الفرح وإخفاء الحزن.. كيف يكونان أكثر ألما من المواجهة؟

1708686001646201300
الفرح وإخفاء الحزن

خيبات الحياة لا يمكن الهروب منها، فما بين الفرح والحزن قصص لم تكتمل وخذلان ظل عالقا ولحظات وثقت الوجع والخسارة.  ويبقى لكل شخص طريقته في التعاطي مع ما يمر به.

اضافة اعلان


هنالك من يعيش ما يمر به كما هو، وهنالك من يختار الاختباء خلف قناع الفرح الوهمي بقصد الهروب من المواجهة وذلك بادعاء القوة، متغاضين عن حقيقة أن من يصطنع الفرح يتألم أكثر من تصالحه مع أحزانه، فالتصادق مع الحزن لا يعني الاعتياد أو الوقوف عنده للأبد. 


الابتسامة هي السلاح الأقوى في تحديها للحزن، بهذه الطريقة تتخطى أمل (33 عاما) ما تتعرض له من خيبات وألم، فنظرات الشفقة تثقل روحها وتزيد من وجعها، لذلك تعودت منذ أن كانت صغيرة أن تخفي حزنها بالابتسامة حتى لو كانت مزيفة وليست من القلب.


وتبين أن كبتها لمشاعرها هو الحل بالنسبة لها، لأنها بذلك تنقذ نفسها من أسئلة البعض الفضولية وتختصر الكثير من الكلام الجارح الذي لا معنى له. هي رغم الألم، إلا أنها ترفض أن تنهار حتى أمام من تحب، هي تريد أن تكون قوية دائما في نظر من حولها حتى لو كان الثمن صحتها.


أما لين، فعلى العكس تماما لا يعنيها كيف سينظر لها الآخرون، هي تعرف كيف تقوي نفسها بنفسها وتتصالح مع حزنها، فادعاء الفرح هو تأجيل للحزن وليس علاجه نهائيا، وهذا ما لا تفضله. 


ترى أن الحزن شعور طبيعي ويجب التعامل معه بوعي أكثر بعيدا عن المخاوف التي يفرضها المجتمع، فالتصالح مع الحزن أفضل بكثير من كبته وتراكمه. والتجاهل المتعمد لهذه المشاعر يجعلها تظهر في الأوقات الخطأ ومع الأشخاص الخطأ.


والحزن، كما يراه أمجد (40 عاما)، هو فرصة لكي يفهم الإنسان نفسه ويتعلم من أخطائه، فالحزن يجعله أكثر شفافية مع ذاته، أما اصطناع الفرح واستخدامه كقناع خوفا من مواجهة الحقيقة فيحمله فوق طاقته ويحرمه من أن يكون حقيقيا حتى في مشاعره.


ويبين أن الإنسان متى تصالح مع أحزانه استطاع أن يتجاوزها، فالاعتراف بالحزن هو أول خطوة في طريق التعافي. أمجد تعلم أن يحترم مشاعره ويعيشها من دون أقنعة أو مبالغة، وذلك لأنه قوي من الداخل ويعرف لمن يلجأ في الأوقات الصعبة.


من جهته، يبين الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة، أن من يتصنع الفرح في أوقات الحزن يتألم أكثر ممن يعيشها ويتصادق معها كفترة عابرة، وذلك لأن متصنع الفرح يكبت شعوره ويقرر أن يتظاهر بالسعادة لأسباب عدة؛ منها الهروب والخوف من الضعف ونظرات الشفقة، وأحيانا يلجأ الشخص لتزييف الشعور وإظهاره على خلاف حقيقته، لكونه لا يحبذ مشاركة الناس همومه وأحزانه، معتقدا أنه لا أحد مجبور أن يستمع له ويحمل همه.


ويوضح أن المشاعر يجب أن تعاش بعفوية كما هي؛ لأن اصطناعنا لشيء غير موجود وغير حقيقي هو دليل على وجود إشكالية ما ويحدث ذلك بتراكم الأحزان وكبتها طوال الوقت بدلا من إظهارها، وهذا يتولد عنه ضغط نفسي كبير قد يصل إلى الاكتئاب وآلام نفسية وجسدية مختلفة. 


ويشير مطارنة إلى أن الطبيعي هو  أن يعبر الإنسان عن مشاعره بصراحة وتوازن وبعيدا عن التصنع، فمواجهة الحزن واحترامه والتصالح معه على أنه فترة مؤقتة، كل ذلك يجعل منه إنسانا مواجها وقويا وصادقا في شعوره، وبالتالي لديه الثقة لتخطي كل ما يشعر به. 


وبحسب مطارنة، فإن التعبير عن المشاعر بشكل طبيعي بعيدا عن الاصطناع يخلق حالة من الاستقرار النفسي، والتي تجنبنا الوقوع في فخ الصراع الداخلي الناتج عن الكبت والندم وجلد الذات، فيؤثر سلبا على صحة الإنسان النفسية وعلى طاقته وعطائه، وذلك لأنه لم يكن صريحا مع نفسه وصديقا لحزنه.


وتقول خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم "من الطبيعي المرور بتجارب صعبة ومؤلمة، وبالعديد من الخيبات والأحزان والصدمات، هذه التجارب السلبية لها ردود فعل جسدية عقلية عاطفية وسلوكية، ولها مستويات مختلفة عند الأشخاص، فقد يعاني البعض من مستوى عال من الضيق العاطفي والنفسي الذي يؤثر سلباً على حياته بشكل عام، وقد يستغرق وقتا طويلا للتعامل مع الصدمة والتعافي منها. بينما البعض الآخر قد تكون ردود أفعالهم أخف وطأة تمر بمستويات معقولة أو خفيفة". 


وتعتمد الطريقة التي يتفاعل بها الشخص مع الصدمة على نوع وشدة الحدث الصادم، وما إذا كان لدى الشخص أي خبرة سابقة بالتعامل مع الأزمات، وإذا كان نشطا أو عاجزا، وعلى مقدار الدعم المتاح بعد الحادث كالدعم من الأهل أو الأصدقاء، والضغوط الأخرى في حياة الشخص، وشخصيته، ومستويات المرونة الطبيعية لديه، وأي تجارب صادمة سابقة. 


أكثر ردود الفعل الشائعة هي الشعور بالخدر العاطفي أو العيش في حالة الصدمة، الشعور بالتوتر والقلق، الشعور بالتعب والإجهاد، ضعف التركيز والذاكرة، التشويش والارتباك، الخوف والذعر، عدم الرغبة في التواصل مع الآخرين، وخيبة الأمل والشعور بالخذلان والاكتئاب والحساسية المفرطة والانسحاب. 


أما ردود الفعل غير الشائعة، فهي محاولة سلوك مسلك نفسي وعاطفي لا يتناسب مع الحدث المؤلم، مثل عدم إعطاء ردود الفعل الطبيعية الشائعة المذكورة سابقاً، ومحاولة اصطناع الفرح والادعاء الكاذب بأنهم على ما يرام، هذه الطريقة مؤذية جداً وغير صحيحة قد تؤخر عملية الشفاء والاستشفاء.


محاولة الهرب وعدم المواجهة، هي قمة الضعف وادعاء القوة، هي التجاوز والتغاضي عن مراحل العلاج، كبت ردود الأفعال الذهنية أو الشعورية وعدم إخراجها هي مرض بحد ذاته وقمة الألم، المواقف المؤلمة والصادمة تحتاج إلى ردود أفعال شعورية طبيعية؛ كالحزن والألم والبكاء، والتفريغ العاطفي أمر ضروري لنخرج المشاعر السامة من داخلنا.


ولمساعدة أنفسنا على التخلص من ألم الصدمات والخيبات، تقول إبراهيم "إن علينا أولاً إدراك أننا مررنا بتجربة مؤلمة وأنه سيكون لدينا رد فعل عليها، تقبل فكرة أننا لن نشعر بأننا طبيعيون لفترة من الوقت، مواجهة ما حدث تدريجياً وألا نحاول منعه، وعدم كتم مشاعرنا الحقيقية".


الى ذلك، التحدث إلى شخص يمكنه دعمنا وفهمنا لأن الفضفضة مريحة جداً، فعندما تثير الصدمة ذكريات أو مشاعر يجب مواجهتها، ومحاولة العودة إلى حياتنا الطبيعية بشكل تدريجي، وإشغال أنفسنا بعملنا أو مع أصدقائنا، أو ممارسة نشاطات وفعاليات نحبها وتريحنا، وفق إبراهيم.


وينبغي طلب المساعدة من اختصاصي نفسي أو صحي إن تعذر ذلك ومساعدة النفس من أجل التسريع في عملية الشفاء، وفق إبراهيم، فردود الفعل الشديدة والممتدة قد تؤدي إلى إعاقة الحياة، ويمكن أن تؤثر سلباً على العلاقات مع العائلة والأصدقاء، بالإضافة إلى القدرة على العمل.


الوصول إلى مرحلة من التوازن النفسي، يعني إعطاء ردود فعل معتدلة ومتوازنة من دون إلغاء ردود الفعل أو كبتها أو المبالغة فيها، لكي لا نضر أنفسنا ونصل إلى مرحلة التعافي من الصدمة بأسرع وقت وبأقل ضرر.

 

اقرأ أيضاً:

مشاركة المشاعر مع الأحبة والأصدقاء.. "ملجأ" يمنح الروح الطمأنينة