الدكتور العناتي يخط كتاب "اللغة العربية.. التحدي والاستثمار"

عزيزة علي

عمان- صدر، بدعم من وزارة الثقافة، كتاب بعنوان "اللغة العربية.. التحدي والاستثمار"، للدكتور يوسف محمود العناتي.اضافة اعلان
يقول المؤلف، في مقدمته للكتاب الصادر عن الآن ناشرون وموزعون، إنه حاول أن يبين أن للغة العربية نظامها الخاص الذي يعكس رقيها وثراءها، هذا النظام الذي يقوم على النسق الصوتي في النطق ثم النسق الصرفي، والنسق النحوي في الإبانة والإعراب.
ويشير العناتي إلى أنه نتيجة للبحث في علم الأصوات والنسق الصرفي، ظهرت المدارس المعجمية ابتداء من القرن الثاني للهجرة حتى وقتنا المعاصر. وهذا التناسق البديع مرتبط بنظام عام شامل هو نظام الحركة ورباعية الحرف، وقد دعا إلى تحديث حروف اللغة العربية، وتدريس هذه الحروف في المرحلة الأولية للتلاميذ.
ويرى العناتي، أن اللغة العربية واجهت عديدا من التحديات القديمة والنكسات الخطيرة التي تمثلت في ظهور الشعوبية، وتدمير بغداد، وسقوط الخلافة الأموية في الأندلس (إسبانيا والبرتغال) التي أدت إلى حرق المكتبات وكل ما كتب بالحرف العربي، لكن التحديات اتخذت منحى جديدا في العصر الحديث؛ نتيجة لوقوع الوطن العربي تحت نير الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي، حيث ابتدأت هذه التحديات في مطلع القرن العشرين الميلادي بالهجوم على النحو العربي بالدعوة إلى العامية وترك اللغة العربية الفصحى: بل أمعنوا في غيهم بالهجوم على الخط العربي واستبداله بالحرف اللاتيني.
وقال المؤلف، إن أقوى هذه الدعوات كانت في مصر ولبنان ثم الجزائر لاحقا؛ حيث زاحمت العامية اللغة العربية الفصحى في البيت والمدرسة على يد دعاة الهدم، وعلى يد بعض العاجزين عن التحدث بلغتهم. تخطتها إلى بعض المتخصصين في اللغة العربية، حتى رأينا كيف تتكسر اللغة العربية على شفاه بعض رجال السياسة وهم يتكلمون العامية أو يتشدقون بلغة غير لغة العرب في المحافل والمنصات؛ من التحديات التي واجهت اللغة العربية الفصحى: ازدواجية اللغة بين البيت والمدرسة، ودور الحكومات والمؤسسات في كيفية الوقوف أمام التحديات من خلال عقد المؤتمرات الدولية للغة العربية، وإنشاء المراكز الثقافية لحماية اللغة العربية، وقد عمدت الأمم المتحدة إلى الاحتفاء باللغة العربية بتخصيص اليوم العالمي للغة العربية، كما تم تطبيق فكرة عاصمة الثقافية العربية سنة 1996.
ويعتبر العناتي أن انتشار الأمية في العالم العربي يعد من أبرز التحديات التي تواجه اللغة العربية؛ أي أمية القراءة والكتابة، وقد يكون ذلك راجعا للحروب أو التأخر الاقتصادي، مما سبب التطرف والجمود، وأتبع ذلك بأن المستقبل في القراءة، مركزا على نوعي القراءة وما ينبثق عنهما؛ حيث أفرد للقراءة السريعة مبحثا وتحليلا، وناقش مزاحمة اللغات الأخرى للعربية في: الدراسة، والاقتصاد، والمجتمع من خلال العولمة، وبين أن النفقات التي تصرف على تعليم اللغة الإنجليزية في المراحل الدراسية لا تتناسب مع المدخلات المادية التي تصرف على تعليمها، ولا ننسى لغة الخطاب في الشركات والتواصل باللغة الإنجليزية، كما أن حالة الضعف السياسي، وتناحر الشعوب والطائفية البغيضة تمرتبط ارتباطا مخططا له من قبل الكيان الصهيوني لتمزيق الدول العربية وتشجيع لغة الأقليات.
ويوضح المؤلف، أنه ركز في الباب الثاني من الكتاب على التحدي الإملائي والكتابي؛ حيث ميز بين الإملاء لغة واصطلاحا، ثم ناقش تسميات أنواع الإملاء التي لم توجد في المصادر العربية القديمة، وأورد تقسيما آخر يعتمد على المرحلة العمرية والدراسية ابتداء من الصفوف المبكرة حتى المرحلة الجامعية، كما أورد بعض الصعوبات اللغوية والمشكلات الكتابية في لغتنا العربية التي تعود لعدم إتقان مهارات التعلم في الكتابة والقراءة ومهارة نطق بعض الأحرف المتقاربة في المخارج الصوتية، والارتباك الاتجاهي، ثم أورد بعض التدريبات المبسطة على ذلك… وقد عرض أسباب التأخر القرائي والكتابي، وتشخيص الأعراض، وأنواع العلاج ومتابعته، متضمنا: العوامل الجسمية والصحية وسلامة القدرة العقلية والأسباب الاجتماعية والنفسية، الدلال الزائد، ثم القسوة، والمشاحنات الأسرية وعدم اكتراث الوالدين وولي أمر الطالب، إضافة إلى السهر والشرود الذهني. كما أوضح أسباب التأخر التي تعود إلى المعلم ومدير المدرسة والإشراف التربوي.
ويقول العناتي، إنه أوضح دور النحو الوظيفي والتطبيقي تحدثا وكتابة، وكيفية تجديد هذه المادة لتلائم العصر الحديث مع عدم الخروج عن الأصل اللغوي، واستخلاص مدرسة نحوية حديثة، ومطالبة الآباء بالتعرف على قواعد اللغة العربية من خلال مراجعة كتب المرحلة الابتدائية والمتوسطة، وأن نعرف ما في أدبنا العربي من بلاغة وجمال، وما فيه من مخاطبة النوازع الإنسانية من خلال تحليل النص الأدبي، والقراءة الأدبية الممتعة، لنرتقي بما نكتب، ولنقرأ بلغة سليمة فصحى.
ويتحدث المؤلف عن التأخر الأملائي الذي يرى أنه يبدأ من الصفوف الأولية، ويمكن علاج الأخطاء بطرائق متعددة؛ إذ يجب الاعتماد على القطع الموجودة في الكتاب المدرسي، سواء أكانت القطعة من كتاب في اللغة العربية أو من كتاب العلوم أو من كتب الاجتماعيات، مبينا أنه أوضح في هذا الباب أفضل الطرائق للتصحيح والتصويب، كما سلط الضوء على طريقة الفرع وطريقة الوحدة لكثرة كتب مواد التعلم في اللغة العربية. أما المختصرات والملخصات التي يلجأ إليها المعلمون الفاشلون، ففيها هدر لقيمة المعلم وضياع للمعرفة.
ويبين كيفية اعتماد الطرائق التربوية الحديثة في التعبير الإبداعي والتعبير الوظيفي، وأوضح خطوات واستراتيجيات الكتابة لتحديد المشاكل وحلها، ودور الإدارة التربوية والإشراق التربوي في عمل دورات تربوية مكثفة، وناقش مسألة عدم رسوب التلاميذ في الصفوف الأولية، والتساهل في نظام الامتحانات واختبارات اللغة العربية بطريقة التقويم المستمر، كما أفرد فصلا للتعلم القبلي للمناهج والمقررات المدرسية لمواكبة روح العصر.
وفي الباب الثالث، فقد ركز المؤلف على استثمار اللغة العربية الاستثمار الدائم لتحسين الخصائص اللغوية للعنصر البشري الناطق بالعربية من خلال أدوات ناجحة وبيئة صحية، فالاقتصاد واللغة مرتبطان، فقد نشأ الأدب العربي القديم في أحضان التجارة والاقتصاد، فقد كان للعرب في الجاهلية أسواق أدبية مثل سوق عكاظ والمجنة يتبادلون فيها المنافع الاقتصادية والأدبية.
ويتحدث الباب عن أنواع الاستثمار في اللغة العربية الاستثمار الثقافي، من خلال: وسائل الإعلام والقنوات الفضائية، وكراسي البحث والمخطوطات، وبرج الملكة والملك، ومكتبة الطفل، واستثمار نوادي المعلمين، واستقدام البعثات الطلابية من خارج الدول العربية ليتعلموا اللغة العربية من خلال دراساتهم لأي فرع في الجامعة.
وفي مجال الاستثمار الاقتصادي، اقترح قيام الشركة العربية الاقتصادية، فهي شركة متعددة الجنسيات العربية برأسمال عربي. أما الاستثمار الخدمي، فبين كيفية استثمار الخط العربي لإظهار هذا الفن بأشكال متعددة، وبهندسة معينة، من خلال مشغل التدريب والبث، وعيادة إجادة اللغة العربية، وكلية العلوم السمعية لتعليم اللغة العربية، واستثمار مواقع التواصل الاجتماعي عن طريق السياحة والسياحة الدينية في الوطن العربي والمناخ. أما الاستثمار البشري فمن خلال إنشاء الجامعات التي تدرس باللغة العربية في الداخل والخارج مع فروع لها، واستثمار العمالة الوافدة.
أما في الباب الرابع، فيدعو العناتي إلى تغيير أبجدية اللغة العربية وتجديدها من خلال نظام الحركات، ورباعية الحرف: رباعية الشكل ورباعية الصورة، وأوضح أن الحركة هي التي تعطي الحرف روحا، فإن الحركة تقلب الفعل والاسم من حال إلى حال. علينا أن نجدد أبجديتنا العربية من داخلها دون المساس بأي أصل من أصولها، مبينا أن الأمر لا يقتصر على تحديث حروف أبجديتنا العربية، بل يشمل -أيضا- الحركات نفسها، فإذا قلنا رباعية الحرف في الشكل وفي الصورة، فلدينا رباعية الحركة، وتوصل إلى إدخال حروف ضمن الأبجدية العربية لتصبح 215 حرفا مضبوطة بالشكل التام مع عدم إهمال حروف المعاني بحيث يكون لدينا حروف معنى وحرف مبنى، وبهذا لن تبقى لغتنا العربية أسيرة ثمانية وعشرين حرفا، مع أن للحرف الواحد أشكالا وصورا وأوضاع عدة، فلنسع إلى مقابلة التحدي بالاستثمار والتجديد.
وفي كلمة على غلاف الكتاب، يقول فيها العناتي "إذا كانت اللغة إحدى السمات الأساسية التي تحدد هوية أي أمة، فإنها لدى العرب تكاد تكون السمة الأهم، فقد ارتبط بها دين الإسلام، والقرآن الكريم الذي نزل بها، والذي شكل العامل الحاسم في حفظها على مر الزمن، رغم تراجع دور الأمة العربية على المستوى الحضاري".