"الفزعة".. حينما تجد مكانها في العالم الرقمي

تغريد السعايدة

 “يا سامعين الصوت، يا هابين الريح، يا أهل النخوة”،.. عبارات لطالما أثارت إنسانية الكثيرين منذ عقود مضت؛ حيث ارتبطت فيها “الفزعة” والحمية والاندفاع لمساعدة الآخرين من خلال نداءات من على مآذن المساجد أو الساحات العامة، لتتدخل الثورة التكنولوجية وتبث تلك النداءات عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

اضافة اعلان


ما تزال تتذكر أم علي، التي تجاوز عمرها الثمانين عاماً، تلك الأيام التي بدأ فيها والدها بناء البيت الحجري للانتقال إليه من بيت الشعر، وكانت الحاجة لحمل الحجارة الثقيلة ومستلزمات البناء، ما تطلب الكثير من الجهد على الرغم من بساطة البيوت.


وكان الحل الأمثل الذي اعتاده أهل البلدة هو “الهبة والفزعة” لمساعدة صاحب البيت، وكان إن نادى والدها للمقربين بنيته بناء بيت، تزاحم الأقارب والجيران لمساعدته في البناء، وكان الأمر يحدث لغالبية الناس ممن بنوا بيوتاً في تلك الفترة.


كما كانت الفزعة الخيرة تأتي في فترات موسم الحصاد، وأحياناً أخرى في الولائم التي تحدث في المناسبات، كما في الأعراس أو بيوت العزاء، حيث كانت تتهافت النساء لمساعدة أهل “الفرح” في التحضير لغداء المناسبة، وكانت السيدات يرتبن الحطب لإشعال النيران وتحضير “المناسف” ومن ثم مساعدة أهل البيت في التجهيز لكل ما يلزم لإتمام الفرح.


هذه الخدمات الجماعية كانت تأتي من باب الفزعة والنخوة ومن دون مقابل، وكان الشخص لا ينسى خدمة الآخرين له، ويبادلهم العون ذاته حين يحتاجون ذلك، كما تبين أم علي، لذلك كانت الفزعة تشمل الكثير من مجريات الحياة، ويلجأ الناس إلى أشخاص بأصوات واضحة ومرتفعة، ينادون من على سطوح عالية أو في وسط البلدة، أو من خلال مئذنة المسجد الذي يقع عادة في وسط البلدة.


الفزعة، التي تعني طلب العون والمساعدة والمناصرة من الآخرين، باتت اليوم تطلب بطرق مختلفة تواكب العصر والتطور السريع، بما يناسب سهولة الوصول للآخرين، ومن أشكال هذا التطور طلب الفزعة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، الذي يرى فيه خبير التراث الأردني الدكتور نايف النوايسة أن هذا التغيير يأتي ضمن جملة تغيرات أخرى طالت مختلف جوانب الحياة.


ويشدد النوايسة على أن هذا التغيير لا يعني أن ما حدث هو أمر سلبي، بل على العكس تماماً؛ إذ إن الإنسان المتحضر لا يمكنه أن يعاند الزمان والتغيرات التي حدثت، ولا يمكن أن يقف في الزمان ذاته، لأن العصر سوف يتعداه، على حد تعبيره.


ويتحدث النوايسة عن الفزعة بأنها كانت تأخذ أشكالا مختلفة وعبارات كذلك تواكب الحياة الاجتماعية القديمة البسيطة آنذاك، وكانت تتخذ من المآذن والساحات مكاناً لها، وبأسلوب مناداة يفهمه الجميع، مثل العبارات آنفة الذكر، كما كان البعض يلجأ إلى إطلاق النار للفت الانتباه أو إشعال النيران في الليل ليراها الناس ويعلمون أن هنالك من يحتاج إلى المساعدة.


ولكن هذا التطور طال حتى مآذن المساجد، كما يقول النوايسة، فقد أصبحت بحاجة إلى مكبرات صوت، ميكرفونات، كاميرات مراقبة، ساعات إلكترونية، لذلك حتى تلك النداءات طالها التغيير والتطور، لذلك كان من باب أولى أن يتغير طلب المساعدة أو النجدة من الآخرين في أي موقف اجتماعي قد يحدث معهم، وهو ما نراه الآن عبر منصات التواصل الاجتماعي، في حال استخدمت بشكل جيد.


وعلى الرغم من تغيير طريقة الفزعة وتحولها من نداءات إلى “منشورات” على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن ذلك لا يعني تغيير المبادئ الاجتماعية فيها؛ إذ إن المحافظة على مبدأ تلبية الدعوة والفزعة والهبة لنصرة الآخرين هي الهدف الأسمى من إطلاق تلك النداءات، لذلك لا يمكن الوقوف أمام هذا التطور التكنولوجي الهائل الذي غير الكثير من تفاصيل الحياة القديمة، خاصة إن كانت تلك التطورات “محايدة”.


بيد أن النوايسة لا ينكر أن الفزعة في السابق كان لها وقع كبير في القلب، كما يصف؛ إذ إن سماع صوت طالب الفزعة أو المساعدة كان له تأثير في النفوس، خاصة في حالات الحاجة الماسة للخدمة في البناء، أو من خلال صوت شخص قد “يبكي” لطلب المساعدة كما في حالة الوفاة أو المرض.


كما أن الفزعة في السابق عادة ما تطلب من الأقارب والمحيطين، وفق النوايسة، وكان الناس يعرفون ظروف غيرهم المعيشية والاجتماعية مع روابط صلة الرحم وحق الجيرة، وقد يكون هذا أحد أسباب الفزعة الحقيقية آنذاك، والهبة لتقديم المساعدة، وفيها الكثير من “العشم” بين الناس.


ومع مرور الزمن والتطور، باتت تلك العادات والمصطلحات في طلب الفزعة مجرد “تدوينات في معجم التراث والعمل على حفظها لتكون جزءا من التراث الأردني الجميل”، بحسب النوايسة، الذي يستذكر طبيعة الحياة البسيطة القائمة على التودد والتقارب والبساطة في التعامل والقيم الأخلاقية التي يجب التمسك بها مهما حدث.


اجتماعياً، يؤكد اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع، أن الفزعة هي جزء من عادات وتقاليد وقيم المجتمع الأردني منذ البداية، ودائماً هي نوع من التكامل الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ إن الفزعة والمساعدة قد تكونان بالجهد أو بالمال أحياناً لدى المقتدر، فقد كانت هناك مشاكل يقع فيها البعض ترتب عليه دفع مبالغ مالية كبيرة، فيجد من يعينه على ذلك من خلال “الفزعة المادية”.


ويضيف جريبيع “أن الفزعة كانت وما تزال، ولكنها أخذت أشكالا مختلفة، وبعضها أخذ نوعا من “المأسسة”، كما في العمل التطوعي الذي نراه اليوم في مختلف المناطق والمحافل، فالتطوع قائم على الفزعة، وهو الجهد الذي يقدم للآخرين من دون الحصول على جهد مادي، وهو ما يتمثل بـ”التطوع”، وجزء منه ترعاه مؤسسات ونواد وجمعيات خيرية وأحياناً جهات رسمية”.


وفي الوقت ذاته، أصبح العمل التطوعي، كما في الفزعة، يأخذ جوانب عدة، والآن، مع ثورة تكنولوجيا المعلومات، أصبحت الحياة، كما يبين جريبيع، مرتبطة بهذا التطور والتواصل الاجتماعي، بحيث يتم تجسيد مفهوم العمل التطوعي كما في المبادرات التي يتم إطلاقها لمساعدة شخص ما، ولها نتيجة فعالة كما أثبتت التجربة.


ولا يرى جريبيع أي ضرر بأن تأخذ الفزعة صورة تكنولوجية حديثة، فذلك يتناسب مع التطورات العالمية ومع قوة حضور وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة إذا كانت مستخدمة في تعزيز مفهوم الفزعة والمساعدة؛ حيث يسهم هذا التغيير في إيصال المساعدة لبقعة جغرافية أكبر وأسرع بعد أن كانت مقتصرة على الأهل والأقارب فقط ومنطقة جغرافية محددة.

 

اقرأ أيضاً: