الطراونة يقدم قراءة معمقة في مفهوم "إدارة المعرفة في التربية"

غلاف الكتاب-(من المصدر)
غلاف الكتاب-(من المصدر)
 يقول رئيس الجامعة الأردنية الأسبق الدكتور اخليف الطراونة في مقدمة كتابه "إدارة المعرفة في التربية"، الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون"، إن المعرفة لم تعد ترفا فكريا، بل أصبحت ضرورة حياتية وأساسا لتقدم المجتمعات المعاصرة، وبالتالي أصبح هناك ضرورة للاهتمام بتطويرها والإنفاق عليها. اضافة اعلان
ويضيف الطراونة، أن المعرفة قد أصبحت سلعة إستراتيجية ذات مردود اقتصادي حاسم في نجاح عمليات التنمية والتقدم، وأصبح لنقلها وتوطينها شروط اجتماعية وثقافية، علاوة على الشروط القانونية والسياسية التي فرضتها حالة العولمة التي نعيشها الآن. وبالتالي فإن نجاح أي فرد أو مؤسسة أو وطن في نقل وتوطين المعرفة، إنما يتوقف على قدرته على توظيف المعرفة والمعلومات في الأعمال والمشاريع والأبحاث.
ويشير المؤلف إلى ما قاله الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ الذي قال "إن أكبر عدو للمعرفة ليس الجهل بل توهم المعرفة". فالعالم المتقدم يدرك تمام الإدراك أنه لم يصل إلى كامل المعرفة، وأن ما حققه يحتاج إلى المزيد من التطور والابتكار. وحتى في داخل البلد الواحد هناك فجوات معرفية وتوهم المعرفة أصبح سائدا، بل حقيقة مرة بكل أسف.
ويقول الطراونة من علامات توهم المعرفة واضحة يراها الآخرون إلا الشخص الذي يحملها، ولهذا تدور بعض الدول في حلقة من التخبط والعشوائية والإرباك، وزيادة في نسبة الفقر والبطالة والعجز والمديونية، وتتوهم أن اقتصادها مزدهر، وأن لديها أفضل برامج تعليمية ودراسات عليا.
وينوه المؤلف إلى أن هذا الكتاب، بموضوعه وتفصيلاته المهمة، واعتماده على خبرتي العملية وتدريس المساق لطلبة الدكتوراه في الجامعة الأردنية قد يتدارك جزءا من القصور الذي تعاني منه المكتبة الإدارية التربوية العربية في هذا الجانب، وأن يشكل أيضا إضافة نوعية للمكتبة التربوية العربية التي هي بأمس الحاجة لرفدها بإصدارات أكاديمية تستحضر الأفكار الريادية والمبدعة، والممارسات الإدارية للقيادة التربوية الخلاقة في مؤسسات التعليم العالي العربية، حيث سيشكل هذا الكتاب وما شابهه من مؤلفات حديثة متوائمة مع متطلبات العصر عونا للباحثين والدارسين ورواد المكتبة العربية.
تتحدث مقدمة الكتاب عما شهده العالم في العقود الماضية من تحولات جذرية في مختلف المجالات؛ إذ تغيرت المنظومة البنيوية التي تحكم الأسس التي يقوم عليها المجتمع البشري على نحو لم يشهد له التاريخ الإنساني مثيلا طوال تاريخه الطويل. وكان المحرك الأساسي في هذه التحولات هو التقنية بتنويعاتها المختلفة، والتي استطاعت أن توفر الإطار المرجعي الأكثر أهمية وحسما في التحوّل الذي طرأ على بنية المجتمع البشري بمختلف أنواع النشاطات فيه، سواء أكانت هذه النشاطات اجتماعية أم صحيّة أم تعليمية أم اقتصادية أم غيرها، حيث استطاعت التقنية أن تؤسس لواقع ذي دلالات معرفية جديدة كانت المحرك الأساسي لكل ما شهده العصر الحالي من تغيّرات.
كما أن المقدمة ترى أن المعرفة هي حالة فطرية، والإنسان دائم البحث عن المعرفة حتى يستطيع التكيف مع بيئته، وتستند المعرفة في تكوينها إلى معلومات، وهذه المعلومات يجب أن تتعرض للمعالجة الإنسانية من خلال إعمال العقل واستخدام المدركات الحسية والحدس والتطبيق. كما يعتبر امتلاك المعرفة من أهم الموارد التي تسعى لها منظمات اليوم التي بدأت تدرك يقينا أهمية تبني مفهوم إدارة المعرفة وذلك من خلال الدور الذي يقوم به العنصر البشري العامل بهذه المنظمات والمتعلق بتفعيل هذه المعرفة من خلال العمليات المرتبطة بإنتاجها وتنظيمها والتشارك بها مما يسهم في تحسين أنشطتها وخدماتها.
وعن مفهوم المعرفة تبين أن المعنى العام للمعرفة هي حالة إنسانية أرقى من المعلومات، وهي مؤشر دال على قدرة الفرد على ما يمتلك من أفكار، وأن فهم واستيعاب وتحليل مكونات المعرفة يقود إلى الإبداع. في الحقيقة من الصعب تعريف المعرفة تعريفا واحدا.. فللمعرفة تعريفات كثيرة منها "مجموعة حقائق ومفاهيم وتوقعات يحصل عليها الفرد من خلال البحث ومن خلال التجارب لتوصله إلى الحكمة، مزيج متداخل من الخبرة والتعلم التراكمي والمعلومات المنظمة التي تم معالجتها، مزيج من الخبرات والقيم والمعتقدات التي توفر إطارا لتقييم دمج الخبرات والمعلومات الجديدة".
وعرفها همشري، (2012) بأنها: (المزيج المتكامل والمترابط من المعلومات والخبرات والتجارب والمهارات والاتجاهات ووجهات النظر والمعتقدات والمفاهيم والقيم التي يمتلكها الفرد، وتشكل بيئته المعرفية، وتحدد طبيعة سلوكه حيال المواقف المختلفة وتساعده في اتخاذ القرارات المناسبة).
وأهم خصائص المعرفة أنها إنسانية وتتجذّر في عقول الأفراد ميّزت المعرفة الإنسان عن باقي الكائنات الحية، فهو الذي ينقلها من جيل لآخر، وهو القادر على إيجادها وهضمها وتوليدها وتجديدها، أنها تراكمية البناء إذ تتكون المعرفة وتحدث على فترات زمنية طويلة نسبيا، ويحتفظ بها الفرد أو المنظمة بغرض معالجة مشكلات أو مواقف معينة، أنها مجردة أثيرية وغير ملموسة وأنها توجد كمنتج معرفي وبمعزل عن المنتجات المادية الأخرى، أنها تولد وتتجدد (الولادة والتجدد) إذ إن لدى بعض المنظمات خصوبة ذهنية تجعلها قادرة على توليد المعرفة الجديدة.
أنها تتقادم أو تموت فكما تولد المعرفة وتتجدد فإنها تتقادم وتموت أيضا. فبعض أنواع المعارف تموت بموت الشخص حاملها وبعضها الآخر يموت بإحلال المعرفة الجديدة محل القديمة، أنها قابلة للتملك (مثال الملكية الفكرية وبراءات الاختراع)، فالحائز للمعرفة يمكنه الاحتفاظ بها أو بيعها أو المتاجرة بها أو هبتها مجانا لمن يريد، ومع ذلك تظل موجودة لديه، أنها قابلة للتخزين فالمعرفة يمكن أن تخزن في الوثائق، وأدمغة الأفراد، وقواعد المعرفة، ومواقع الإنترنت، وغيرها، أنها لا تفنى بالاستعمال، إذ إن المعرفة قابلة للاستعمال الدائم لأكثر من غرض، قابلة للتعديل أو التغيير، لها علاقة ارتباطية في المجتمع.
أما أنواع المعرفة فهي نوعان إما ضمنية وهي المعرفة المخفية والمهارات الموجودة في عقل كل فرد ومن الصعب نقلها أو تحويلها للآخرين، وقد تكون المعرفة هنا فنية أو إدراكية وفي الأغلب فالمعرفة الضمنية تم تكوينها على مدى فترة زمنية طويلة وتتدرج المعرفة من معرفة "ماذا" ثم "كيف"، ثم "لماذا"، ومن الممكن تحويل بعض المعرفة الضمنية إلى ظاهرية.
(المعرفة الضمنية قدرات مخفية وطاقة كامنة تحتاج إلى مثير لتصبح طاقة ظاهرة)،
وأما النوع الثاني من المعرفة هو المعرفة الصريح أو الواضحة بالكلمات والصور، والمخزنة بالأرشيف والكلمات وباستطاعة الجميع الوصول إليها واستخدامها ومشاركتها بالندوات والمؤتمرات واللقاءات وغيرها. وهناك معارف أخرى غير الصريحة والضمنية كالمعرفة التقريرية، والمعرفة الإجرائية، والمعرفة الشرطية.
كما يقول إن للمعرفة أبعاد عديدة منها البعد الاقتصادي: يرتبط البعد الاقتصادي للمعرفة بكيفية تأثير المعرفة على الاقتصاد والأعمال التجارية. حيث إن المعرفة تكون موردا استراتيجيا يساهم في تحسين الإنتاجية والابتكار وزيادة القيمة المضافة. والبعد الاجتماعي: يتعلق بكيفية تأثير المعرفة على المجتمع والعلاقات الاجتماعية. حيث تسهم المعرفة في تحسين جودة الحياة وتمكين الأفراد والمجتمعات من خلال التعلم والتطوير الشخصي. والبعد الإداري: يرتبط بكيفية إدارة وتنظيم المعرفة داخل المؤسسات والمنظمات، حيث تشمل هذه العملية تخزين المعرفة وتوزيعها وحمايتها واستخدامها بشكل فعال لتحقيق أهداف المؤسسة.
البعد التقني: يتعلق هذا البعد بكيفية استخدام التكنولوجيا والتقنيات لإدارة وتحويل المعرفة، مثل قواعد البيانات، ونظم إدارة المحتوى، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي.
والبعد الشمولي: يشير إلى ضرورة تمكين جميع أفراد المجتمع أو المؤسسة من الوصول إلى المعرفة والاستفادة منها، وتشمل هذه العملية توفير الوصول إلى المعرفة لأصحاب الاحتياجات الخاصة والفقراء والمجتمعات النائية.
والبعد البياني: هذا البعد يتعامل مع البيانات الأولية والمعلومات النصية والرقمية، يشمل العمل في البعد البياني تنظيم البيانات وتصفيتها وتنقيحها وتحليلها لاستخدامها في اتخاذ قرارات مستنيرة.