العمل التطوعي يثري سيرة الشباب ويصقل مهاراتهم

رشا كناكرية لطالما كان فعل الخير ومساعدة الآخرين والمسؤولية تجاه المجتمع، عملا انسانيا ينشر السعادة ويرسم الابتسامة، كل ذلك بصور تتجسد عبر العمل التطوعي، والذي يشكل جزءا أساسيا في مسيرة الشباب وبفائدة متبادلة لجميع الأطراف. ووفق مختصين، فإن بعض مديري الشركات باتوا ينظرون للعمل التطوعي بصفة العمل الحقيقي واستحقاق الوظيفة بناء عليه، في حين أن آخرين قد لا يضعونه في عين الاعتبار، غافلين بذلك عن المهارات والمعرفة التي يقدمها هذا العمل للفرد، وبالتالي انعكاساته الايجابية على بيئة العمل. ليليان الجوارنة (26 عاما)، بدأت مسيرتها في العمل التطوعي في سنتها الجامعية الأولى، وجدت نفسها في هذا المجال وتطورت شخصيتها وأثر ذلك ايجابيا على كافة التفاصيل لديها، موضحة أن العطاء اجمل ما يقدمه الانسان في حياته ويضيف كثيرا لخبراته. جوارنة تؤكد أن المشاركة بالعمل التطوعي خلال الجامعة فتح لها المجال لتحدد التخصص الذي ترغب به، وأصبح هدفها أكثر وضوحا، تحديدا في مجال السوشال ميديا. ما تدربت عليه جوارنة يصب بمحورين، الأول مهارات التواصل وتعلم الأمور التقنية والتمتع بالخبرة من خلال التدريبات التي كانت جميعها عن طريق الأماكن التي تطوعت بها وفتحت لها الأبواب. وتشير جوارنة إلى أن هنالك عدة برامج شاركت بها وتعلمت منها الكثير ونقلتها من مكان لآخر وهذا قدم لها الفائدة في ايجاد وظيفة، وعندما تتقدم لمقابلة عمل تعلم ماذا تريد من هذا المكان وماذا يحتاجون منها لأنها تمتلك مهارات طورتها خلال العمل التطوعي. ووفق الجوارنة، فإن العمل التطوعي فتح لها بابا لتحصل على عمل بعد التخرج وبدأت بأول وظيفة لها من خلال التشبيك مع اشخاص كانوا ينتظرون تخرجها، وتقول “عندما يعمل الفرد بالطريقة الصحيحة في العمل التطوعي تفتح له الابواب”. بدأت جوارنة أول عمل لها، وهذا لم يمنعها من الاستمرار في العمل التطوعي والتدريبات والورشات، اذ كانت تبحث عن أمور تطور مهاراتها وكانت في رحلة بحثها عن المكان الذي سوف تجد نفسها فيه اكثر، بالإضافة إلى المكان الذي يكسبها مهارات مختلفة. ومن وجهة نظرها فإن المديرين أصبح لديهم ادراك كامل لأهمية العمل التطوعي في التأثير على شخصية الشخص المتقدم للوظيفة، وليس النظر فقط للشهادة الجامعية، إنما ما تم انجازه في التطوع والتدريب خلال الفترات السابقة. واليوم جوارنة تعمل في مجلس اعتماد المؤسسات الصحية بوظيفة مسؤولة الاتصال والتواصل وتنظم فعاليات كبيرة بمفردها، فكل هذه القدرات والمهارات التي اكتسبتها 80 % سببها العمل التطوعي. بينما بدأ محمد سويدات ( 26 عاما) العمل التطوعي من أنشطة وفعاليات الإطار العائلي، وهذا الأمر يعود لخالته المعلمة التي كانت تقوم بعدة فعاليات أيام الأعياد من جمع التبرعات وتقديم المساعدات وأمور ترفيهية لطلاب مدارس واطفال أيتام وافطارات رمضانية، وهذا ما جذبه أكثر للعمل التطوعي ومن أن يكون قريبا من الناس وقصصهم ومعطاء. وفي فترة الجامعة وما بعدها كان هنالك الكثير من البرامج التي شارك بها سويدات كمتدرب ومتطوع من أجل المعرفة، وهذه المرحلة أوجدت له مسارا كاملا بحسب قوله، فهو تخصص بالهندسة، ولكن مع المسار التطوعي والعمل العام بنى له حياة مختلفة عن تخصصه الاكاديمي كوظيفة ومهنة ومسار حياة. ولا يتذكر سويدات أي عطلة قضاها في البيت، اذ دائما كان يخطط للمشاركة والتطوع وفعليا لا يذكر كمية الدورات التدريبية والفرص التطوعية التي شارك بها خلال فترة الجامعة. ولم يعمل سويدات بالهندسة عندما تخرج بل تطوع في أكثر من مجال وبدأ في زمالة لعدة برامج والآن هو مع مؤسسة الحسين للسرطان كمنسق ومسؤول عن أكبر برنامج تطوعي موجود بالأردن “سوار” الذي يضم ما يقارب 10 آلاف متطوع ومنتسب يشاركون في فعاليات المركز والمؤسسة وهذا اتاح له الاشراف على عملية تطوعية وليس فقط أن يتطوع. ويبين سويدات أن التطوع لم يكن مهمة سهلة بالنسبة له، اذ لم تكن هنالك الامكانيات المادية الكبيرة التي تسمح له بالمشاركة الدائمة بحرية، فبعض البرامج تقدم لك بدائل معينة. ويعتقد سويدات أنه اليوم من خلال التطوع والتدريبات، استطاع ان يكون مطلعا على خلفيات متعددة وتوجهات مختلفة وهذا ساعده، مبينا ان هنالك الكثير من الاشخاص الذين دفع بهم لمسار التطوع لكي يستفيدوا ويكتسبوا خبرة قد تكون تقنية أو على مستوى المهارات واخرى معرفية، ولكن للأسف هنالك عزوف من بعض الشباب حيث يرون أن لا فائدة على المدى القصير، بالرغم من أن هذا التفكير خاطئ. ومن الأمور التي لمسها سويدات في المتطوعين هي الشخصية المليئة بالحماس والطاقة والمعرفة، مبينا أن المتطوع يدخل بأي مجال في البداية ويستطيع أن يكتسب معرفة وخبرة من أشخاص كثر وهذه الفرصة قد لا يتيحها المسار العملي والمهني. المتخصص بالموارد البشرية د. بندر أبو تايه يبين أن توجه الشباب للعمل التطوعي يصقل الشخصية ويوسع المدارك ويساعد على تحديد الاهداف كما أن المسؤولية الاجتماعية الآن جزء من عمل المؤسسات ومن ضمنها الأعمال التطوعية للموظفين. ويشير أبو تايه إلى أن الفرد عندما يقدم على العمل التطوعي يكتسب مهارات وخبرات ومعارف تثري سيرته الذاتية وشخصيته بمهارات جديدة، وعندما يتقدم لوظيفة يكون واثقا من نفسه ومستعدا كما يمتلك قابلية للانجاز والتميز وينعكس ذلك على مستوى الرضا والولاء للمؤسسة وحب العمل إلى جانب تجاوزه أي معضلة يمر بها أثناء العمل. ويلفت أبو تايه ان المديرين يختلفون في تقديرهم للعمل التطوعي واعطائه درجة من الأهمية، فالبعض غير مدرك لأهمية هذا المجال وفائدته على الفرد والمجتمع ككل، لذلك عند الاختيار والتعيين وتقييم الموظفين قد لا يكون العمل التطوعي جزءا من اولويات بعض المديرين، بينما أصبح اليوم في صميم الأعمال التي تقوم بها الشركات من الأيام الطبية المجانية وخدمة المجتمع بجميع الجوانب. ويعتقد أبو تايه أنه عند اختيار فرد لوظيفة بشكل عام في الدول العربية لا يتم التركيز على خبراته في العمل التطوعي بل على المهارات والخبرات وبذلك يكون العمل التطوعي خارج المعادلة لدى بعض المؤسسات والشركات. رغم ان العمل التطوعي ينبغي اعطاءه الاهمية في عمل الموظف بحسب أبو تايه، وهذا ينعكس ايجابا على طبيعة العمل في المؤسسة والتطور والانجاز. كما ينصح ابو تايه الشباب بالتوجه للعمل التطوعي لفائدتين؛ الأولى تساعده في العمل وتخفف عنه الضغوط، ومن جهة أخرى قد تتفتح له آفاق أخرى وفرص وظيفية بالعمل التطوعي وذات مردود مادي جيد وبذلك ايجاد فرص في أماكن وأعمال متنوعة. ويوضح أبو تايه أنه من خلال العمل التطوعي يتم صقل مهارات الفرد ويكون مستعدا أكثر لسوق العمل واندماجه به ويضيف للفرد قيمة معنوية، كما ينقله من الموظف البسيط إلى موظف يدرك دوره الاجتماعي الآخر، فالعمل التطوعي “متعة”، وله قيمة كبيرة. مسؤولة النشاطات التطوعية الطلابية في كلية عمان روان عميرة بينت لـ”الغد” أن الاعمال التطوعية تصقل شخصية الطالب ومهاراته كما تملأ وقت فراغه إلى جانب الأثر الايجابي الذي تتركه سواء معنويا أو ماديا كما تساعد بتهذيب شخصية الطلاب. وتوضح أن المراحل العمرية الصغيرة عندما ترتبط بعمل تطوعي ينمي لديها العمل الجماعي وروح الفريق ويتهذب سلوك الفرد وشخصيته. وتشير عميرة انه عند وضع هذه الاعمال التطوعية في السيرة الذاتية، فإنها تدعم الشخص وتفيده في الحصول على وظيفة، مشيرة إلى أن هنالك إقبالا كبيرا من الطلاب على العمل التطوعي. الاختصاصي الاجتماعي الاقتصادي حسام عايش يبين صعوبة تعميم اعتماد المديرين للعمل التطوعي كمعيار لاختيار الموظف المناسب، مبينا أن ادارات أخرى تهتم بالمعرفة والمهارة والخبرة والحلول لمشكلات قد تنشأ بحكم المعرفة بكيفية العمل التطوعي. ومن الصعب القول ان كل المديرين مدركون لأهمية العمل التطوعي، بحسب عايش، وهذا يعتمد أيضا على نوعية العمل والوظيفة وأخذ الاعمال التطوعية بعين الاعتبار. وينوه عايش إلى أن العالم الغربي التفت لهذه النوعية من المهارات والمعارف التطوعية وفي مؤسسات المجتمع المدني، وينظر لها بعين الاهمية، وتأخذ مكانها في عملية التقييم للمتقدمين للوظيفة، وبدأ ذلك يتجسد في العالم العربي وفي الاردن على وجه التحديد. ويعتقد عايش أن هنالك ضرورة لاهتمام المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني والمديرين بالأعمال التطوعية، وأن تكون جزءا من التقييم للفرد عندما يتقدم الى العمل، خصوصا اذا تساوت المعايير الاخرى فمن المهم ان يتم الترجيح بمنح الوظيفة لمن يعمل بالمجال التطوعي. ويؤكد عايش أن هنالك عائدا اقتصاديا مهما من حيث اختصار الوقت في تدريب الفرد، فالعمل التطوعي يمنح خبرة كافية، ومن لا يملك المهارات والامكانيات والمعارف قد لا يجد مكانا له. اقرأ أيضاً: اضافة اعلان