الفجوة في الأجور بين الجنسين.. هل تقلص من فرص تطور الإناث بالعمل؟

ديمة محبوبة

عمان - "اجتهدت وعملت ونافست زملائي الرجال بكل مهنية واحتراف، ولم أدخر جهدا للارتقاء بعملي وجعله أقرب إلى الكمال، إلى أن وصلت إلى الدرجة التي أطمح إليها"، بهذه الكلمات عبرت أحلام ياسين "اسم مستعار" عن رحلة عملها خلال السنوات السابقة.اضافة اعلان
وتقول أحلام (45 عاما)، إنها تفاجأت بعد قضاء نحو 18 عاما في الشركة التي تعمل بها، ووصولها إلى منصب المدير العام للشركة، أن راتبها يقل بنحو الثلث عما كان يتقاضاه زميلها الذكر في المنصب نفسه، وبعد الاستفسار حول ذلك، قيل لها إن ذلك موجود ضمن القانون الداخلي للشركة.
وتضيف، أن ذلك يعود وفقا لتفسير المسؤولين أن الرجل مسؤول عن بيته، أما النساء فهن في غالبية الحالات لسن المعيلات لأسرهن، وبالتالي لسن بحاجة إلى أجر عالٍ.
وتقول إن ذلك تسبب لها بخيبة أمل كبيرة، "فما نزال نعيش في مجتمع ذكوري، ينظر إلى المرأة بعين ناقصة".
مشكلة أحلام ليست خاصة، فما يزال هناك تمييز في الأجور بين الرجل والمرأة في كثير من المجتمعات، حتى مع كسر المرأة عددا من القواعد المرتبطة بنوع العمل أو وقته.
ومن ذلك، أظهر التقرير الإحصائي السنوي الصادر عن دائرة الإحصاءات العامة للعام 2019، أن متوسط الأجر الشهري للعاملين في القطاعين العام والخاص يبلغ 540 ديناراً للذكور، و484 ديناراً للإناث، وبفجوة في الأجور لصالح الذكور بلغت 56 ديناراً، فيما كان متوسط ساعات العمل الشهرية 208 ساعات للذكور و188 ساعة للإناث.
وتشير جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن" إلى المادة 2 من قانون العمل الأردني رقم 8 للعام 1996 وتعديلاته، التي تنص على تعريف "التمييز في الأجور" بأنه "عدم المساواة بين العمال في الأجر عن كل عمل ذي قيمة متساوية دون أي تمييز قائم على الجنس"، وهو تعديل مهم يهدف إلى زيادة المشاركة الاقتصادية للنساء، ويحد من أوجه التمييز بين الجنسين في مجال العمل.
وتشير الجمعية إلى أن التنفيذ الكامل لنص قانون العمل القاضي بعدم التمييز في الأجور بين الجنسين سيضع حداً لسبب من أهم أسباب عدم التحاق النساء بسوق العمل أو الخروج المبكر منه، إذ تتسبب الفجوة في الأجور بين الجنسين بخسائر مالية للنساء تقدر بالملايين سنوياً، ما يحول دون تعزيز فرصهن الاقتصادية ويحد من تمكينهن، وقدرتهن على مواجهة الأعباء الاقتصادية والتحديات المستقبلية.
ولمحمد فيصل (35 عاما) رأي آخر، إذ إن التمييز في الأجور لصالح الذكور يراه "منطقيا" فالرجل هو القائم على البيت، ولديه التزامات تجاه أهله وعائلته، وفي الوقت ذاته فإن النساء لا يقمن بكل الأعمال المناطة بالرجل، كما يقول.
ويضيف فيصل، أن إجازات المرأة في بيئة العمل أكثر من الرجل، فهي تحصل على إجازات الأمومة التي تصل إلى 70 يوما في القطاع الخاص، و3 أشهر في القطاع العام مدفوعة الأجر، في حين لا يحصل الرجل على أكثر من 3 أيام كإجازة أبوة للمولود الجديد.
ويشير فيصل إلى أن التمييز ليس "جندريا كما تصفه بعض النساء، وإنما هو قائم على طبيعة الرجل وتحمله للعمل، وعمله لساعات أكثر من المرأة".
وتذكر جمعية "تضامن"، أن الفجوة في الأجور بين الجنسين (التي يكون أغلبها غير مبرر)، وهي عبارة عن الفرق بين متوسط الأجر في الساعة للأنثى نسبة إلى متوسط أجر الذكر في الساعة، لا تعد قضية اقتصادية فحسب، وإنما لها قيمة اجتماعية مهمة تمتد آثارها السلبية على النساء، لتؤثر في موازين القوى، وبالتالي يتأثرن بها، على اعتبار أن الاستقلالية الاقتصادية تعزز من استقلالية النساء وقدرتهن على إسماع أصواتهن وإحداث التغيير على مستوى المجتمعات المحلية وعلى مستوى أسرهن.
والفجوة في الأجور بين الجنسين ما هي إلا مؤشر آخر من مؤشرات ضعف التمثيل النسائي في المناصب القيادية والإدارية العليا في القطاعين العام والخاص.
ويرتفع متوسط الأجر الشهري للعاملين في القطاع العام عن متوسط الأجر الشهري للعاملين في القطاع الخاص، إذ بلغ المتوسط في القطاع العام 649 ديناراً للذكور مقابل 555 ديناراً للإناث، فيما بلغ المتوسط في القطاع الخاص 495 ديناراً للذكور مقابل 422 ديناراً للإناث، وعليه فإن الفجوة في الأجور في القطاع العام 14.5 % وفي القطاع الخاص 14.7 %.
وكان متوسط ساعات العمل الشهري في القطاع العام للذكور 169 ساعة وللإناث 166 ساعة، وفي القطاع الخاص 224 ساعة للذكور و207 ساعات للإناث.
ويعلق دكتور علم الاجتماع حسين خزاعي أن ما يحدث يسمى بفجوة الأجور بين الجنسيين، للأسف أنه بالفعل يقاس من وجهة نظر ذكورية، فمن يقول إن المرأة لا تعمل كالرجل ولا تقدم ما يقدمه الرجل اليوم لعائلتها فلا يمكن أن يكون قولا صحيحا، أو مبنيا على أسس سليمة.
ويؤكد أن العديد من الدراسات العمالية أثبتت أن عمل المرأة أكثر كفاءة من بعض الرجال، وذلك لأنهن دائما يقمن بإثبات ذاتهن للمجتمع قبل أنفسهن ويسعين للتطوير رغم العديد من الظروف والمسؤوليات الواقعة على عاتقهن. والأصل أن يعيد أهل الاختصاص النظر في هذه الأجور وأن تقدر المرأة على عملها وما تقدمه للمجتمع.
الخبير الاقتصادي حسام عايش يؤكد أن ما يحدث من فجوة في الأجور بين المرأة والرجل في الأردن هو ما يحدث في العالم ككل، معتقدين أن الرجل هو الذي يتحمل أعباء العائلة والمصروفات فقط.
ويستغرب عايش أن هذه الفكرة لم تتغير مع تغير موازيين الحياة، التي جعلت المرأة، إن لم تكن هي المسؤولة الوحيدة عن العائلة، فهي المشارك الأساسي في المصروفات والمسؤوليات الأسرية.
ويرى أن الرجل جميع الإدارات تعمل لأجل صالحه في اتخاذ أجر أعلى وحصوله على فرص أكثر تجعل منه مؤهلا أكثر لمناصب أعلى، ما يجعل المرأة تحت منافسة غير عادلة عادة بينها وبين الرجل، ويجعلها في كثير من الأحيان لا تحظى بفرص تطور بالعمل، ما يؤثر في نفسيتها.
ويركز أن ما يحدث في العالم ككل، والأردن خاصة، هو خلاصة موروثات اجتماعية ونظرة ذكورية رغم كل التغيرات التي حصلت في العالم، إلا أن هذه النظرة التي تصب لصالح الرجل بقيت وتستمر حتى اليوم، ما يجعل الظلم الواقع على الأنثى العاملة كبيرا وغير عادل.