الكاتبة اسبانيولي: التقدير الذاتي حاجة إنسانية بجميع الثقافات

Untitled-1
Untitled-1

عزيزة علي

عمان- يتحدث كتاب الأكاديمية والباحثة الفلسطينية هالة اسبانيولي الموسوم بـ"التقدير الذاتي"، الصادر عن دار الشروق للنشر والتوزيع في عمان، رام الله ، /فلسطين، عن التقدير الذاتي وأهميته، والتعرف الى مدى أهميته، وتعتبر أنه من الخطأ أن لا نرى العوامل الأخرى المركبة التي تؤثر على شخصياتنا. فمن أهم الأفكار والآراء التي يحملها الفرد هي تلك التي يحملها عن نفسه، وذلك لأن التقدير الذاتي مهم جدا لسعادتنا ولحسن حالنا ولشعورنا بالرضا عن أنفسنا، وبالتالي يؤثر على الكثير من جوانب حياتنا، لكنه وحده غير كاف، فالتقدير الذاتي ليس كرة سحرية أو دواء عجيبا لحل جميع المشاكل.اضافة اعلان
ويتناول الكتاب كما جاء في "تمهيد"، موضوع التقدير الذاتي، بأغلب الحالات، ويجب أن لا ننسى ان هنالك ظروفا موضوعية خارجة عن إطار سيطرتنا مثل "زلزال، انفجار، احتلال، حروب"، وجميعها قد تؤثر سلبا على حياتنا مهما كان تقديرنا لذاتنا، وهناك الظروف الداخلية الذاتية التي نستطيع التحكم ببعضها وتغييرها، وأصحاب التقدير العالي قادرون على ذلك، فالتقدير يساعد صاحبه على التحكم بالظروف والقدرة على تغييرها. فمثلا لا يمكن أن يكون التقدير الذاتي بديلا للأكل والشرب، ولكن الاحتمال الأكبر بأن أصحاب التقدير العالي يستطيعون أن يتدبروا أمرهم بشكل أفضل، ولا يمكن أن يكون التقدير الذاتي بديلا للعمل وكسب الرزق من أجل العيش الكريم، ولكن الاحتمال الأكبر بأن اصحاب التقدير العالمي يستطيعون الوصول الى مراتب عالية في عملهم، والعكس كذلك صحيح فالعمل الجيد يرفع منسوب التقدير الذاتي.
وفي كل الحالات، من الضروري أن نؤكد العلاقة الجدلية بين التقدير الذاتي وسلوكات الأفراد، حسب السياق الذي يعيش به الفرد وتجاربه الحياتية، فكلاهما يؤثر أحدهما بالآخر، ولذلك فنحن لا نملك التقدير الإيجابي أو السلبي بشكل مطلق، بل هناك ارتفاعات وانخفاضات بمنسوب التقدير الذاتي، بناء على السياق والتجارب التي تمر بها.
تشير الأبحاث الى أن أصحاب التقدير العالي يكونون بعيدين عن السلوكات السلبية عن الانحراف، فهم يفعلون تفكيرهم ويسلكون حسب اعتباراتهم الموزونة، ولذا فغالبا يكون النجاح حليفهم. ومن أجل ذلك علينا ان نكون مسؤولين تجاه حياتنا، بالسيطرة عليها وعلى وجودنا، ونتحمل المسؤولية عن أعمالنا، وقراراتنا، وطموحاتنا، وعن حياتنا وحسن حالنا. وان منسوب التقدير الذاتي ليس قطبيا "مرتفعا أو منخفضا"، إنما يمكننا أن نراه كمحور وقد يكون تقديرنا لأنفسنا في مكان ما على هذا ا لمحور.
ومن المهم أن نشير الى مصطلح التقدير الذاتي طور حديثا، وهو متعلق كثيرا بالمفاهيم الحضارية الثقافية، فاذا كانت المفاهيم الحضارية السائدة عشائرية وقبلية، حيث ان الفرد يعيش حياته من أجل الجميع، فهو لا يختار عمله ولا يختار طريقة حياته، فطبعا في مثل هذا الوضع لا مكان للفردية، ولا مكان لاتخاذ القرارات، ولا مكان للتربية على السلوك الحازم، ولا مكان للحريات، مما يفقد التقدير الذاتي اهميته" قد يكون موجودا ولكن غير مصرح به".
وتؤكد المؤلفة أن التقدير الذاتي هو حاجة مهمة لكل إنسان في جميع الثقافات، فجميعنا نحتاج إلى أن نؤمن بأنفسنا وبقدراتنا وبحقنا بالعيش الكريم وبالسعادة، وأن نسعى لتحقيق ذلك، وفي جميع الحالات علينا أن نعرف بأننا، كبالغين، مسؤولون عن صورتنا الذاتية، فنحن لسنا ضحايا الظروف بل صانيعها، وقادرون على تغييرها دائما.
وتقول المؤلفة في مقدمة كتابها إن معرفة الذّات هي قدرة أساسيّة للنّجاح بالحياة. وقد ذكر بالحديث الشّريف "رحم الله امرأ عرف قدر نفسه"، وقال سقراط: "اعرف نفسك، اعرف نقاط قوتك ونقاط ضعفك". ويذكر "جولمان" في كتابه الذّكاء الانفعاليّ، إنّ الوعيّ للذّات وتقدير الذّات من المهارات الأساسيّة للنّجاح في الحياة. وفي هذا العصر الّذي يتميّز بالتّغييرات السّريعة نواجه الكثير من الصّعوبات، ومن المهمّ جدًّا المحافظة على تقديرنا لذاتنا، لأنّ تقدير الذّات المرتفع هو وضع نفسيّ صحيّ، وهو من أهمّ الموارد الدّاخليّة الّتي يمتلكها الإنسان والّتي لا تقدّر بثمن والّتي علينا حمايتها وتطويرها.
وتؤكد اسبانيولي أن معرفة الذّات تمكّننا من تحديد قدراتنا، حاجاتنا، اهتماماتنا، قيمنا، عقائدنا، طموحاتنا وآمالنا، أحلامنا وأهدافنا الحياتيّة ونقاط ضعفنا. وتؤدّي بنا معرفة الذّات إلى تكوين صورة ذاتيّة عن أنفسنا، قد تكون هذه الصّورة ايجابيّة وقد تكون سلبيّة، لافتة الى أن الصّورة الذّاتيّة هي كيف نفكّر ونشعر تجاه أنفسنا، وهذا نتاج تعلّم، نحن لا نولد مع صورة ذاتيّة محدّدة، إنّما نتعلّمها من خلال تفاعلنا مع الآخرين، وهي نتيجة مباشرة للتّعزيزات الّتي يحصل عليها الطّفل من الأهل أو من الأشخاص الّذين يرعونه ويهتمّون به. وتبين المؤلفة أن الأفكار السلبيّة تكوّن صورة ذات سلبيّة، وقد تكون إيجابيّة وتكوّن صورة ذات إيجابيّة. كي نتعلّم الصّورة الذّاتيّة الايجابيّة ويكون لدينا القدرة للوعيّ لمحدودياتنا ومعوقاتنا، فنحن نحتاج إلى دعم وتشجيع الآخرين. شعورنا تجاه أنفسنا هو الّذي يحدّد مسار حياتنا، نجاحاتنا أو فشلنا، طريقة عملنا في كلّ مكان، ميزاتنا وقدراتنا، علاقاتنا الاجتماعيّة وجميع جوانب حياتنا.
وترى اسبانيولي انه عندما يكون الشّعور تجاه أنفسنا سلبيّا، فنحن بحاجة إلى العمل على تغيير صورتنا عن أنفسنا وقد نحتاج إلى مساعدة لذلك. وقد يكون شعورنا إيجابيّا فنشعر بأنّنا أكفياء ونعيش بسلام مع أنفسنا، حتّى مع وجود نقاط ضعف لدينا، وهذا ما نسعى إليه، أيّ تطوير صورة إيجابيّة توصلنا إلى تقدير أنفسنا.
وتشدد المؤلفة على أهمية التّقدير الذّاتيّ من أجل الصحة النفسية، ويمثّل القدرة على الوعيّ للذّات وتطوير صورة ذات إيجابيّة، والقدرة على تكوين هويّة وإضافة قيمة لها. وهذا يعني بأنّ للإنسان قدرة على تحديد من هو، وهل هو راضٍ عن نفسه وعن صورته الذاتية؟ وتشير اسبانيولي الى أن كل إنسان يولد مع قيمة لكونه إنسانا، ولكنّنا بتربيّتنا وتعاملنا وتصوّراتنا الذهنيّة نكسب هذه القيمة معنى إيجابيّا أو سلبيّا، فالتّقدير الذّاتيّ لا يولد مع الأطفال، لا ينمو وحده بل علينا أن نطوّره، وهو يتطوّر مع نموّ الأطفال ونتيجة لأساليب التّنشئة الاجتماعيّة، ولكنّه قابل للتّغيير خلال مسار نموّنا، ولا أحد يستطيع أن يمنعنا من تغيير صورتنا الذّاتية إذا كنّا جادّين بذلك. ونستطيع دائما تغيير صورتنا الذّاتيّة وتقديرنا لذاتنا على الرّغم من تجارب الماضي.
وتعتبر المؤلفة أن التقدير الذاتي يساعدنا على الشعور بقيمتنا وبكياننا، إذ أنّ كثيرا من المشكلات الّتي تواجه أطفالنا تنجم عن عدم الشّعور بقيمتهم الذاتية، فشعور الشخص بأنه لا قيمة له، وشعوره بالدونية والعجز أو شعوره بالذنب، أو بأنه غير محبوب، يؤدي لعدم احترامه لذاته ولتكوين صورة ذات سلبيّة. وهذه المشاعر الصّعبة لها الأثرّ على دوافع الفرد وسلوكاته، ومن شأنها أن تحدّد شكل حياته المستقبليّة.
وتوضح اسبانيولي أن التّقدير الذّاتيّ لا يولد مع الأطفال، ولا ينمو وحده بل علينا أن نطوّره، وهو يتطوّر مع نموّ الأطفال ونتيجة لأساليب التّنشئة الاجتماعيّة، ولكنّه قابل للتّغيير خلال مسار نموّنا، موضحة أن فكرة هذا الكتاب بدأت منذ سنوات عديدة، عندما كانت تعمل مستشارة مع طلّاب مراهقين يعانون أزمات عديدة أساسها التّواصل، التّربيّة السّليمة والتّقدير الذّاتي. وتيشير المؤلفة إلى انها كانت قد كتبت في السابق كتابا بعنوان "صور عائليّة"، يتحدّث عن أسّس التّربيّة السّليمة وكتابين عن التّواصل وكتبا أخرى، وبقي لديّ هدف أساسي أن أكتب عن تنميّة التّقدير الذّاتي، إلى أن حان الوقت لذلك، وها أنا أضع بين أيديكم هذا الكتاب المكتوب بلغّة بسيطة وسلسة وواضحة لأنّكم تستحقونها، ورسالتي إليكم: "أنتم مهمّون وأنتم تستحقّون الأفضل وتستطيعون بقواكم الذّاتيّة الوصول إلى أفضل وضع.
وتلخص اسبانيولي مجموعة افكار تساعد على تطوير التقدير الذاتي قائلة: "ان تنمي التقدير الذاتي لديك ولدى أبنائك. فتقديرك لذاتك سيسهم حتما في دعم من حولك من أبناء وبنات، أصدقاء وزملاء، وسيدعمك في وقف إصدار الأحكام، وقف الرّفض الذاتي، ويساعدك أن تعرف بأن بإمكانك تغيير صورتك الذاتية وتغيير مشاعرك تجاه ذاتك، وأن تطوّر تقديرك لذاتك، وأن تتعرّف على بعض الطّرق لتطوير تقديرك لنفسك وطريقة تفسير ما يجري حولك؟ أن تتعرّف على نقاط قوتك ونقاط ضعفك ممّا يساعدك في بناء تقديرك لنفسك".
وأن تتعرّف على القوانين الّتي تحكم حياتك، هل تلتزم العيش حسب قوانين جبريّة ملزمة؟ هل تكثر من استعمال كلمة "لازم"، "ضروري" "لازم أكون.." "لازم أشعر هيك"؟ وما الحدود والقوانين التي تفرضها على نفسك؟ ومادوافعك للقيام بعمل ما، هل تسعى لإرضاء الآخرين؟ فبعض هذه العبارات تعوق تطوّرك وتسهم في انخفاض تقديرك لذاتك، لذا فهو يساعدك أن تفحص هذه القوانين وتعرف الضروري والذي يعوقك منها؟".