الغش بالامتحانات.. "خلل" تربوي يتطلب توعية متواصلة من الأسرة والمدرسة

Untitled-1
Untitled-1

ديمة محبوبة

عمان - لم يغب عن بال الآباء مع بدء العام الدراسي الجديد؛ تحذير الأبناء من خطورة اللجوء إلى الغش أو "الاستسهال" للحصول على العلامة بدون جهد أو دراسة، خصوصا مع شكاو عديدة كانت تصل للأهل من إدارة المدرسة عن أبنائهم الذين يتبعون طرقا مختلفة في سبيل "الغش" بالامتحان.اضافة اعلان
اختصاصيون حذروا من لجوء الطالب للغش أو أن ينتهج أسلوب الاستسهال، ويبتعد عن الاجتهاد. وأكدوا على معالجة هذا الأمر الذي يتطلب تعاون الأسرة ببناء نماذج جادة مؤمنة بحقيقة الجهد وصولا للنجاح، كذلك دور المدرسة بالتوعية والارشاد، وعدم اعطاء الطفل مساحة لهكذا ممارسات خاطئة.
وتشعر أم أحمد بالحزن من تصرف ابنها الذي شاهدته العام الماضي بليلة الامتحان يجمع قصاصات من الورق تتطاير هنا وهناك، ويمسك بالمنهاج الدراسي، ليبدأ بتلخيصه على أوراق صغيرة. حاولت أن تتحدث معه عن خطورة هذا الأمر وأن في ذلك "سرقة" لجهود طلاب آخرين درسوا جيدا ليحصدوا علامات مرتفعة بتعبهم وجهدهم.
هذه العملية هي ما يسمى "بالبراشيم، أو قصاصات الغش"، وهي إحدى الوسائل التي بات يلجأ إليها الطلاب في المدارس والجامعات لتخطي الامتحانات، إذ أظهر استطلاع لرأي 24 ألف طالب من 70 مدرسة أن 64 % من الطلاب اعترفوا بالغش في اختبار ما، و58 % اعترفوا بالسرقة الأدبية و95 % قالوا إنهم شاركوا في شكل من أشكال الغش سواء كان ذلك في اختبار أو سرقة أدبية أو نسخ الواجبات المنزلية.
ويرى التربوي د. محمد أبو السعود أن اللجوء إلى الغش على مقاعد الدراسة أو حتى أحيانا في العمل، يكون من خلال اتخاذ قرارات النجاح لكن بطريقة سريعة والسعي إلى التفوق أحيانا بلا مجهود.
ويبين أن عدم فرض العواقب الرادعة في حال الإمساك بالطالب الذي يغش، أغلبها إما إنذار أو تنبيه أو رسوبه في ذلك الامتحان، هو ما لا يجعل الطالب يشعر بالخطأ الذي يرتكبه بكثير من الاحيان.
ويشير اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع، إلى أن ظاهرة الغش قديمة حديثة، ولا يمكن أن تتلاشى أو تختفي بشكل كامل، لأنها الكثيرين يتساهلون فيها ويعتقدون أن لا ضرر منها.
غير أن حلا، التي تعد من المتفوقين طوال أعوامها التي جلستها على مقاعد الدراسة لغاية إنهاء مرحلة الماجستير في الأدب الإنجليزي بامتياز، تؤكد أنها لم تسع إلى الغش هي أبدا، لكنها كانت محط أنظار واهتمام جميع من بالصف على مدى أعوام طويلة، ولأنها ذكية وسريعة الحفظ والفهم، لم تجد صعوبة في دراستها للماجستير، وكانت تجد أنه لا ضير من توزيع معلوماتها لمساعدة الآخرين.
وتشير إلى أنها كانت تشترط على زملائها أن يبذلوا مجهودا وهي ستساعدهم في الدراسة لأجل علامات أفضل وليس مساعدة كاملة من الألف إلى الياء، إلا في حالات إنسانية.
وتجد الأمر اليوم مضحكا، والجميع كان يستغرب من حالتها فعادة من يطلق عليه "نيرد" والتي تعني أنها متفوقة في الدراسة ولا تساعد، "لكن ما كان يحدث معي هو عدم المبالاة بهذه التفاصيل، والذكاء نعمة.. ولا ضير من مساعدة الآخرين والاستمتاع في أيام الدراسة".
وفي هذا السياق يؤكد جريبيع أن الضرر من الغش موجود، فمن اعتاد عليه في الصغر كبر معه، لأنه انتهج أسلوب الاستسهال، وابتعد عن الابتكار أو عن حتى عن حب الدراسة والاجتهاد.
ويشير إلى أن كثيرا ممن الطلاب ينسخون أبحاثهم عن طريق الانترنت، وتكون إجابتهم بانتهاج هذا التصرف هو الخوف من تغيير هذا الكلام الجميل والمتناسق والذي يحمل ذات المعنى الذي يريده الطالب في الكثير من الأحيان.
ويوضح أن سبب قيامهم بذلك هو عدم ثقتهم بأنفسهم، وبدلا من البحث عن المعلومة التي يريدونها بالفعل للدراسة استغلوا وقتهم للبحث عن السرقات التي وثقوها في بحوثهم.
ويؤكد اختصاصي علم النفس د. موسى مطارنة أن هنالك جوانب نفسية قد تدفع الطالب للغش، وقد تغيب قدرته عن شرح الظروف الحقيقية التي حالت بينه وبين الدراسة أو القيام بواجباته، هذا لا يعني أن الجميع لديه الأسباب نفسها.
لكن مطارنة يؤكد أن هناك سببا مهما فيما يحدث مع من يتبعون الغش، ولو كان هناك طرقا تساعدهم على ترتيب أولوياتهم وشرح ظروفهم وتحقيق المساعدة الحقيقية سيكونون أكثر قدرة على قول الحقيقة، والابتعاد عن الغش وخلق الأكاذيب والاستهانة بما يريد القيام به.
والغش في المدرسة هو سلوك طلابي ليس له أبعاد مجتمعية، وفق مطارنة، ويأتي نتيجة لغياب الوعي لدى الطلبة، وأحيانا من باب التقليد لزملاء آخرين عندما يجدون المساحة لذلك. لكن في حال تم ضبط الأمور في الغرف الصفية فلن يلجؤوا لذلك.
ويبين مطارنة أن التغاضي وغياب الانظمة والانضباط سيستمر الطالب بفعله، وسيعتبره أمرا عاديا ويستسهله كي يصل للنجاح.
لذلك، هذه المنظومة تتطلب تعاونا من الأسرة التي تساهم ببناء نماذج جادة مؤمنة بحقيقة الجهد، وعدم سرقة جهد وتعب الآخرين، وفق مطارنة الذي يؤكد على دور الأهل بزرع القيم والمبادئ والأخلاق الحسنة بنفوس الأبناء لكي لا يكون "الغش" أحد أساليبهم للنجاح.
ويلفت مطارنة إلى دور المدرسة أيضا يكمن بالتوعية والارشاد، وعدم اعطاء الطفل مساحة لهكذا ممارسات خاطئة.
وفي السياق نفسه يشير جريبيع أن هذه التصرفات ليست مرتبطة بالدراسة فقط، فالغش أيضا يكون في العمل، وقد يكون الضرر بمختلف المجالات، لذلك يتوجب العمل على بناء منظومة حقيقية تبدأ من الطفولة حتى الشباب لمحاربة هذه الآفة والسيطرة عليها.