الفراغ لدى الشباب "يقتل" الأمل ويأخذهم نحو "الاكتئاب"

رشا كناكرية

عمان- حينما يتسلل الفراغ لحياة شباب، فإنهم "يضلون الطريق"، ويستسلمون لحالة من "الكآبة". ذلك لا يأتي من فراغ، إنما بعد محاولات كثيرة لإيجاد فرصة عمل وتحقيق طموحات انتظرت طويلا، ولكن يأتي الرفض وإغلاق الأبواب في وجوههم ليصبحوا أسيرين لـ"حياة الفراغ واللاشيء".اضافة اعلان
نقص التوجيه والإدارة الصحيحة لحياتهم، قادهم لـ"فراغ قاتل"، سلب منهم أحلاما كثيرة، فاتخذوا من الوحدة مكانا، كل ذلك أدخلهم في حالة من الاكتئاب، والميل للعزلة، و"انعدام الطموح".
شباب يجدون أن "الأيام باتت متشابهة"، وإن اختلفت التواريخ، لا إنجاز يغيرها ولا شيء يبدل "الروتين والرتابة"، إذ تتطور هذه الحالة مع الوقت وتزداد خطورتها طالما لا شيء يتغير.
غزل محمد (26 عاما) وجدت نفسها تدخل في حالة اكتئاب بعد محاولاتها الكثيرة في العثور على عمل الذي أصبح كما تصفه من "المستحيلات"، فهي استسلمت لواقعها، وترى نفسها انسانا "غير منتج" لا يستطيع أن يلبي أبسط احتياجاته، وهذا قادها للعزلة، والعصبية الشديدة واللجوء للنوم هرباً من الواقع الذي تعيشه.
هي ترى أن الظروف الخارجية والبيئة المحيطة بها زادت من وضعها سوءًا، فأصبحت تتأثر من أبسط الأمور وتبتعد "قصدا" عن محيطها الاجتماعي علها تجد الراحة مع نفسها، بعد أن فقدت الأمل، وغادرها التفاؤل.
أحمد يوسف (27 عاما) يعتبر نفسه "ثقيلا" على عائلته فرغم المحاولات الكثيرة لإثبات نفسه، وتلبية جزء من طموحاته، إلا أن الوضع الصعب في قريته وعدم قدرته على الانتقال إلى المدينة للحصول على عمل والبدء في بناء حياته أصعب مما تخيل، وهذا جعله أسيرا لحالة من "الكآبة" رغما عنه، يهرب من التجمعات العائلية ويميل للوحدة هربا من الأسئلة الكثيرة عن الوظيفة وعن انجازاته التي وصل إليها في هذا العمر، في حين انه لا يملك اجابات عليها، كما يقول!
في حين أن الكآبة تسللت لحياة ملك عادل (24 عاما) بطريقة مختلفة، إذ ترى أن قرار زواجها في عمر صغير، كان سببا في انهاء طموحات لطالما حلمت بهم، فهي وجدت نفسها أما مسؤولة عن عائلة وحياة جديدة تفوق قدراتها. وتقول انها حاولت أن تتأقلم مع الوضع، ولكنها تعتقد أن عدم تنظيمها لحياتها أدخلها في حالة من الاكتئاب بسبب التطورات السريعة التي عاشتها، ودخولها في دوامة لا متناهية من الروتين الذي يعيد نفسه، فأصبحت تسأل نفسها: "لماذا وصلت لهذه الحالة؟"، فالاكتئاب ووقت الفراغ جعلها تشعر باليأس من نفسها ومن حولها.
اختصاصي علم النفس الدكتور علي الغزو يوضح أن أسباب الدخول بحالة الاكتئاب تختلف، لكن أهمها أوقات الفراغ، فضلا عن الأسباب المادية والظروف الاجتماعية وتحديداً التفكك الأسري، إلى جانب قلة الدافعية والتحفيز والتوجيه للطريق الصحيح لهؤلاء الشباب رغم حاجتهم الكبيرة لكل ذلك في ظل الصراع الذي يعيشونه.
ويضيف الغزو أن كل شخص بحاجة لأن يعزز ثقته بنفسه وهذا بحاجة إلي توجيه من الأسرة والأم تحديداً، لينشأ الابن على الأسس الصحيحة والسليمة، وبالتالي تقل مخاوفه من المستقبل.
ويعتقد العزو أن الطريق الصحيح يكمن بتوجيه الشباب نحو العمل التطوعي لبناء نفسه وتطوير مهاراته، وهذا يختلف باختلاف البيئة التي تلعب دورا كبيرا الى جانب المكان الجغرافي، إذ إن المشاكل والعقبات التي تواجه الشباب في القرى والأماكن النائية، تختلف عنها في المدن.
ووفق الغزو، فإن توجه الشباب للأعمال التي تعزز الثقة بالنفس مثل الأعمال التطوعية هدفها بناء الشخصية وليصبح عنصر فعال في المجتمع له بصمة وتأثير بالآخرين، وهذا ينعكس ايجابياً عليه ويصل إلى مرحلة تسمى في علم النفس بـ"تحقيق الذات"، فهو يرى نفسه عنصرا منتجا حتى وان لم يحصل بالبداية على أي مقابل مادي.
ويوضح الغزو أن العزلة أحد أعراض الاكتئاب، وهي تختلف عن الانطواء الذي يمكن ان يظهر بالخجل أو ضعف بالشخصية، مضيفا أن الخطورة تكمن في ما بعد العزلة والوحدة التي من الممكن أن تخلق أفكارا تلحق أذى وضررا بالنفس، وأفكار سوداوية، تكون سببا باللجوء للانتحار أو الانحراف وارتكاب الجريمة.
كما أن الاكتئاب الذي يصيب الشباب، تظهر نتائجه بأعراض الاضطراب والقلق والوسواس القهري والخوف من المحيط. ويعتقد الغزو أن الحل والدور الأكبر على الجهات الإعلامية والمؤسسات المختصة سواء الإنسانية او النفسية أو الاجتماعية من خلال حملات توعية إعلامية تحث الجهات المسؤولة على رعاية الشباب والاهتمام بهم، فالكثير منهم يمتلك الحافز ولكنه بحاجة لجهة تتبناه وتحتويه.
ويلفت الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة إلى أن الفراغ "آفة اجتماعية" تؤثر على المجتمع والإنسان، وتدفع الشاب نحو طريق يختلف تماما عما كان يخطط له، مبينا أن ذلك الفراغ ناجم بدرجة كبيرة عن البطالة وغياب الأنشطة التي تساهم ببناء شخصيته، مما يتسبب بحالة من القهر وغياب الأمل. ووفق مطارنة، فإن الشعور بـ"اللاشيء" وغياب الانجاز يتسلل لنفس هذا الشاب، كذلك الاحباط من محيطه ومجتمعه، وصولا لليأس الذي يدخله مرحلة الاكتئاب، وتختلف درجته من شخص لآخر.
ويوضح مطارنه أن الإنسان الواعي هو الذي يحاول أن يتجاوز الفراغ الذي يخترق حياته، وإن كان ذلك عبر برنامج يومي ممتلئ بالأنشطة وبعض الهوايات حتى لا يتجه لطريق آخر له آثار سلبية تضر بمستقبله.
ومن جانب آخر، يعتقد مطارنة الثقاقة المجتمعية بالوطن العربي، اتجاه الاختصاصيين النفسيين خاطئة، إذ إن الوعي بالصحة النفسية "ضعيف" نوعا ما، وساهم بترسيخ ذلك الدراما والأفلام والثقافة المجتمعية بأن من يذهب للطبيب النفسي هو فقط من يعاني "الجنون"، بالرغم من أن ذلك "عار عن الصحة"، فمن يذهب اليه قد يعاني أزمة نفسية مؤقتة، بل قد تكون لديه إشكالية ما أو أمر في حياته لا يجد له حلا، لذلك يكون ملجؤه الطبيب المختص لكي يساعده ويرشده.
ويوضح مطارنة أن سلامة الصحة العضوية تأتي من سلامة الصحة النفسية وتوازنها والاهتمام بها، بجانب امتلاك الشخص مهارات مختلفة للحياة تجعله قادرا على مواجهة أي مشكلة وحلها من خلال تكيفه واتصاله الجيد من الآخرين والتعامل بشكل إيجابي وعلمي مع مشاكله، منوها بأن حالة عدم الاهتمام وإهمال الصحة النفسية يولد الضغط والتوتر والقلق وتنتج عنها أمراض القلب والسكري والضغط وغيرها، لهذا يجب تغير الثقافة والأفكار السائدة عن المرض النفسي، والقاء الضوء عليها أكثر.
والإنسان الذي يمتلك الطاقة والعلم والخبرة ولا يستثمر هذه القدرات تنخفض نظرته وتقديره لنفسه، وفق ما يؤكده اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، الذي يبين أن انخفاض منسوب تقدير الذات، يشعر الشاب بأنه عالة على المجتمع وعلى أسرته وأنه انسان بلا فائدة مع غياب انتاجيته وتأثيره.
الخزاعي يرى أن الخطورة الكبرى عندما يكون وقت الفراغ يقتحم حياة حملة الشهادات والمؤهلين والمتعلمين، فهؤلاء يبنون آمالا كثيرة أثناء الدراسة والأمل بإيجاد العمل المناسب والتقدير والمكانه التي يبحثون عنها، إذ يصابون بحالة من فقدان الأمل بسبب طول مدة البطالة، ويقول "كلما زادت مدة العيش تحت وطأة البطالة ارتفعت نسبة التذمر وغياب القبول والرضا"، بالتالي الدخول بحالة من الاكتئاب واللامبالاة، وغياب الانتماء لمجتمعه. وبحسبه، فإن البطالة تولد أفكارا سوداوية، وهي أهم أسباب الاكتئاب لدى الشباب، وأعراضها عدم المشاركة والكسل واللامبالاة وعدم التفاعل وهذا يقود لـ"العزلة"، وتدني تقدير الشخص لذاته، خصوصا مع عدم قدرته على تلبية احتياجاته الأساسية. ووفق خزاعي، فإن هنالك 423 ألف طلب في ديوان الخدمة المدنية وغيرهم 60 ألف خريج أصبحوا نصف مليون الآن، لذلك المنافسة شديدة على لقمة العيش والعمل، وهذا يوجد أيضا الخوف من الارتباط لدى الشباب أو الدخول بأي مشروع مستقبلي سواء اجتماعي أو اقتصادي.
ومن جهة أخرى يرى خزاعي، أن الذي يدفع الثمن الأكبر في الأردن هم شباب القرى، ففكرة الانتقال والعيش في المدينة لديها الكثير من المتطلبات، كما أن فتيات القرى معاناتهن مركبة ومضاعفة، ومعدلات البطالة بين الاناث ضعف معدلاتها بين الذكور وتصل نسبتها الى 76 % بين الفتيات حملة الشهادات.
ويؤكد بأن الحل يكمن عند الشخص نفسه، مطالبا الشباب بالبحث عن العمل وعدم الاستسلام، والتقاط أي فرصة والابتعاد عن البحث عن الراتب المناسب أو العمل بالمكان الذي يرغب به فقط، انما يسعى للانخراط في سوق العمل مهما كان شاقاً وقاسياً وان يحاول ايجاد فرص للتدريب والتطوع الذي يمكن أن يكون بابا للرزق، هذه الأمور التي ترفع من معنويات الشاب واعتزازه بنفسه ومكانته عندما يلبي جزءا من طموحاته واهدافه.