الفيلم السنغالي "الحوالة".. مصائر الفقراء بعالم مليء بالقهر والظلم

1708948843470786500
الفيلم السنغالي "الحوالة"

لعب مخرج الفيلم السنغالي "الحوالة" للمخرج عثمان سيمبان، دورا مضيئا في تاريخ السينما الإفريقية، وهو القادم إلى الفن السابع من حقل الكتابة الروائية، الذي استطاع فيهما أن يقدم إسهامات متعددة في التعبير عن قضايا وهموم ومآسي وطنه الأصلي السنغال وبلدان القارة الإفريقية، في مرحلة دقيقة مليئة بالتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية.

اضافة اعلان


الفيلم الذي تعرضه شاشات قسم السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان، اليوم، تحدث عنه عضو لجنة السينما في "شومان" الناقد السينمائي ناجح حسن، بأنه إنجاز شكل فتحا للسينما الإفريقية الجديدة الذي منحها كل هذا الازدهار والألق، وباتت موضع اهتمام عشاق الفن السابع في أرجاء العالم، مشيرا إلى أن المخرج السينمائي والروائي السنغالي عثمان سيمبان الذي رحل عن 85 عاما، يعد من أبرز صناع السينما في العالم الثالث عموما، وفي القارة الإفريقية على نحو خاص.

 

وقال إن براعة سيمبان، بانت في توظيفه المتين للظروف التي يعيش فيها مجتمعه، وارتباط الناس الفقراء هناك بتلك المفاهيم المستمدة من موروث لحضارة ضاربة في الجذور، كانت تظهر في اللغة السينمائية التي تحمل بصمة صانعها المليئة بألوان من الموسيقا القديمة ذات الإيقاعات الفريدة والمصاحبة لغناء بأصوات أناس عاديين محمل بكلمات تلخص ذكريات وآمالا وآلاما فردية وجماعية تعري منظومة القيم السائدة. وأضاف حسن، أنه في "الحوالة" أول أفلامه الروائية الطويلة، والذي قاده إلى شهرة عالمية باعتباره باكورة الإنجازات الروائية والملونة في القارة الإفريقية، والذي استمد أحداثه من أحد أعماله الأدبية بالعنوان ذاته، يحقق سيمبان في أسلوبية تجمع بين الواقعية والرمزية على خلفية من مظاهر الفساد التي تقبض على أركان بيئته، وذلك عندما يصدف أن يأتي إشعار لإنسان بسيط يخبره بضرورة مراجعة مكتب البريد لاستلام حوالة مالية من قريبه المهاجر إلى باريس. وهناك يتبين له ذلك الزيف والخداع من قبل الجيران والأصدقاء والموظفين الذين يبدأون بالنظر إليه كرجل صاحب ثروة سوف يمنحهم ما يسد به نهمهم وجوعهم، حيث يحيل الفيلم الانتقادات إلى مخلفات وسلوكيات المستعمر لبلده الذي أفرز فئة من الناس تتبلد فيها الأحاسيس والمشاعر الإنسانية أمام بريق المادة.


ونوه حسن إلى أن المخرج استعان بعدد وفير من الممثلين غير المحترفين والكومبارس، أغلبيتهم من أولئك المارة والموظفين وأصحاب المحلات الذين تصادف وجودهم لحظة تصوير الفيلم، مما يعكس ويؤكد قدرة سيمبان الفائقة على إدارة مجاميعهم، وتوظيفهم في خطاب الفيلم الفكري والجمالي عبر رحلة مثقلة بصنوف التعب والانتظار جراء الممارسات البيروقراطية في بيئته الفقيرة، في تصوير دقيق ومؤثر وبديع عن أحوال الناس في المجتمع الأفريقي الريفي وتوقهم للتحرر من الممارسات العتيقة.


حمل المخرج قضية مصائر أولئك الفقراء في عالم مليء بالقهر والظلم والتسلط، صورهم بحذق ومهارة وافتتان في عمل ينهج الغوص في واقع صعب مزنر بأطياف من مفردات اللغة السينمائية البديعة، التي تنهل من جماليات ونظريات تيار السينما الفقيرة.


وهو ما قاد الفيلم لأن يشق طريقه بين قامات السينما العالمية، واحتضنته مهرجانات وملتقيات كثيرة، بحيث أفردت لمخرجه مساحات من الاحتفاء والتكريم، فضلا عن التواجد بقوة في أغلبية مسابقات المهرجانات الدولية.


وأوضح أن سيمبان اتجه إلى الكاميرا السينمائية كوسيلة للتعبير عوضا عن كتابة الرواية التي أجاد تقنيتها ونقل بعض منها لاحقا إلى الشاشة البيضاء، نظرا لحجم الأمية المنتشر بين أبناء بلده السنغال، ولفهمه للسينما بأنها لغة الصورة كوسيط في تقديم رسالة يفهمها الأمي والفقير بالتوازي مع الغني والمثقف، وعرض في سائر أفلامه السينمائية المتنوعة والتي يختلط فيها التسجيلي والروائي، مشكلات الإنسان الإفريقي سواء ما تعلق منها داخل حدود بلده أو في المهجر، مشيرا فيها إلى علاقات الاضطهاد والتعسف الناتجة عن سلوكيات التمييز العنصري والممارسات الاستعمارية.


وبحسب حسن، انطلق سيمبان في مسيرته السينمائية بتحقيق الأفلام التسجيلية القصيرة، كما في أول أعماله "الحوذي" العام 1961، عقب دراسته الإخراج السينمائي في الاتحاد السوفييتي السابق، وفيه صور في ثلاثين دقيقة ذلك التناقض الواسع بين شرائح اجتماعية من خلال حوذي ينقل الركاب طوال يوم شاق طويل، مشيرا إلى المعاناة والقسوة التي تثقل الفئات الدنيا من المجتمع، ثم تتالت أفلام سيمبان الذي سبق له وأن عايش مجتمعات الغرب إبان عمله في مهن شاقة وبسيطة على أرصفة سواحل فرنسا، قبل أن ينجز أفلامه السينمائية الروائية الطويلة التي قدمته إلى العالم كمخرج من العالم الثالث يعي موضوع العلاقة بينه وبين الآخر كما جسد عبر أفلامه.