العدوان على غزة.. هل كشف "زيف" منظمات حقوقية تعنى بالطفل؟

أرشيفية
أرشيفية

فقط في قطاع غزة، يستيقظ الأطفال على أصوات القصف ونحيب الأمهات الثكلى، يستيقظون فزعين يتفقدون أطرافهم لعلهم فقدوا أحدها، يبحثون عمن تبقى من أفراد أسرتهم، يسيطر الخوف على قلوبهم ليتشبثوا بكل من يقدم لهم يد المساعدة والتعبير عن مشاعرهم لرجال الدفاع المدني حتى.

اضافة اعلان


في قطاع غزة فقط يزف الأطفال شهداء، وتكال الحقوق بمكيالين، من جديد يكشف العدوان على غزة كيف يضرب الاحتلال الصهيوني عرض الحائط كافة القوانين والمعايير الدولية متجاهلا الاتفاقات الدولية.


لم تعد غزة بعد السابع من أكتوبر منطقة آمنة للأطفال بسبب العدوان الصهيوني الغاشم حيث بلغ عدد الشهداء من الأطفال بحسب المكتب الحكومي في غزة أكثر من 6 آلاف طفل. التكلفة الحقيقية لهذه الحرب قيست فعلا بحياة الأطفال، منهم من استشهد ومنهم من فقد أطرافه في حين بقي العشرات من الأطفال وحيدين بلا عائلة أمام صمت عالمي مطبق أبقى هؤلاء الأطفال وحيدين أمام قنص الاحتلال.


نالت حرب الإبادة الصهيونية من أحلام أطفال غزة ومن مستقبلهم أيضا، فلم يعد هناك تعليم، فقدوا كتبهم وأقلامهم بين الركام حتى المدارس لم تكن ملجأ آمنا لهم، وقفوا فوق ركام منازلهم يبحثون عما تبقى من كتبهم وأقلامهم وعلب ألوانهم حتى ألعابهم طالها القصف الصهيوني.


في غزة، لم تميز آلة الحرب بين الطفل والرضيع حتى "الخدج"، عانوا من القصف فمنهم من فقد حياته من القصف ومنهم من فقدها بسبب نقص الأكسجين والبرد، فأي طفولة تلك التي يمكن رصدها في اليوم العالمي للطفل.


في حين عانى الأطفال في قطاع من مرضى السرطان الذين تراوحت أعمارهم بين العام و14 الذين يعانون من امراض سرطانية مختلفة في الغدد الليمفاوية والدم الذي تركهم الاحتلال الغاشم عرضة للموت دون فرصة للعلاج.


ويبلغ عدد مرضى السرطان في قطاع غزة نحو 2000 مريض، يعيشون في ظروف صحية كارثية جراء العدوان الإسرائيلي المستمر على القطاع ونزوح عدد كبير.


خبير علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان يبين بدوره أن حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الصهيوني على غزة أدت إلى استشهاد آلاف الأطفال وجرح الآخرين وفقدان أعداد كبيرة، حيث يستهدف الإجرام الصهيوني المنازل والمستشفيات والمدارس والمساجد والكنائس من دون مراعاة حرمة هذه الأماكن وقدسيتها بالرغم من أن هذه الأماكن محمية بموجب القوانين الدولية.


هذا القتل المتواصل يتم على مرأى ومسمع العالم حيث الصمت الدولي أو في احسن الأحوال بعض التصريحات التي تدين أو تستنكر الفعل الصهيوني، حيث فقدت هذه التصريحات قيمتها نظرا لتكرارها المستمر وعدم تأثيرها على استمرار القتل والدمار وفق سرحان.

 

من جهته يستهجن سرحان مواقف منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وحقوق الطفل والمرأة التي لا تختلف عن مواقف الدول فقد التزم أكثرها الصمت في الأسابيع الأولى للعدوان بل إن بعضها أظهر انحيازا واضحا للكيان الصهيوني واعتباره يدافع عن نفسه وهذا يعطي المجرم غطاء وشرعية. فالمجرم والمعتدي لا يدافع عن نفسه بل يزيد من إجرامه.


ويقول، "طالما تباكت منظمات حقوق الإنسان وحقوق الطفل والمرأة على حقوق هؤلاء وعقدت الاتفاقيات والمواثيق وألزمت الدول بها"، بل تدخلت في تفاصيل الحياة اليومية للأسر، فنصبت نفسها حاميا ومسؤولا عن الأطفال. وشرعت قوانين تنزع الطفل من أحضان والديه تحت أي ذريعة واهية بحجة حماية هؤلاء الأطفال.


ويؤكد سرحان أن الحق في الحياة هو حق مقدس ومن واجب المؤسسات الدولية حماية هذا الحق وتأمين الحياة الكريمة للأطفال التي تؤمن لهم أيضا المسكن والعلاج والماء والطعام والتعليم والبيئة الآمنة.


ويضيف، ما قيمة عمل هذه المؤسسات والمواثيق الدولية اذا لم تستطع أن تحفظ للطفل حقه في الحياة وهو ابسط الحقوق وأهمها. فما يحدث يفقد هذه المؤسسات مصداقيتها ويشكك في أهدافها الحقيقية وحقيقة دورها وانحيازها لطرف دون آخر وعدم عدالة معاييرها وعدم اكتراثها بأرواح أطفال غزة وفلسطين بل بأرواح أطفال العرب والمسلمين.


وأشار سرحان إلى أن العدوان الغاشم على غزة ساهم بتعرية منظمات حقوق الإنسان والطفل والمرأة واظهر انحيازها وعجزها. بل وان الكثير منها تخضع لإرادة دول معينة ومصالحها. فهي اما مغيبة أو غائبة عن الدور المطلوب منها.


وما يحصل من مواقف لهذه المنظمات يرفع من درجة الوعي للمجتمعات العربية والإسلامية ومؤسساتها في ضرورة الانتباه إلى دور هذه المؤسسات وعدم التعويل عليها ويفقد الثقة بها ويلغي ما كان يأمل به البعض من المناداة بالقيم الإنسانية وحقوق الإنسان في كل الظروف كحد أدنى تجمع عليه البشرية.


الحرب على غزة وأطفالها تنتهك كل حق من الحقوق الواردة باتفاقية حقوق الطفل؛ الحق في الحياة والحق في العيش في أسرة ومجتمع، والحق بالصحة والحق في تنمية الشخصية والحق في التنشئة والحق بالتعليم والحق بالحماية، ويترتب عن هذه الاعتداءات المسلحة آثار جسدية ونفسية عميقة على حياة الأطفال ولأجل غير منظور؛ فالحرب كما نشهد في الهجوم الغاشم على غزة، تقتل أعدادا كبيرة من الأطفال ويحرم أعدادا لا حصر لها منهم من احتياجاتهم الاساسية المادية والعاطفية وتُمزق بنية مجتمعهم وتُدمر منازلهم وحقهم بمأوى وتهدم النظم الصحية وتنتهك حقهم بالحياة والصحة والرعاية والطبية.


الخبير في مواجهة العنف ضد الأطفال ومستشار الطب الشرعي الدكتور هاني جهشان يشير بدوره إلى الانتهاكات الجسيمة في حقوق الأطفال التي يرتبكها الاحتلال الصهيوني في غزة رغم أن الدول الأطراف في اتفاقية حقوق الطفل، ودولة الاحتلال واحدة منها مسؤولة عن صون حقوق جميع الأطفال بدون تمييز بما في ذلك المناطق المحتلة من قبلها او تحت سيطرتها العسكرية.


ويؤكد بدوره أن حماية الأطفال وخاصة في النزاعات المسلحة هي أيضا شأن قانوني له مرجعية دولية مرتبطة بالقانون الإنساني واتفاقيات حقوق الإنسان، وعليه فإن أي انتهاكات لحقوق الطفل بالبقاء والنماء والتعليم والحماية أثناء النزاعات المسلحة لا تستوجب الشجب فقط بل المنع ومن غير الممكن السماح بها بأي شكل من الأشكال وتستوجب المساءلة القانونية الدولية أمام المحاكم والمؤسسات الدولية. 

 

من جهة أخرى تنص اتفاقية جنيف الرابعة (1949) المتعلقة بحماية الأفراد المدنيين في أوقات الحرب هي من المصادر الرئيسية لحماية الأفراد المدنيين بما في ذلك الأطفال، واتفاقية حقوق الطفل (1989) والتي تطبق في أوقات السلم والحرب على السواء تشمل حماية حقوق الطفل بالبقاء والصحة والبيئة الأسرية والرعاية المساعدة في الوصول للرعاية الصحية والغذاء والتعليم وحظر التعذيب الجسدي والنفسي وأي إساءة.


ويلفت جهشان إلى الآثار المترتبة على هذه الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال لا تقتصر فقط على العواقب المباشرة للإصابات والجروح في أجسادهم وتهديد حياتهم وصحتهم، بل تتعدى ذلك لعواقب نفسية واجتماعية وتعليمية. 


ويقسم بدوره عواقب النزاعات على الأطفال إلى عواقب مباشرة وعواقب بعيدة المدى، والى عواقب تهدد الطفل وعواقب تهدد الاسرة والمجتمع تشمل الانتهاكات على الحق بالحياة والصحة تتمثل بقتل الأطفال من خلال الغارات الجوية، أو تبادل إطلاق النار، وتشويههم والهجمات العسكرية على المؤسسات الصحية التي استهدفت المرافق الطبية، وهذا يتسبب بالدمار الكلي أو الجزئي لتلك المنشآت وإلحاق الأذى والضرر وحتى الموت بالعاملين في هذه المنشآت.


ويلفت إلى أن معظم الأطفال يموتون بسبب سوء التغذية ونتيجة الأمراض التي تتسبب بها أو تزيد من حدتها هذه النزاعات، فالأطفال هم أكثر من يتأثر بقطع الإمدادات الغذائية نتيجة الحصار وبتدمير المحاصيل الغذائية وخراب البنية التحتية للزراعة وكذلك هم الأكثر تأثرا نتيجة تحطيم الأسر والجماعات وتشريد السكان وتدمير الخدمات الصحية ونظم توزيع المياه والصرف الصحي. 


ووفق جهشان؛ فإنهم أكثر عرضة للالتهابات الشائعة بمرحلة الطفولة من مثل الإسهال والالتهاب الرئوي والاصابة بالأوبئة والآفات المعدية وبالتالي الوفاة.


من جهة أخرى بينت الدراسات والأبحاث المسندة أن النزاع المسلح يزيد معدلات وفيات الأطفال 24 ضعفا ويصبح جميع الأطفال معرضين للخطر في حالة نشوب النزاع العسكري، كما وبينت هذه الدراسات ان الأطفال المعرضين للخطر أكثر من غيرهم هم الذين يكونون دون سن الخامسة وهم معرضون بشكل اشد لسوء التغذية.


كما ان تعرض المنشآت الصحية للهجوم او التسبب بإغلاقها لأي سبب، والذي يشكل خرقا واضحا لاتفاقيات جنيف المبرمة عام 1949، يؤدي إلى أن الأطفال المصابين بسبب النزاع المسلح والأطفال المرضى لا يحصلوا على العلاج والتأهيل بصورة فعالة، إضافة إلى الآثار السلبية الناتجة عن غياب الرعاية الطبية الأولية من مثل التحصين ضد الأمراض وخدمات الأمومة والطفولة الأخرى.

 


يجب أن يكون معلوما أن الأطفال لا دور لهم في الحروب وأن على المجتمع الدولي أن يندد بأي هجوم عليهم بوصفه أمرا غير قانوني وغير مقبول ولا يمكن احتماله بأي شكل من الأشكال ويجب استخدام الآليات الدولية التي تقييم وترصد عواقب عنف النزاع المسلح على الأطفال بقياس الضرر الذي يلحق بهم وبنوعية حياتهم وبقياس معدل وفياتهم، وفي جميع الأحوال ينبغي أن تتولى مؤسسات الأمم المتحدة مسؤولية التصدي للموقف والعمل على تحديد الإجراءات الجزائية بحق الدولة المتسببة بمعاناة الأطفال في النزاع المسلح وكذلك يتوقع من هذه المؤسسات الدولية العمل العاجل لحماية الأطفال في وضعهم الحالي والعمل على إعادة تأهيلهم جسديا ونفسيا واجتماعيا.


ويشير جهشان الى ان تداعيات الصراع المسلح واسعة النطاق وتؤثر على الاطفال مدى الحياة فهم يواجهون فقدان التعليم وتدميره الذي يعد  أحد أكثر الآثار الضارة للنزاع المسلح. ولا يحصل الأطفال الذين يفرون من منازلهم وينشأون في المخيمات على التعليم لفترات زمنية طويلة قد تمتد إلى أشهر أو حتى سنوات في بعض الظروف ينتهي التعليم تماما.


 كما يفر ملايين الأطفال والأسر في جميع أنحاء العالم من منازلهم بسبب القتال المسلح. البعض يفعل ذلك لأنهم يتعرضون لهجوم مباشر او بسبب العوز وفقد سبل عيشهم، وكثير منهم يفرون بدافع البحث اليائس عن الطعام. إن النشأة في مخيمات اللاجئين، أو مستوطنات النازحين داخل بلدانهم، هي نوع جديد من المعارك لأجل البقاء. معظم المخيمات ليست أماكن آمنة بسبب الاكتظاظ وضعف معايير السلامة وغياب الأمن في كثير من الأحيان. 


وبحسب جهشان، غالبا ما تكون مرافق المياه والصرف الصحي بعيدة جدا عن خيام الأطفال أو عن ملاجئهم، وهذا يترك الأطفال عرضة للاعتداءات وللاستغلال، خاصة عند القيام بالرحلة بعد حلول الظلام. تواجه الفتيات والنساء مخاطر فريدة من نوعها للاعتداء وسوء المعاملة، سواء خارج ملاجئهن أو داخلها هذا يمكن أن يخلق بيئة مزعزعة للاستقرار لأطفالهم.

 

اقرأ أيضاً:

صرخات الأطفال في غزة.. حكايات تنقل المعاناة والحسرة والقهر

مجازر على "الشاشة".. كيف يؤثر عنف الاحتلال في غزة على نفسية الأطفال؟

تأثيرات الحرب نفسيا على أطفال غزة تخلف ندوبها على سلوكهم وحياتهم ومستقبلهم