنة، يبين أن صدمة الحزن والفقد نتيجة لموقف معين تحدث أثرا نفسيا كبيرا ويتأثر الجهاز العصبي في الإنسان ومراكز الحزن والفرح.


دائما ما نقول إن الصدمة تعتمد قوتها وآثارها على الشخصية، فالشخصية التي تملك مهارات وأفكارا إيجابية تستطيع أن تتجاوز الصدمة خلال فترة قصيرة وتصبح حالة من الحنين وذكريات جميلة دون أن تحدث أثرا كبيرا.


أما الأشخاص الذين لا يملكون صلابة بشخصيتهم، بحسب مطارنة، فمن الممكن أن تقتلهم الصدمة وتدمرهم وتؤدي بهم لأمراض نفسية.


ويقول مطارنة "فكرة الحزن هي التي تتحكم بالذاكرة، وهذا نتيجة إشكاليات نفسية، وهنا تكون الحاجة إلى دعم نفسي وصولا لتحقيق السعادة بعيدا عن قوقعة الحزن التي تولد مشاعر وسلوكيات لا شعورية سلبية تؤثر على حياته وسلوكياته".


وينصح مطارنة بضرورة استحضار الذكريات الجميلة فقط في حالات الفقد وتقديم أفعال طيبة من أجلهم، بدلا من البكاء والحزن الذي إن سيطر عليهم سيؤثر بشكل كبير على النفسية وعلى الأداء والنجاح في الحياة وكذلك بالعلاقات مع الآخرين.

 

اقرأ أيضاً: 

 ذاكرة الجروح والآلام ترافق الإنسان.. فما أثر ذلك على النفس والعلاقات؟