الصمت العقابي.. سلاح للابتزاز العاطفي يكبل الفرد ويؤذيه نفسيا

تعبيرية
تعبيرية

هدوء لأيام وصمت مستمر، هذا ما كان يفعله زوج سمية (33 عاما) عند مواجهة أي مشكلة. فهو يختار الصمت بدلاً من الحوار، والتجاهل بدلاً من الاهتمام، كعقاب لزوجته على تصرف أو سلوك بدر منها، وللتعبير عن غضبه تجاه أمر يكرهه، بحسب قولها.

اضافة اعلان


تشير سمية إلى أنه في المرة الأولى التي مارس زوجها الصمت العقابي معها، لم تعلم كيف تتصرف معه. عاشت تحت ضغط نفسي بسبب تجاهله لها ورفضه التحدث معها. لكن ما زاد ثقل هذا الصمت هو استمراره لأيام، الأمر الذي لم تستطع تحمله. انتهى بها الأمر بالتنازل والاعتذار له، رغم قناعتها بأنها لم تخطئ، ولكنها أرادت فقط أن ينتهي هذا الصمت.


لكن، ومع استمرار هذا الصمت في كل مشكلة تمر بها من زوجها، انتابها شعور الاستياء، لذلك قررت ألا تتنازل وأن تضع حدا لهذا السلوك، واختارت أن تتجاهله وتقابل الصمت بالصمت، وألا تحزن وتستمر بحياتها وتستمتع وكأنه ليس هنالك أي مشكلة.


هذه الطريقة أثمرت مع زوجها، حسب قولها، إذ قادته للتنازل وكسر صمته وبدء الحوار في أي مشكلة يمران بها. تقول: "مررت بأيام صعبة في البداية، لم أكن أعرف كيف أتصرف معه، وكنت أتنازل فقط لإنهاء هذا الصمت". ولكن مع استمرار السلوك في كل مشكلة، قررت أن تفعل العكس تماما، لتجد بذلك نجاتها من الصمت العقابي.


بينما تعترف يارا (38 عاما) بأنها لم تكن تعلم أن الصمت العقابي الذي تمارسه مع طفلها حمزة، البالغ من العمر 8 سنوات، سيؤثر عليه بشكل كبير وسيؤذيه ويضعف شخصيته. كانت تعتقد أن الصمت وعدم التحدث مع طفلها عند قيامه بسلوك خاطئ سيعيده للطريق الصحيح ويمنعه عنه، بينما الواقع أنها تسببت في ضغط نفسي كبير لطفلها.


تبرر يارا فعلتها بأنها كانت تربي ابنها كما تربت هي، ولكنها وجدت أنها تخضع طفلها للعقاب نفسه الذي كانت تتلقاه والذي كان يؤلمها. بعدما انهار طفلها أمامها بالبكاء بسبب صمتها وعقابها له، أدركت أنها تسبب الألم لطفلها. وهنا كانت نقطة التحول في حياتها. واستبدلت هذا الصمت بالحوار لترى الابتسامة تنير وجهه من جديد والثقة تعود له.


الصمت العقابي هو عقاب نفسي يتمثل في رفض التواصل اللفظي مع شخص آخر بغرض توصيل رسالة معينة له. قد يرفض الأشخاص الذين يستخدمون الصمت العقابي الاعتراف حتى بوجود الشخص الآخر، ويتعاملون معه كأنه غير مرئي أو غير موجود.


كما يستخدم العقاب الصامت في العديد من العلاقات، بما في ذلك علاقات الأم أو الأب مع الأطفال، أو فيما بينهما في علاقتهما الزوجية. ويعد هذا النوع من السلوكيات بمثابة ابتزاز عاطفي للشخص الممارس ضده العقاب بالصمت، وهو عادة ما يكون وسيلة يستخدمها الشخص للسيطرة على الآخر والتلاعب به والتحكم فيه.


وهنالك العديد من الاشخاص ممن يتخذون من الصمت العقابي طريقا لحل خلافاتهم، معتقدين بذلك أنهم يفعلون الصحيح بينما يغفلون عن الضغط النفسي الكبير الذي يعيشه الطرف الآخر، ليجدوا أنفسهم يخسرون من يحبون بهذا السلوك، ويقعون ضحية لأنانية تصرفاتهم.


ومن الجانب النفسي، يبين الاختصاصي النفسي موسى مطارنة، أن الصمت العقابي هو نوع من العقوبة أو التكتيك الذي يستخدمه الأشخاص للسيطرة على الشخص الآخر، وهذا سلوك غير صحي وله تأثيرات سلبية على الطرف الآخر سواء كان طفلا أو زوجا.


يوضح مطارنة أن الصمت ليس كله عقابياً، ولذلك علينا أن نميز بين الصمت العقابي والصمت الذي يهدف إلى إعادة تأهيل الفرد لنفسه واستعادة التوازن. يمكن أن يكون الصمت وسيلة لصنع حالة خاصة للرد في موضوع معين أو لتجنب الانفعال والوقوع في مشكلة. هذا الصمت واعٍ وطبيعي يهدف إلى التهدئة وتجنب الإساءة المتبادلة. وأكد أن الصمت في بعض الأحيان يكون لتجنب المواجهة، وفي أحيان أخرى نتيجة لعدم القدرة على التواصل.


ولكن من جهة أخرى، فإن الصمت العقابي له آثار نفسية كبيرة، إذ يستخدم كوسيلة للسيطرة وفرض النفس على الشخص الآخر. هذا يعد شكلاً من أشكال الإساءة والابتزاز العاطفي، وهو سلوك مؤذ وخطير، خاصة إذا تم استخدامه في تربية الأطفال. إذ يؤدي الى مشاكل نفسية عميقة عند الطفل، حيث يتسبب في حرمانه وعقابه وإنكار وجوده، مما يخلق لديه أزمة في تقدير قيمته الذاتية، وعدم قدرته على فهم أو إدراك سبب العقاب، مما يزيد من تعقيد الوضع النفسي لديه.


ووفق مطارنة، فإن الصمت العقابي لا يعد سلوكاً مثمراً لحل المشكلات والخلافات، لأنها ستبقى موجودة. إن الصمت يؤثر على الشخص الآخر، خاصة الشريك أو الطفل، ويحدث لديه ردود فعل نفسية داخلية من الألم والضغط النفسي. لا يحل الصمت العقابي المشكلة بقدر ما يزيدها تعقيداً. حتى إذا استسلم الطرف الآخر، سواء كان الشريك أو الطفل، واعتذر، تبقى المشكلة قائمة.


ويذكر مطارنة أن الصمت العقابي في وقت يقرر أحد الزوجين التحدث في مشكلة معينة، يخلق مشاعر سلبية، منها الغضب وغياب الثقة وتحدث ردات فعل يمكن أن تؤجج المشكلة بشكل أكبر.


ووفقاً لذلك، فإن الصمت العقابي يزيد من حالة التوتر ويؤدي إلى تكرار المشكلة، وبالتالي، يسبب حالة من الإشكالية النفسية، مثل الضغط النفسي والإحساس الداخلي بعدم الأمان وعدم قدرة التعبير عن المشكلة.

 

ويشير المطارنة إلى أن الشخص الذي يتعرض للصمت العقابي يجب ألا ينعزل، بل ينبغي عليه أن يتواصل مع الأصدقاء. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي عليه أن يهمل هذا الصمت والشخص الذي يعاقبه، وأن يعيش حياته ويمارسها بشكل مختلف، وأن يعبر عن نفسه بشكل مختلف، ويبتكر مسارات جديدة لتجنب آثار الصمت العقابي.


إلى ذلك، الشخص الذي يقدم على الصمت العقابي عليه أن ينخرط في هوايات ومشاريع فنية ويخلق لنفسه حالة من النشاط والحيوية الجديدة من مشاريع مختلفة سواء الرياضة أو التأمل والتفاعل مع أصدقائه، وإذا لزم الأمر أن يطلب مساعدة أو مشورة ليواجه الصمت العقابي ويتعالج منه.


ويشدد على أن الصمت العقابي به آثار نفسية تشكل ضرراً على الطفل؛ لأن أساس الأمان والاستقرار له هو أسرته، وعندما يأتي الصمت العقابي من أفراد عائلته، يصبح ذلك مصدرا كبيرا للضغط النفسي عليه ويشعر بالنبذ والانطوائية، ويقلل من تقديره لذاته، مما يتسبب في ظهور مشاكل سلوكية لديه.


وتربويا، يوضح الاختصاصي الدكتور عايش نوايسة أن الصمت العقابي يمثل سلوكا سلبيا، والبديل الأساسي لهذا السلوك هو العلاج، فعندما يواجه الآباء سلوكا غير مرغوب فيه لدى أطفالهم، يجب أن يلجأوا إلى العلاج بدلاً من العقاب، وقد لا تكون النتائج ملموسة في المحاولات الأولى، إلا أن التكرار يساعد الطفل على التأقلم مع السلوك الصحيح، وبالتالي يتعديل سلوكه تدريجيا.


وبحسب نوايسة، فإن استخدام الصمت العقابي يعبر عن حالة سلبية تميل أكثر إلى النرجسية، والطفل في الأساس بحاجة إلى التربية والتوجيه وأن يتعلم أن هذا السلوك صحيح وهذا خاطئ.


ولذلك، النهج الأمثل أن يتم التحاور مع الطفل وإخباره بأنك غير راضٍ عن هذا السلوك. يجب تقديم بديل مقنع وإقناعه به، وتربيته عليه، حيث يشهد جيل اليوم سلوكيات أكبر من توقعاتنا. كذلك التحفيز مهم جدا للطفل بدلا من العقاب بالصمت المؤذي تربويا وسلوكيا، ولن يعدل السلوك إنما سيمارسه الطفل مستقبلا مع أطفاله وقد يتقمص أو يتمثل شخصية والديه، وهذا نوع من أنواع العزلة أكثر مما هو نوع من أنواع العقاب.


ووفق نوايسة، فإن البيئة التي يعيش فيها الطفل بأسرة يكون فيها الحوار المتبادل والمبني على أسس سليمة، ستجعل الطفل يبني الثقة مع عائلته، وسوف يميز السلوك الصحيح من الخاطئ.


ويبقى الأصل هو التواصل مع الطفل، وليس الانقطاع عنه أو معاقبته. فالتواصل هو العلاج، والصمت العقابي ليس سلوكا تربويا مقبولا، إنما نوع من الأنانية والضعف من قبل الآباء، واستسهال الحلول والطرق غير المجدية.

 

اقرأ أيضاً: 

التعلق المرضي.. حينما يحيد الحب عن مساره ويؤذي صاحبه

"التخلي" حينما يتخذه البعض قرارا بحثا عن راحة النفس