النوم المتقطع.. هل يسبب اضطرابات القلق والتوتر؟

Untitled-1
Untitled-1

عمان- النوم هو حالة طبيعية من الاسترخاء، وتقل خلاله الحركات الإرادية والشعور بما يحدث في المحيط، ولا يمكن اعتبار النوم فقدانًا للوعي، بل تغير لحالة الوعي، وما تزال الأبحاث جارية عن الوظيفة الرئيسية للنوم، إلا أن هناك اعتقادًا شائعًا أن النوم ظاهرة طبيعية لإعادة تنظيم نشاط الدماغ والفعاليات الحيوية الأخرى في الكائنات الحية. رغم أن الإنسان يقضي حوالي ثلث حياته نائماً، إلا أن الأكثرية لا يعرفون الكثير عن النوم.
هناك اعتقاد سائد بأن النوم عبارة عن خمول في وظائف الجسم الجسدية والعقلية يحتاجه الإنسان لتجديد نشاطه، إلا أن الواقع المثبت علمياً خلاف ذلك تماماً؛ حيث إنه يحدث خلال النوم العديد من الأنشطة المعقدة على مستوى المخ والجسم بصفة عامة وليس كما يعتقد البعض، بل على العكس، فإن بعض الوظائف تكون أنشط خلال النوم، كما أن بعض الأمراض تحدث خلال النوم فقط وتختفي مع استيقاظ المريض. وتعد هذه المعلومات والحقائق العلمية حديثة في عمر الزمن، إذ إن بعض المراجع الطبية لم تتطرق إليها بعد.
النوم الجيد يعني صحةً أفضل، لكن قد يعاني البعض من القلق واضطرابات النوم في فترات معينة لأسباب عديدة، ومع ذلك فإن البيولوجيا العصبية التي تربط بين اضطرابات المزاج والتغيرات في إيقاع الساعة البيولوجية ودورة النوم والاستيقاظ ما تزال غامضة، ما دفع الباحثين من جميع أنحاء العالم لمحاولة كشف أسرار الآليات العصبية التي تحقق الترابط بين هذه العمليات.
للمرة الأولى تمكن باحثون من جامعة "نيويورك أبو ظبي" من تطوير نموذج إيضاحي لكيفية أنماط النوم غير الطبيعية أن تكون مؤشرًا لزيادة قابلية الإصابة بـ"إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن".
وتوصلت الدراسة الجديدة التي نشرتها دورية "فرونتيرز إن نيوروساينس" (Frontiers in Neuroscience) لنتائج من شأنها توجيه تطوير اختبارات النوم التي يمكن أن تساعد على تحديد الأشخاص الأكثر عرضةً للشعور بالإجهاد والتوتر مستقبلًا. والدراسات تكون في البداية على حيوانات التجارب لمعرفة سلوكها وفي الدراسة التي نحن بصددها كانت على الفئران، فقد استخدم الباحثون في تجاربهم -التي أجريت في مختبر النظم العصبية والسلوك بجامعة نيويورك أبوظبي بقيادة الباحثة المصرية "بسمة رضوان"- نموذج فئران مع تسجيلات مخطط كهربية الدماغ (EEG) لقياس نشاط الدماغ في أثناء النوم، في محاولة لاكتشاف كيف تؤدي الاضطرابات في نوم حركة العين غير السريعة (NREM) إلى زيادة التعرض للإجهاد في المستقبل.
صنف الباحثون السلوك الاجتماعي للفئران بعد تعرضها للإجهاد إلى نمطين رئيسيين: فئران لا تجيد التعامل مع التوتر (حساسة)، وفئران تجيد التعامل مع التوتر ومقاومة للتوتر.
ونوم حركة العين غير السريعة هو الاسم الذي يطلق على أولى مراحل النوم، التي تبدأ بنوم خفيف ثم نوم عميق، وتنتهي بعد 90 دقيقةً من بداية النوم لتبدأ مرحلة نوم حركة العين السريعة المميزة بالأحلام التي نراها في أثناء النوم.
قيم الباحثون خصائص النوم لكل من الفئران الحساسة للتوتر والفئران المقاومة للتوتر قبل المعاناة من إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن (CSD) وبعدها.
يقول ديبيش شودري -أستاذ علم الأحياء بجامعة نيويورك أبوظبي، والباحث المشرف على الدراسة: "يعد إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن نموذجًا للضغط على القوارض؛ إذ يتعرض الفأر للإجهاد البدني والحسي على مدار أيام عدة، ثم نقيس مدى رغبة الفئران في التفاعل الاجتماعي مع فأر آخر بعد التعرض لهذا النوع من الإجهاد، وذلك من خلال اختبار التفاعل الاجتماعي (SI)".
تعد الفئران حيوانات اجتماعية نموذجية، لذلك إذا وضعت فأرًا صغيرًا في ساحة مع فأر آخر، فسوف ترغب في قضاء بعض الوقت في التفاعل معه، ولكن أظهرت الدراسة أن الفئران الحساسة للضغط أصبحت غير اجتماعية، ولا تحب قضاء الوقت مع الفئران الأخرى بعد تعرضها لهذا النوع من الإجهاد، وعلى النقيض، فإن الفئران المقاومة للتوتر ما تزال اجتماعية.
ساعدت البيانات التي جمعها الباحثون قبل المعاناة من "إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن" على التنبؤ بقابلية التعرض للإجهاد والتوتر لدى الفئران بدقة تزيد على 80 %، والمثير في الأمر أن الفئران الحساسة للتوتر كانت تعاني من النوم المتقطع وسمات تشبه الأرق حتى قبل التعرض لـ"إجهاد الانهزام الاجتماعي المزمن"، وتدهور الوضع أكثر بعد المعاناة من الإجهاد؛ إذ زاد خلل النوم، إضافة إلى خلل في التوازن الداخلي للجسم.
وأظهرت الدراسة أن التوتر لا يسبب اضطرابات النوم فحسب، ولكن اضطرابات النوم قد تكون سببًا للعديد من الاضطرابات المتعلقة بالتوتر كذلك، ويعتقد الباحثون أن النشاط غير الطبيعي في مناطق الدماغ المؤثرة على المزاج يؤثر أيضًا على أنماط النوم.
أظهرت الأدلة الحديثة من مختبرات متعددة أن مناطق الدماغ التي تنظم دورة النوم والاستيقاظ تنظم أيضًا الحالة المزاجية، ما يسلط الضوء على الارتباط بين المزاج والنوم.
قد تتيح النتائج التي توصل إليها الباحثون استخدام أنماط النوم في مخطط كهربية الدماغ (اختبار يكتشف النشاط الكهربائي في الدماغ باستخدام أقراص معدنية صغيرة متصلة بفروة الرأس، بحيث تتواصل خلايا الدماغ عبر النبضات الكهربائية وتنشط طوال الوقت حتى عندما يكون الشخص نائمًا) لفحص الأشخاص الذين قد يتعرضون لضغط شديد في أثناء العمل مثل رجال الإطفاء والمساعدين الطبيين والجنود، وذلك من خلال توفير علامات بسيطة لقابلية تحمل الضغط، ما قد يساعد على تطوير إستراتيجيات لحماية الأشخاص الأكثر حساسية.
ومع ذلك، ما يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين فعله لفهم البيولوجيا العصبية لأنماط النوم والساعة البيولوجية وعلاقتها بالتوتر، قبل أن نتمكن من تطبيق اختبارات على البشر، وذلك من أجل محاولة تطوير إستراتيجيات علاجية جديدة لعلاج كل من اضطرابات النوم واضطرابات المزاج المرتبطة بالتوتر.
وفي الختام، يخطط الفريق البحثي لإجراء دراسات فسيولوجية وجزيئية لاستكشاف الآليات البيولوجية التي تربط التوتر بدورة النوم والاستيقاظ.
من أكبر النعم أن يخلد الشخص للنوم بمجرد أن يضع رأسه على الوسادة، وأن لا يستيقظ مرات عدة في الليلة الواحدة وأن يعتمد النوم في الليل بدلا من النوم المتقطع والسهر الطويل، فقد خلق الله النهار للعمل والليل للنوم حتى تأخذ الأعضاء حاجتها من الراحة.

اضافة اعلان

الصيدلي إبراهيم علي أبورمان/ وزارة الصحة