الغضب والتوتر من متاعب الحياة.. حينما يفرغه آباء على الأبناء بلا ذنب

879
879
ديمة محبوبة يجلس عبد الرحمن والد لثلاثة أبناء، بمفرده في غرفته واضعا يديه على جبهته يلوم ذاته ويقسو عليها، بعد غضبه على عائلته وتحديدا أطفاله بعد يوم طويل ومرهق في عمله، إذ أن صراخه وسخطه يغلب على كل شيء من حوله.. بل وعيون أفراد عائلته تخافه وتتساءل ماذا بعد؟! هذا المشهد يتكرر عدة مرات، إذ يعمل عبد الرحمن في مجال المحاسبة والتدقيق لعدة شركات قانونية وتجارية، ما يعني التركيز والتوتر الدائم بالتعامل مع أصحاب الشركات والعاملين فيها، ليشعر بالتعب الشديد خلال رحلة عودته للمنزل، وما أن يسمع صوت أبنائه وشكواهم حتى يشعر بأن طاقته مستنزفة مع ظروف الحياة الصعبة وقدرة تأمين حياة جيدة للعائلة، وبالتالي يصب كل الغضب والتوتر والقلق على أهل البيت. هو يدرك أنه يبالغ كثيرا بردة فعله من غضب وصراخ، وينعكس غضبه من عمله على أقرب الناس إليه، بسبب الضغط الذي يعيشه، وبعدها يشعر بالذنب من أن أطفاله يدفعون ثمن هذا الضغط والمتاعب الحياتية التي يعيشها. يقول عبدالرحمن: “إن ما يحدث يجعله يعيش بصراع ما بين اللوم وما بين الغضب، ويعد نفسه وأطفاله أن لا يعيد تلك التصرفات لكن السيطرة على مشاعره وضغوطات الحياة تعيده لتلك السلوكيات الخاطئة في مرة أخرى”. “بابا احنا شو عملنالك بشو غلطنا.. إنت اللي دايما معصب علينا”؛ تلك الجملة التي توجع قلبه حينما يسمعها من أحد أبنائه، وهم بالفعل لم يخطئوا بشيء، وكأنهم أداة للتفريغ، محاولا أن يتغير في كل مرة، لكنه يعترف أنه يعود لذات الطريقة. وفي ذات السياق تجد ثراء تيسير وهي أم عاملة ولديها طفلان، نفسها تحارب على عدة جبهات وحدها، ما يجعلها أما عصبية وغير مراعية لاحتياجات أطفالها النفسية والعاطفية، لتقنع نفسها بأن العصبية والتخويف يمكن أن يعطيها الراحة ليكون بيتها أكثر تنظيما رغم معرفتها التامة بتقصيرها وغضبها غير المبرر تجاه أطفالها لكنها غير قادرة على السيطرة. تقول “يقع على عاتقي تربية الأطفال والمواءمة بين متطلبات المنزل والعمل، وهذه المسؤوليات تولد التوتر وفجأة أجد نفسي أصب كل توتري وغضبي على أطفالي”، لتراجع نفسها يوميا قبل أن تخلد إلى النوم وتلوم نفسها لأنها تصب كل ما بداخلها على أطفال لا يعرفون شيئا مما يحصل معها. وتضيف أن الضغوط التي تتعرض لها لكي تؤمن لأطفالها حياة أفضل، خصوصا بعد انفصالها، فهي تعمل لأجلهم ولأجل عيش كريم يتمتعون به بالمستقبل، لكن يشوب كل ذلك إحساس بالتعب يدفع أطفالها ثمنه دون دراية منها بالأثر النفسي الذي سيحملونه معهم. أهال يسألون أنفسهم بشكل يومي: لماذا نتصرف بسوء وغضب مع أطفالنا؟.. لماذا نتسبب في حزنهم وقهرهم، لماذا نحملهم مسؤولية كبيرة عليهم؟ فيشعرون بالذنب لأنهم تسببوا بالأذى لطفلهم نفسيا أو جسديا، وفق اختصاصي علم النفس د. موسى مطارنة. هذه الحالة يشعر بها الجميع وهي حالة إيجابية لأنها بداية التغيير للأفضل، لكن على الفرد أن يفكر مليا في تغيير ذاته وتصرفاته والابتعاد حقيقة عن روتين يومه الذي يجعله أكثر عصبية، وتحميل مسؤولية غضبه للآخرين مما لا ذنب لهم. ويؤكد أن الأعمال الوظيفية والتعامل مع أناس يسببون التوتر ويستفزون طاقة الإنسان يزيد من المتاعب، لكن ذلك ليس من حق أحد أن يفرغ هذا الغضب على الأبناء ذريعة لهذا التنفيس والتعامل السلبي. ويشير إلى أن هناك طرقا تحسن من نفسية الأهالي وهو تذكير أنفسهم أن كل هذا من أجلهم ومن أجل أطفالهم، وأن من حقهم بحياة فيها راحة نفسية واحتواء وعاطفة سليمة لأن ذلك هو الأهم. التربوية والمرشدة رائدة الكيلاني تؤكد أن كل الأعمال التي ترهق الأب والأم هي بالفعل بحاجة لقدرة تحمل الصعاب خصوصا مع زيادة أعباء الحياة ومستلزماتها، لكن ما تريد أن تشدد عليه أن هؤلاء الأبناء ليس لهم ذنب بتلك الصعاب وعليهم حق الحب والاحتضان والاستماع حتى أنهم يمكن أن يكونوا أداة تنفيس إيجابية. وتنوه إلى أن الحديث معهم وسماع قصص يومياتهم يمكن أن يكون علاجا سحريا لكل مضايقات اليوم وضغط الحياة، إذ يولد مشاعر جميلة ويمكن أن يلحقها موقف طريف يجلب الفرحة والراحة وينسي المتاعب، والأهم يمنع من الشعور بالذنب خصوصا عندما يخلد الطفل إلى النوم. وتبين أن التعاون والحديث الصريح بين أفراد العائلة وشرح المشاعر يخفف من العتب والغضب فالمشاركة أمر مهم، ويخفف من عبء الحياة، ويمكن شرح ما يشعر به الأب والأم بعد العودة من العمل والاتفاق أن يكونوا أكثر هدوءا، كأن يأخذ الأب أو الأم قسطا من الراحة ومن ثم يمكن اللجوء للحديث واللعب وغيرها من الأنشطة التي تخفف من حدة التوتر.اضافة اعلان