الكوز لـ"الغد": ابتسامة المصاب وتحسن حالته يبددان ألم غيابنا عن عائلاتنا

مجد جابر

عمان- منذ بدء ساعات دوامه، يستعد بكل حب لمهمته الإنسانية.. يرتدي بدلته الواقية وقفازاته وكمامته، لتكون جولته الأولى بتفقد مرضاه ومتابعة حالتهم الصحية والاطمئنان عليهم.. تلك هي الطقوس اليومية للممرض محمد الكوز أو "الملاك الرحماني"، كما وصفه كل من تعامل معه.اضافة اعلان
وفي لقاء أجرته "الغد" مع الممرض محمد الكوز الذي يعمل في مستشفى الأمير حمزة/ قسم العناية الحثيثة؛ يتحدث عن تجربته في العمل خلال أزمة "كورونا" بكل ما مر بها من جهد وتعب ومشاعر تجاه المرضى، وواجبيه الإنساني والوطني، معقبا على كل ذلك "نحن نحاول بأقصى ما لدينا أن نؤدي عملنا وواجبنا بكل إخلاص".
يقول "يبدأ عملي من الساعة السابعة مساء وحتى السابعة صباحا، ويتواجد في الطابق الذي أعمل به تسعة مرضى"، مبينا "عند استلامي "الشفت" أتعرف على وضع المرضى وحالاتهم وأتابعها، ونرتب فيما بيننا نحن الممرضين طريقة العمل، بحيث يشعر المريض بالراحة، ونحن كذلك".
يأخذ الكوز الإجراءات والاحتياطات كافة، ويبدأ بالمرور على المرضى لزيارتهم، مبينا أن أهم شيء بالنسبة له هو التعامل بإنسانية، وكأنه يشرف على أحد أفراد عائلته للاطمئنان عليه، مقدرا أن المريض في هذه الغرفة وحده، ومحجور عليه، بالتالي فإن الممرض في هذه الأزمة لا يقتصر دوره على الجانب الطبي فقط، بل واجبه إنساني وطبي واجتماعي في الوقت ذاته.
ويعبر الكوز عن شعوره تجاه المرضى، بقوله "أعتبر الحاج الكبير أبي، والشاب أخي، والطفل الصغير ابني، وأسعى عند الدخول إليهم للتخفيف عنهم بالكلمة الطيبة التي ترسم البسمة على وجوههم".
ويشرح بأنه يدخل الى المريض ويعرفه عن نفسه، وما هي العلاجات التي سيأخذها اليوم، ويعلمه إن كان لديه تصوير أشعة أو غيرها، كما يوضح له الإجراءات كافة بالتفصيل، وبعدها يترك له رقم الاتصال إن احتاج الى أي شيء منه.
ويصف الكوز أن المريض مفصول تماما عن العالم الخارجي، ويعيش فترة حرجة نفسيا، وعليه يجب تفهم كل ذلك، والتعامل معهم بحس إنساني وحب كبيرين، وإعطائه الدافع المعنوي الذي هو أكثر ما يحتاجه للتغلب على هذا المرض.
ويشير إلى أن أكثر الصعوبات التي واجهته، هي شعوره بالخوف والرهبة في بداية الأمر، وعند وصول أول المرضى إليهم، مبينا أن الخوف لم يكن من المريض نفسه، إنما ناجم عن المرض، كونه مجهولا، وغير معروف كيف يمكن أن ينتقل للآخر، معتبرا أنه يشبه "العدو" الذي لا تعرف كيف ومتى سيهاجمك، وكان عليهم في الوقت ذاته التعامل مع المرضى ورعايتهم. ويتابع "الى جانب أن خوف الشخص لا يقتصر على نفسه فقط، بل الخوف على باقي الطاقم الطبي عند مخالطتهم، وعلى عائلة الممرض عندما يعود لمنزله، وعلى كل شخص قد تخالطه، وتنقل له المرض لا قدر الله".
لكن، بعد فترة وجيزة زالت تلك الرهبة، وفق الكوز، وبدأت الأمور تأخذ مجراها بكل أريحية، مبينا أنه ما يزال حتى الآن يتواصل مع المرضى الذين تشافوا وغادروا الى بيوتهم، فهناك علاقة طيبة تجمعه بهم.
الى جانب أن وزارة الصحة وفرت لهم كل سبل الوقاية والمستلزمات التي تحميهم عند الدخول الى المريض، مبينا أنه بعد الخروج من غرفة المريض، يقوم الممرض بعملية تعقيم كاملة بمساعدة باقي الممرضين، وأبرز ما حدث في هذه الأزمة هو أنهم كانوا يعملون كعائلة واحدة، بكل معنى الكلمة.
وفيما يخص حياته الشخصية والعائلية خلال هذه الأزمة، يقول الكوز "كنت أصل الى البيت وابني الصغير ينتظرني أمام البوابة، ليعانقني بعد عودتي من العمل، إلا أنني أتحايل عليه وأهرب منه، متجها فورا للاستحمام، والتعقيم الكامل، وبعدها أخرج وأحاول التواصل معه من بعيد بدون لمس، حتى والدي ووالدتي اللذان اعتدت تقبيل يديهما كل يوم، كنت ألقي عليهما السلام من بعيد خوفا عليهما".
وبعيدا عن أهل بيته، فقد انقطع الكوز عن الناس كلهم في هذه الفترة من إخوة وأخوات وأصدقاء خوفا عليهم وحرصا على سلامتهم.
أما الآن وخلال الشهر الفضيل، فيعتبر الكوز أن رمضان "مختلف" عن الأعوام السابقة، فهو بعيد عن عائلته وبيته، واللمة العائلية، ومائدة الإفطار وسط أبنائه التي لم تتغير طقوسها منذ صغره، مبينا أنه هذه الفترة تحديدا يشعر بالنعمة التي كان يملكها، الا أنه وبالرغم من كل ذلك يعتبر أن ما يقوم به هو "واجب إنساني" لا يعوضه شيء، وسيؤديه على أكمل وجه.
ويعود الكوز للحديث عن مرضاه "عائلته" كما أطلق عليهم، أن ابتسامة المريض عندما ندخل إليه، ونقدم له وجبة الإفطار أو السحور في هذه الأيام الفضيلة، كفيلة بأن تجعله ينسى كل التعب الذي يمر به.
وعن المواقف الصعبة التي اختبرها الكوز في هذه الفترة، يقول "عندما تسوء حالة المريض، ويتم نقله من القسم، هذا الأمر له أثر وحزن كبيران، خصوصا وأنه مع الوقت أصبح يشعر بأنهم فعلا جزء منه".
وعن سبب تفاني الكوز بعمله بهذا الحب والإخلاص، يقول "لقد تربيت على حب العمل الذي أقوم به، والمريض هو أساس عملي، ومن واجبي قبل كل شيء أن أقدم له حقوقه كافة، فأنا لم أقم بأي شيء زيادة على واجبي، فلكل مريض حقه، فجميعنا في دائرة واحدة تحملنا واستعنا بالله، وانتصرنا على ما فات، وسننتصر الآن بتماسكنا جميعا".