"الرواسب العاطفية": حينما تكون المصارحة شفاء للخيبات

"الرواسب العاطفية": حينما تكون المصارحة شفاء للخيبات
"الرواسب العاطفية": حينما تكون المصارحة شفاء للخيبات

في العلاقات مع الآخرين؛ تقبع خيبات في أعماق الروح، حيث تبقى الرواسب المتراكمة خنجرا قد ينهي عمرا من الذكريات والأحلام والثقة وسنوات طويلة من العشرة والحب.

اضافة اعلان


صداقة لم تكتمل وزواج يحتضر، وعلاقات أخرى ما يزال الود هو الطرف الأقوى فيها رغم ثقلها على القلوب وما تتركه من ألم. قد تكون المصارحة هي الدواء للكثير من الخيبات، وهي المنقذ في اللحظات الأخيرة قبل أن تطوي الرواسب قصصا غلفها الصدق وكان الدفء جوهرها.


تقول فدوى غالب: "إن الرواسب في بعض الأحيان قد تعيد للمحبة ألقها". فهي ترى أن المحبة، إذا كانت عميقة وحقيقية، ستصمد ولن تؤثر فيها التفاصيل الصغيرة المؤلمة التي تتسبب بالخيبات.


تقول عن نفسها: "الرواسب بالنسبة لي لم تكن يوما ذريعة لقطع العلاقات"، وتوضح أنها تنظر إلى الرواسب من زاوية أخرى، فهي تراها فرصة للمكاشفة والمصارحة، والوقوف عند أمور حساسة ومهمة لا بد من توضيحها لتصفية النفوس والاحتفاظ بالود كما هو.


وتلفت إلى أن الخيبات غالبا ما تنتج عن الرواسب التي نخشى مواجهتها أو الحديث عنها، خوفاً من أن نلام أو نتهم بالتقصير. لكن فدوى تؤمن أن المصارحة هي الدواء، لضمان بقاء المحبة صادقة.


لدى خالد، البالغ من العمر 33 عاما، القناعة نفسها. يقول: "إنه واجه مواقف كثيرة في حياته وتعرض للألم والخيبة، مما جعله يقرر أن يتحرر من صمته ويتكلم بصوت عالٍ مع كل من يهمه أمره ويريده في حياته. بدلاً من أن تظل الكلمات حبيسة صدره، مضطراً للتجاوز في كل مرة". قرر خالد أن يتحدث في كل شيء أولاً بأول، رافضاً أن تكون الرواسب الخنجر السام في كل علاقة تخصه.


خالد لم يقف متفرجا ولم يسمح للرواسب أن تهدم سنوات من العشرة والثقة. وجد راحته في المصارحة حول كل صغيرة وكبيرة، وبهذا استطاع أن يحصن نفسه من الخيبات ويكون على حقيقته مع من يحب.

 

التحرر من الرواسب يكون بالمواجهة والمصارحة؛ هذا ما يوضحه الاختصاصي النفسي موسى مطارنة، الذي يرى أن الرواسب قد تهدم المحبة وتقطع العلاقات، لكنها أيضا قد تكون سبيلا لتعميق المشاعر وتجديد المواثيق. 


يقول: "إن هذه الرواسب هي حصيلة أزمات ومواقف مختلفة يتعرض لها الإنسان خلال مشوار حياته، وبدلا من أن يعبر عنها ويصرح بها ويواجهها، يلجأ إلى كبتها والهروب منها، مما يؤثر سلبا على صحته النفسية والجسدية، وأيضا على سلوكه وطريقة تفكيره وقدرته على النجاح والتركيز، وذلك لما تسببه من قلق وتوتر".

 

إضافة إلى ذلك، قد ينتج عنها ردات فعل عصبية ورغبة في الابتعاد عن الناس.


ووفق مطارنة، فإن الرواسب إذا بقيت مكبوتة ستتسبب بأمراض عضوية للقلب والمعدة وأيضا الصداع وعدم التكيف مع الحياة، ومن ثم عدم الإحساس بالسعادة.

 

وبحسبه فإن التخلص من الرواسب وما ينتج عنها من ضغط نفسي يكون بالتفريغ الانفعالي ومن الخطأ تحميل النفس أكثر من طاقتها ولومها وكأن الإنسان مطالب دائما بالمبادرة والهروب للكبت بدلا من التعبير حتى لا يخسر علاقاته مع الآخرين. 


واستراتيجية التفريغ الانفعالي تشمل التعبير والمصارحة، جلسات اليوغا، المشي في الطبيعة، التحدث بصوت عال، واللجوء للكتابة. ينصح مطارنة الأسر بالانتباه منذ البداية لأطفالهم، والسماح لهم بالتعبير عن كل ما يشعرون به، من خلال إعطائهم مساحة للحركة والحوار، ودعمهم في الدفاع عن أنفسهم.

 

يشير إلى أن الخطورة تكمن في افتقاد الطفل للجرأة والقدرة على المواجهة، مما يؤدي إلى تشكل شخصية مهزوزة وضعيفة تخاف من كل شيء. هذا يزيد من خيباتهم وآلامهم لاحقًا.


وتقول خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم: "في حياتنا نلتقي بالعديد من الأشخاص ونمر بعدد من العلاقات، وقد تنتهي هذه العلاقات لأسباب مختلفة، لكنها للأسف لا تنتهي بشكل كامل بل تترك بعض الرواسب في نفوسنا. إذا لم نتعامل مع هذه الرواسب بطريقة صحيحة، قد تكون مؤذية لنا وتنعكس سلبا على حياتنا".


لذا، تنصح بالتخلص من العلاقات بشكل صحيح ومن دون رواسب، وذلك عن طريق اختيار الوقت المناسب. يلعب الوقت دورا أساسيا في تسهيل مهمة إنهاء العلاقة وتحديد ما إذا كان الشخص جاهزا لذلك. يجب أيضا تحمل المسؤولية، والبدء بتنفيذ قراره بلا تردد  وعدم الندم أبدا في المستقبل.


الوضوح والمسؤولية عن القرار يمكن أن يجنبان الشخص الكثير من الارتباك والتوتر. كذلك، الصراحة والمباشرة في التعبير عن المشاعر تساعد في التخلص من أي رواسب قد تبقى لدينا، حيث إن الصدق أمر بالغ الضرورة في هذه اللحظات الصعبة.

 

وتنوه إبراهيم إلى أن الوضوح والحديث المباشر أمر مهم، خاصة عند التعبير عن الرغبة بإنهاء العلاقة، مبينة أهمية الابتعاد عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لفترة كي لا يتأثر الأشخاص بما يقرأونه من عبارات ويسمعونه من شعارات وبالتالي، الدخول في الكثير من المتاهات والجدالات.


يتعامل البعض مع منشورات التواصل الاجتماعي على أنها مساحة للتعبير عن المشاعر المتعلقة بالأزمات العاطفية، وفق ابراهيم، لكن هذه الصراحة الجارحة والبوح بأدق التفاصيل في جوانب الحياة قد لا تكون فعلاً شيئا متزنا على الإطلاق.

 

التكتم والمضي قدما هما الخياران الأفضل، وإذا شعر الشخص أنه بحاجة لفترة من الوقت بعيدا عن أي مؤثرات يساعده ذلك في تجاوز المحنة بشكل أفضل. 


إلى ذلك؛ الحصول على بعض الدعم النفسي والاجتماعي قد يكون مهما في مثل هذه الحالات. القرب من الأسرة والأصدقاء الأوفياء، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، وممارسة الهوايات، والاهتمام بالصحة النفسية والجسدية، بما يمنح المناعة الحقيقية والقوية لتجاوز أي رواسب أو للتخلص منها بشكل نهائي، والعودة لممارسة الحياة الطبيعية.

 

اقرأ أيضاً: 

جلسات المصارحة.. منصة آمنة تنهي الخلافات وتذيب الجليد بين العلاقات