الهولوكوست: "قميص عثمان" إذ أنهكَ الفلسطينيين

رشا سلامة*

أخلصَت منصة "نتفلكس" لكيان الاحتلال أيّما إخلاص؛ إذ لا تنفكّ الأفلام والمسلسلات التي تؤنسن الكيان وتبرر قيامه، تتوالى، جاعلةً من جرائم النازية "قميص عثمان" لشرعنة ما أتى لاحقاً من افتراس أرض عربية بشعبها من دون أدنى اعتبار للقوانين الدولية والإنسانية وكل ما يُمليه العقل من منطق. أفكّر في ذلك فيما أشاهد فيلم "Operation Finale"، الذي يتغنّى ببطولة جهاز الموساد، في مطلع الستينيات، حين ألقى القبض على الضابط النازي أدولف إيخمان الذي كان متخفياً في بوينس آيرس، مقتاداً إياه إلى المحاكمة في القدس! يعني محاكمة مجرم حرب من قِبل مجرمي حرب على أرض مُغتصَبة لشعب لم تكن له ناقة ولا جمل بكل حكاية الـ"هولوكوست"!
تداعى إلى ذهني، فيما كنت أشاهد "Operation Finale" الذي أخرجه الأميركي كريستوفر ويتز، برعاية كاملة من "نتفلكس"، يوماً كنت أمشي فيه تحت مطر الخريف الغزير في ولاية "إلينوي" الأميركية، في العام 2017، متوجهة نحو منطقة "سكوكي" تحديداً؛ لزيارة متحف الـ"هولوكوست"؛ للتعرف على الطريقة التي يعرض فيها الظالم، حالياً، مظلمته القديمة.
كان حنقي في كل دقيقة يتزايد؛ ليس حزناً على مأساة إنسانية لا يقبل بها عاقل سويّ فحسب، بل كذلك غيظاً من إخفاء الجزء الثاني من الحكاية. لا يذكر اليهود القائمون على المتحف، الذي أُسس في العام 2009، أنهم خرجوا من مظلمتهم متعطشين للدماء وإلحاق ما يزيد على المحرقة والخنق بغرف الغاز والإعدام رمياً بالرصاص، بالفلسطينيين، وحتى اللحظة، وبأشنع ما يمكن تخيّله كذلك من وسائل التضييق واغتصاب الحقوق وتزوير التاريخ والتلذذ بقنص أرواح مدنيّين عُزّل وفدائيين يُدافعون عن أرضهم.
كنت حانقة كذلك على غياب الرواية الفلسطينية عن الساحة العالمية. كنت أمشي في المتحف آنذاك، متسائلة عن عدم إقامة الفلسطينيين متاحف عالمية توازي في قوة روايتها وبراعة أدوات السرد ما يقيمه اليهود في مدن عالمية عدة، تحت مسمى متاحف الـ"هولوكوست".
كان القائمون على المتحف قد بذلوا جهدا مستميتا في إقرار منهاج "الهولوكوست التعليمي" في المدارس الحكومية منذ العام 2005 لتكون شيكاغو الولاية الأولى في ذلك، مستخدمين الروايات العاطفية للمأساة، وبوسائل شتى، الفنية والتكنولوجية؛ إذ هنالك الصور الفوتوغرافية وعرض المتعلقات الشخصية للضحايا ومقاطع الـ"فيديو" والـ"أوديو" التي تروي فصولا من ذلك الزمن على لسان الناجين، إلى جانب المجسمات الفنية واللوحات والخرائط والرسوم البيانية والقطع الأدبية التي خلدت المأساة التي اقترفها النظام النازي في الفترة التي راوحت بين الأعوام 1941 و1945، ليس حيال اليهود فحسب، بل والغجر وأصحاب الإعاقة والمثليين والشيوعيين، الذين كان يُشار إليهم جميعا بمن "يعيقون تقدم الجنس البشري، مقارنة بالعرق الآري الرائد بشريا"، بحسب زعمهم.
لمن يعرف الوجع الفلسطيني المزمن، فإن الرواية منقوصة بشكل سافر، سواءً تلك في "نتفلكس" وعبر سلاح السينما عموماً، أم عبر المتاحف العالمية المنتشرة حول ثيمة الـ"هولوكوست"؛ إذ قد تنطلي على من يسمعون الحكايات اليهودية المنمقة التي اعتراها تهويل كثير؛ إذ يزعمون أن 80 % من مجموع اليهود قد قضي عليه آنذاك، بتعداد ضحايا يفوق 6 ملايين يهودي، مع غياب شبه كامل للمصادر التاريخية التي تم الاستناد إليها، ومع غياب مُطلَق للرواية المكمّلة وهي احتلال فلسطين وتهجير شعبها واقتراف المجازر بحق ساكنيها وإيقاع صنوف عذاب بهم تفوق ما اقترفه النازيون بأضعاف.
لم تظهر فلسطين اسما في المتحف إلا مرة واحدة، عبر قول إنها كانت منتدبة من قِبل البريطانيين وجُعِلت وطنا للإسرائيليين، وإن هذا الحدث؛ أي تأسيس الكيان، هو الثاني في الأهمية يهودياً بعد المحرقة. ما عدا ذلك، غابت أي حقائق أو معلومات عن فلسطين وأهلها، بل ذكر شهود على المحرقة، سُجّلت شهاداتهم الصوتية والمرئية، أن عصابات الهاغانا كانت تساعد على التأسيس وأنها أدّت دورا معاوِناً.
التمويل يكاد يكون معدوما لأنشطة رواية الحكاية الفلسطينية، وإن وُجِد شيء كهذا فإنما يشبه الـ"مونولوج"، الذي يردّده المرء بينه وبين نفسه، بدلا من توجيهه لمن لا يعرفون الحكاية في أصقاع العالم.
يودع المتحف زائره بعبارة "لم أقل هذا لأضعفك بل لأقويك. والآن الأمر متروك لك"، ما يشي بالفلسفة الصهيونية التي لا تنفك تجعل من المحرقة "قميص عثمان"، تماماً كما في "Operation Finale" الذي يختتم مَشاهده بلقطات وثائقية من محاكمة إيخمان ولقطات تمثيلية ترتاح فيها روح شقيقة أحد منفذي عملية الخطف في الموساد، والتي قضت مع أطفالها إعداماً بالرصاص على أيدي النازيين، لكن مشهداً ولو واحداً لمسلسل الدم اليومي في فلسطين لا يظهر.

اضافة اعلان

*صحفية وأستاذة جامعية في الإعلام