العدوان الوحشي على غزة.. "قهر وإحباط" يلازم حياة موظفين بالعمل

1699102202843219600
غزة

تجتاح الأفراد حالة من الإحباط والقلق والقهر، تفرضها الأجواء العامة منذ بدء عمليات الاستهداف الوحشية التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي وتدميرها للأراضي في قطاع غزة، وما نجم عنه من استشهاد الآلاف، فضلا عن مئات الجرحى والمفقودين تحت الأنقاض.

اضافة اعلان


ذلك حال الكثيرين ممن يتسمّرون أمام شاشات التلفاز ليل نهار، في مكاتبهم أو على قنوات الأخبار وعلى أجهزة حواسيبهم، حيث أخبار الدمار والقتل والتفجير وصور الأشلاء وجثث الشهداء لا تتوقف، وسط أصوات استغاثة الأطفال والأمهات التي تصدح مرارا وتكرارا على مسامعهم.


"لم أعد أقوى على العمل، تعطلت حواسي وتسلل اليأس إلى قلبي وكأن الزمان توقف في غزة"، بهذه الكلمات يصف الخمسيني حسن الهمام حاله منذ بدء الحرب على غزة، فاقدا شغفه ورغبته في العمل أو حتى الحديث في أي موضوع لا يرتبط بما يحصل في غزة.


أخبار القصف العدواني وجرائم الحرب التي تمارس بشكل يومي في غزة تقلق راحة الجميع حيث يغيب النوم ويزيد الخوف، مبينا أنه فقد الرغبة في كل شيء.


متابعة الأخبار بشكل يومي في السيارة وفي مكاتب العمل وفي المؤسسات وحتى على المواقع الإعلامية من خلال الحاسوب جعلت المئات أسرى لتلك الأخبار الموجعة وبدت واضحة بتأثيرها على قدرتهم في العمل والإنتاج ومتابعة حياتهم كالسابق، بحسب تميم مبيضين.


ويقول، "اجتماعاتنا الصباحية أصبحت مقتضبة وفي كل مرة تكون غزة محور الحديث"، لم نعد نقوى على جدال العمل وعلى المهام المتتالية، ولم يبقَ هناك شغف أو حتى منافسة على الإنتاج، "يجمعنا فقط" صوت العاجل على محطة الجزيرة.


مشاعر موحدة تربط الموظفين في كافة القطاعات، وتثقل قلوبهم الحسرة على ما يحدث في غزة الأبية، يعبرون عن رفضهم وألمهم بعبارات على حساباتهم الشخصية وربما في دردشات جانبية خلال الاستراحة فقد تغيرت أجندة يومهم بعد السابع من أكتوبر فأصبحت ساعات العمل غزة، الاستراحات غزة وحتى اجتماعات العمل.


خالدة عبد الرحيم عاملة في أحد المصانع تصف بدورها الحالة النفسية التي وصلت إليها منذ بدء العدوان على غزة، لافتة إلى أنها ورغم محاولاتها المتكررة لفصل نفسها أحيانا عما يجري ومحاولة التركيز على عملها إلا أن أصوات مناجاة أهل غزة لربهم لنصرتهم تنزل كالصاعقة على آذانها في كل مرة.


اختصاصية الموارد البشرية علا أبو الرب تبين بدورها لـ "الغد" أن ما يحتاجه الموظف في هذه الظروف هي فرصة التعبير عن تضامنه وفتح المجال له للحديث عن القضية الفلسطينية والتوعية لأهمية التفاعل والمشاركة الفعالة من خلال المقاطعة والحث على التبرع والمشاركة بالوقفات التضامنية.


 وتلفت أبو الرب إلى ضرورة عملteam building activities كتخصيص عشرين دقيقة من اليوم للحديث عن الأوضاع بعيدا عن العمل لتخفيف الضغط عن الموظفين وإعطائهم مساحة للتعبير، كما يمكن أن يساهم قيام الشركة بالتبرع لغزة بمبلغ مالي باسم الشركة بأكملها بتحسين الشعور لديهم ومشاركتهم في الحدث.


إلى ذلك، تمكين الموظفين ممن لديهم أهل في غزة من الاتصال بهم ومساندتهم واستمرارية رفع المعنويات والاطمئنان عليهم وعلى ذويهم.


ومن الأمور التي ترفع من معنويات الموظفين بحسب أبو الرب الشعور باهتمام الشركة بالقضية كسماع الأخبار وتبادل أطراف الحديث وإتاحة الفرصة للتعبير عن الرأي.


وتلفت بدورها إلى أن بعض الشركات قررت أن تتيح الفرصة لمستشارين نفسيين إعطاء دورة توعية عن كيفية التعامل بمثل هذه الأوضاع بالإضافة لإعطاء بعض التسهيلات مثل العمل بالمنزل لوقت محدد، فعندما وقعت فاجعة المستشفى، فعليا معظم الموظفين ظلوا متسمرين أمام الشاشة مع إحساس لم يغادرهم بالتعب والإرهاق النفسي.


ولا يختلف كادر الموارد البشرية عن باقي الموظفين، فهم معا بذات الخندق، مشددة على ضرورة الإبقاء على دورة الحياة والاستمرار بالعمل رغم الضغوطات لأنه ديننا وقيمنا وأخلاقياتنا تحتم علينا اتقان العمل.


ومن الأمور التي يجب على الموارد البشرية الالتفات إليها هو كيفية التعامل مع الجيل الجديد من الموظفين الذين لم يعايشوا بشكل فعلي الحروب السابقة، لافتة إلى أن الشركات التي يتم التعامل معها خارج الأردن أصبح لديها وعي بما يمر به الموظفون.


من جهته يشير أخصائي علم النفس التربوي الدكتور موسى مطارنة إلى أن هناك تداخلا في دوائر الحياة لأي إنسان فيدخل في جانب ويغفل جوانب أخرى، وهذا ما لا يجب أن يكون في طبيعة الحال، وينبغي أن يكون قادرا على التعاطي مع جميع ظروف الحياة بشكل فيه مرونة وتكيف وقدرة على المناورة بحيث يضمن القيام بكافة المهام الموكلة.


عند عدم قدرة الإنسان على القيام بمهامة يعلم حينها أن لديه إشكالية في مهاراته الحياتية وشخصيته، لافتا مطارنة إلى أن حالة الهشاشة النفسية وعدم القدرة الكافية على القيام بالمهام يعني الوقوع في مطب نفسي وعاطفيّ.


ويقول مطارنة، "نحن اليوم في عدوان غاشم على غزة، قاس ومحزن ويترك أثرا نفسيا كبيرا"، ليس فقط في الوطن العربي وإنما على مستوى العالم أيضا في ظل المشاهد القاسية من قتل وتدمير ومناطق مدمرة بالكامل في بث حي ومباشر.


ما سبق يتسبب بصدمة نفسية كبيرة مرتبطة بصدمات الكوارث وصدمات الحروب التي ترهق النفس كثيرا وتؤثر على همة الآخرين ودافعيتهم للحياة، لا سيما بعد أن شعر الجميع بنشوة الفرح والنجاح بعد حالة النصر للمقاومة في عملية طوفان الأقصى.


قلب الموازين الذي أحدثه العدوان الغاشم على غزة ما بعد 7 أكتوبر وكمية الدمار الكبير وجرائم الحرب المتتالية التي شنها الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة، تسبب بحزن عميق ولكن على الجميع أن يعلم أن التحرير دائما يطلب الكثير من الدماء التي تراق من أجل الأرض، ومزيدا من الشهداء وصولا إلى التحرير.


من جهة أخرى، فإن ملازمة جزء كبير من الناس متابعة الأخبار وتلك المشاهد العنيفة تسبب لهم بالإجهاد النفسي وانعكس على عائلاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وهو ما يجب الالتفات إليه والحذر منه حتى لا "نغرق أنفسنا بحالة نفسية يصعب التغلب عليها".


على الجميع بحسب مطارنة أن يعوا أهمية العمل والحفاظ  على دائرة الإنتاج، بالنهاية الجميع لديه عائلات والتزامات متراكمة تحتاج إلى الجهد والعمل والمتابعة وهذا لا يقلل من الاهتمام بالقضية أو الحزن أو الرفض لما يحدث في قطاع غزة.


من جهة أخرى ساهم الكم الكبير من المعلومات المغلوطة التي تنشرها الكثير من وسائل الإعلام الأجنبي والعربي التي دعمت الرواية الإسرائيلية من جهة وتفخيم ما يقوم به العدو من جهة أخرى في زيادة الضغط النفسي والإحباط والخوف مما قد يحصل مستقبلا.

 

اقرأ أيضاً: 

تشعر بمعاناة من هم في الحروب؟ أنت في مرحلة “التقمص العاطفي”