امتحانات "التوجيهي".. هل تنذر بمعركة نفسية جديدة للطلبة وأسرهم؟

طلبة توجيهي أثناء تقديم أحد الامتحانات - (تصوير: ساهر قدارة)
طلبة توجيهي أثناء تقديم أحد الامتحانات - (تصوير: ساهر قدارة)

في كل عام، تتكرر الحالة النفسية ذاتها التي تنتاب الطلاب وأولياء الأمور مع بدء امتحانات التوجيهي، وتزداد حدتها مع شعور البعض بصعوبة الامتحانات التي مرت حتى الآن.

اضافة اعلان


وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، في الأيام الماضية، العديد من الفيديوهات لطلاب الثانوية العامة "التوجيهي" التي تعكس مشاعر القلق لصعوبة امتحانات العام الحالي، مما زاد من حالة القلق والترقب مع اقتراب موعد كل امتحان. أما أولياء الأمور فيشعرون بتوتر مضاعف خوفا من تراجع الحالة النفسية للأبناء خلال هذه المرحلة الصعبة.


يساند أولياء الأمور أبناءهم ويحاولون في كل وقت أن يمدوهم بالقوة والثقة للتركيز على الامتحان المقبل. أم حسن والدة لطالبة توجيهي، تحاول أن تحافظ على روح ابنتها المعنوية مرتفعة. وتنصح ابنتها بألا تراجع الامتحان الذي قدمته وألا تفكر به لكي لا تتأثر نفسيتها ويزداد القلق والإرهاق لديها، مبينة أنها تحاول أن تقدم لها جميع سبل الراحة لتساندها بما تمر به.


هذه الحالة يمر بها جميع أولياء الأمور بين الرغبة في تحقيق النجاح والتفوق لأبنائهم، والخوف والقلق على صحتهم النفسية والجسدية وما يمرون به.


وكذلك حال أم محمد عبد الله التي ترافق ابنها مع كل امتحان، وكانت شاهدة على توتره وحالة القلق التي يعيشها قبل كل امتحان، مبينة أنها تحاول أن تخفف عنه بكلماتها، كما أنها تمنعه من المراجعة قبل الامتحان لكي لا تتأثر نفسيته.


صعوبة الامتحانات التي جاءت مبكرة وفي امتحانين متتاليين، زادت من نسبة الخوف والقلق عند ابنها وجميع طلاب التوجيهي، وأفقدت البعض منهم التركيز.


اختصاصية علم النفس والنمو الاستشارية الأسرية الدكتورة خولة السعايدة، بينت أن اختبارات التوجيهي في الأساس هي أداة تقييمية، الهدف منها تقييم الطلاب، وبناء عليهم يتم صياغة الأداة التي تحقق الأهداف، وهذا يدفعنا للتساؤل: هل امتحان التوجيهي في صيغته الحالية مقارنة بين الماضي والحاضر أصبح مصدرا للتوتر؟


وتوضح السعايدة أنه لطالما كان التوجيهي مصدرا للقلق، ولكن مع مرور الوقت ازداد هذا القلق، فالتوجيهي يشكل إرباكا للعائلة والمجتمع بأكمله.


وتشير السعايدة إلى أن القلق الزائد الذي ينتج عن التوجيهي يصل لدرجة توتر واكتئاب، وفي بعض الأحيان لنوبات قلبية، وجميع تأثيراته على الصحة النفسية والجسمية تربطها بإجراءات الوزارة في عقد الاختبار، بدايتها أصبح لدى الطلاب توقع أنه يجب أن يجهزوا أنفسهم قبل التوجيهي ويستعدوا، لأنهم يعلمون أنه عندما يلتحقون بالعام الدراسي الطبيعي لن يكون الوقت كافيا لمنهاج زخم في 9 أشهر، والطالب هنا يدرس لكي يقدمه في جلسة واحدة. ذلك حمل الطالب عبء أن يدرس كل هذه الفترة ويقدم مرة واحدة وهذا زاد من التوتر، معتقدة أنه عندما كان التوجيهي بنظام الفصلين كانت الأمور أقل توترا.


ومن جهة أخرى، ليس هنالك ثقة لدى الأهل والطالب بقدرات بعض المعلمين على تهيئة الطالب لامتحان التوجيهي، وهذا سبب الإقبال على المنصات والدوسيات وعلى أي مصدر خارجي يرفع الكفاءة لديهم.


وكذلك مناهج "كولينز" زاد مشاكل الاختبارات والشكاوى، فهو مبني بطريقة أن الطالب يجب من بداية حياته الدراسية السير على هذا المنهاج حتى يصل إلى التوجيهي، وقد صدم الطلاب قبل سنتين وبدأوا يطبقون عليهم المنهاج، ولم يكن هنالك تدرج للطلاب لأنه منهاج جديد قائم على التنوع في المهارات وزخم بالأفكار بكل درس.


ووفق السعايدة، فإن طالب التوجيهي عندما يبدأ بمنهاج جديد والمعلم غير قادر على التسلسل معه أو ليست لديه القدرة على مراجعته بالأمور الفائتة في السنوات السابقة التراكمية، فهذا يخلق عدم ثقة للطالب والأهل بأن المدرسة غير قادرة على تقديم ما يريد، فيلجأ للمنصات الإلكترونية.


ووفقا لذلك، فإن تشتت المصادر كذلك زاد القلق والتوتر، فنسبة كبيرة من طلاب التوجيهي حاليا يعتمدون على مصادر غير المدرسة، سواء منصة أو مركزا أو معلما متخصصا، وبعدها مطلوب منهم جهد ذاتي للدراسة، لذا فإن تنوع مصادر المعلومة وتعدد الأساليب يعملان على تشتيت الطالب أكثر وزيادة القلق لديه.


وتؤكد السعايدة أن الأهل عندما يرون الطفل متوترا ينعكس عليهم، والعكس صحيح فكل منهم يؤثر بالآخر، مشددة على أهمية عدم التقليل من أهمية الصحة النفسية للطالب.


الى ذلك، الأهل لهم دور كبير في هذه الظروف، بحسب السعايدة، مبينة أنهم يجب أن يدعموا نفسية الابن وأن يكونوا نموذجا جيدا له بخفض القلق والتوتر لديه.
وتضيف أن هنالك قلقا طبيعيا يحفز الطلاب ويكون لديهم دافع، ولكن لا يصل الى حد القلق المرضي، لذلك حتى لو اضطر أولياء الأمور إلى الاستعانة باختصاصي نفسي ليعلمه استراتجيات الاسترخاء وكيف يعدل من أفكاره ويتعامل مع ورقة الامتحان فعليهم ذلك، منوهة إلى أن هنالك ما يسمى بقلق الامتحان، فإذا كان الطالب يعاني منه فيجب أن يتعامل مع الأمر بطرق سليمة.


وتؤكد السعايدة أن دور الأهل منذ بدء الامتحانات كبير، ومن الأهمية بمكان إخبار الطالب أن المطلوب منه القيام به، والباقي قد يكون أمرا خارجا عن إمكانياته وألا يحمل نفسه المسؤولية، إنما بذل الجهد والدراسة والتركيز في الامتحان المقبل.


وبحسب السعايدة، فإنه من الأمور التي على الأهل أن يخبروها للطالب أنه عندما يخرج من الامتحان، عليه ألا يراجع ما كتبه وألا ينظر للوراء، فقط ينظر أمامه ويفصل بين الامتحان وأخذ قسط من الراحة، تقول "التفكير بالذي ذهب لن يغير أبدا الذي كتب على الورق، ولكن التفكير بالمقبل هو الأهم".


إلى جانب تحفيز الطلاب وتشجيعهم والثقة بهم لتقديم أفضل ما لديهم وأن ما ينتظرهم سيكون جميلا بحياة جامعية محتلفة. وتشدد على ألا يحمل أولياء الأمور الطالب مسؤولية ليست عليه وألا يضعوا الكثير من التوقعات العالية التي لا تتناسب مع قدراته أو مع الظروف المحيطة، والأهم ألا يكونوا مصدر توتر، بل أن يكونوا مصدر أمان وثقة وإيجابيين معهم وإشعارهم بالثقة.


ومن الجانب النفسي، يبين الاختصاصي موسى مطارنة، أن امتحان الثانوية العامة يشكل حالة من التوتر والقلق في مجتمعنا، موضحا أن العائلة التي لديها طالب توجيهي، كانه أصبح لديها أزمة، وهنا نحن افترضنا الأزمة وأوجدنا القلق والتوتر، وأصبحت الحالة تنعكس سلبا على الطالب والأسرة معا.


وهذا بحد ذاته يشكل حالة من عدم الاستقرار النفسي، بحسب مطارنة، الذي إذا استمر مع الطالب يسبب له حالة من التوتر والضغط، وكذلك الأسرة تتعرض لضغط سقف توقعاتها ولرغبتها في الوصول الى نتيجة مرضية والطابع الاجتماعي نفسه يضغط، وبالتالي نحن أمام أزمة حقيقية يشكلها التوجيهي نتيجة للثقافة والمفهوم الخاطئ.


وينوه مطارنة الى أنه لابد من أن يمنح الطالب مساحة من الراحة النفسية، فالأسرة عليها أن تحاول إظهار جميع الإمكانيات أمام الطالب وأنه درس واجتهد وعمل الذي عليه، وتحاول أن تمنحه مساحة من الإيجابية والدعم والمساندة النفسية، لأن الراحة الذهنية للطالب تجعله يبدع في الامتحان.


ويؤكد مطارنة أن إحساس الطالب بالضغط النفسي من صعوبة الامتحان والخوف من أن تكون الامتحانات المتبقية صعبة، يؤثر سلبا عليه، وينبغي اتباع استراتجية التنفس والجلوس بهدوء والتعامل مع ورقة الامتحان بحرفية وذكاء.


ويلفت مطارنة إلى أهمية أن يكون لدى الطالب يقين ورضا عن الذي قدمه، وألا يفكر في الاختبارات التي ذهبت ويأخذ مساحة من الراحة الذهنية والنفسية قبل الامتحان وبعد الامتحان حتى يستعد للاختبار المقبل بهدوء. 


والأسرة يجب أن توفر بيئة إيجابية بها نوع من الدعم النفسي والتحفيز للطالب تشعره بأنه قدم جهده في الاختبار، وتوفر له أجواء مريحة خالية من الضغط.


ويشدد مطارنة على أن الطالب عليه أن يبتعد عن السهر في ليلة الاختبار، وعليه فقط القيام بمراجعة عامة، ومن بعدها عليه النوم مبكرا ليستيقظ مبكرا ويتفقد بعض الأمور المهمة، وقبل الامتحان بساعتين يتوقف عن الدراسة، لأن المراجعة تسبب حالة من الإحباط أحيانا والتشتت الذهني.


كذلك، أن يعيد التوازن الى نفسه ويرضى عن أدائه، فقد كان لديه برنامج دراسي قام بدراسته بالجهد المطلوب، ذلك بالتأكيد سيعيد التوازن الى نفسه، والرضا والثقة والتصالح مع النفس والذات.


ويختتم مطارنة أنه بهذه الروح المحبة والضحكة والابتسامة الداخلية والتفاؤل والثقة بنفسه وقدرته، يستطيع أن ينجح بالامتحان، لافتا إلى ضرورة الاسترخاء وبدء الاستعداد للامتحان المقبل، وإن لم يحالفه الحظ وينجح فعليه ألا يستسلم ويحبط، فأمامه مراحل تكميلية وفرص كثيرة.

 

اقرأ أيضاً: 

طلاب توجيهي من المفرق لـ"الغد": وقت امتحان الرياضيات غير كافٍ

"التوجيهي": رغم الارتياح.. شكاوى من الوقت