"باع أرضه ليشتري مقعدا في صفه".. صفحات تنقل إرادة وصمود الشعب الفلسطيني

عزيزة علي

عمان- لخص الكاتب الصحفي زياد جيوسي فن السيرة الذاتية بأنه إبداع تبوح به الأقلام ويروي حكاية الراوي من وجهة نظره، وهو من الأصناف الأدبية التي تميزت بأن يقوم الرواي بسرد يومياته أو بعض من فترات حياته، أو على شكل اعترافات بأخطاء أو حكايات؛ هذا ما لخصه الكاتب الصحفي زياد جيوسي في إحدى مقالاته.اضافة اعلان
ويوضح الكاتب، ظهر هذا الفن الأدبي بشكل واضح في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر رغم أنه يعود بأصوله الى عصور قديمة، حيث يشير تاريخ الأدب إلى أن أدب السيرة الذاتية عرف باليونان في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، ويؤكد المؤرخون أن "اعترافات أوغسطين" تعد أقدم ما كتب بالسيرة الذاتية، وتطور هذا الصنف من الكتابة الأدبية في بدايات القرن السابع عشر، وفي التاريخ العربي ظهرت السيرة الذاتية من خلال كتب "السِّير" ومن خلال الشعر الجاهلي، ومن المتعارف عليه أن فن السيرة الذاتية لا يمكن أن يكون موضوعيا تماما، فالراوي قد يخفي الكثير من ناحية ويضيف أشياء لم تكن فعليا، ولذا كان التعامل مع السير الذاتية بحاجة الى الحذر الشديد، وخاصة حين محاولة القراءة النقدية لها إن لم يمتلك المعلومات الدقيقة التي تسمح بالنقد.
ويتابع جيوسي، لكن في كتاب المهندس نضال لافي المعنون: "باع أرضه ليشتري مقعدا في صفه"، نجد رواية السيرة الذاتية لحكاية والده وجده وليس حكايته هو، في قصة تروي حكاية إرادة وصمود في ظل ظروف صعبة، يرويها الابن من باب الوفاء كما سمعها مرارا وتكرارا من والده، فهنا وكما يؤكد الكاتب أن دوره لم يخرج عن إطار الصياغة للقصة، راويا الأحداث كما سمعها وليس كما يراها هو، الكتاب كان له غلاف تقليدي لطفل يحمل كفتي ميزان، إحداها تحمل أرضا وأشجارا، والثانية تحمل كتابا وشمعة، والثانية ترجح فالعلم يأتي بالأرض، وقدم الكتاب كل من الروائي د.أحمد رفيق عوض والأستاذ عبد الله ثابت صديق المرحوم، وإهداء من الكاتب لروح والده ولكل فلسطيني مثابر ولكل أب وأم فلسطينية ضحوا بعمرهم والغالي والنفيس من أجل أبنائهم.
هي حكاية طفل في العاشرة من عمره فقد والده والمعيل للأسرة نظره خلال حصاد القمح، فكان لزاما على الطفل أن يترك الدراسة ويعمل حراثا لرعاية الأسرة ووالده تحت ضغط الحاجة والفقر، عمل هذا الطفل بالحراثة ورصف الطرق مع العمال في أسوأ الظروف الجوية في البرد القارس، وكان حين يعود لبيته متعبا مرهقا يقرأ في كتاب صديقه ما يقرأه أقرانه بالمدرسة، وبعد عامين من ترك المدرسة وافق والده تحت إلحاح الطفل أن يعيده للمدرسة، وعاد الأب الكفيف من جديد للعمل بنقل المواد على حماره رغم عدم إمكانيته للرؤية، ولكن الطفل الذي أكمل دراسته في مدرسة بيت ليد لعدم توفر الصفوف في بلدته رامين، ومنها الى عنبتا كان عليه أن يحضر مقعده معه وإلا لا مكان له بالمدرسة، وهذا يذكرني أنني أيضا التحقت بالمدرسة في الأول ابتدائي متأخرا، وكان علي إحضار مقعدي معي أو لا مكان لي بالمدرسة في أحد أحياء عمَان، واضطر الأب لبيع قطعة أرض ليشتري لابنه المقعد.
الطفل كبر وأكمل الثانوية في طولكرم والأب الضرير لم يتوقف عن العمل لتأمين الأسرة والطالب، أنهى الطالب لافي دراسته وعين بالتدريس وعاد للمدرسة التي ترك بها مقعده مدرسا، وتنقل بين مدارس عدة تاركا بصمات من نور على طلابه، وكان بارا بوالديه وفك رهن أرض رهنها والده من أجل دراسته وشجرها واعتنى بها، وتزوج وأنجب ومارس مهنة التعليم كما رسالة ولم يمارسها كمهنة فقط، وهذا ما دفعه لإكمال دراسته الجامعية، والاستمرار بالتعليم ورعاية طلابه وأبنائه ليحصلوا على أعلى الدرجات العلمية، وخدم بلدته رامين مع زملائه وتمكنوا بأقل التكاليف من إنارتها بالكهرباء، وخدم مجتمعه واهتم بطلابه وأسرته حتى بعد إحالته على التقاعد، ومرضه فيما بعد وانتقاله من الحياة الدنيا للآخرة.
حين نقرأ الكتاب قراءة موضوعية، نجد أن الكتاب يروي بعضا من حكاية الشعب الفلسطيني من خلال حكايات الجد، فالفترة الأولى لمعيشة الجد كانت في ظل الاحتلال البريطاني لفلسطين ودعم العصابات الصهيونية لتهجير الشعب الفلسطيني وإقامة دولة العدوان والاحتلال، ما جعل الشعب الفلسطيني يعيش حياة صعبة في ظل هذه الظروف، وحين نتبع حكايات الجد نلمس ذلك بوضوح، فهو يعمل بالأرض بمواسمها، ويعمل في حيفا أعمالا شاقة في مواسم غير مواسم الزراعة ليعيل أسرته، وفي الوقت نفسه يشتري بعضا من قطع أراض زراعية ليزرعها وتكون له مصدر رزق، ونلاحظ كيف أثرت نكبة فلسطين فيه؛ حيث لم يعد يتمكن من الوصول الى حيفا والداخل الفلسطيني بعد قيام دولة الاحتلال، ولم يتبق إلا الضفة الغربية مع الأردن، وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية، وبالتالي انحصر عمله بأرضه وفي أعمال شاقة في مناطق مختلفة، وهذا ما زاد من العبء على كتفيه في تأمين العيش لأسرته وأولاده حتى تعرض لإصابة في موسم الحصاد أفقدته النظر ما جعله يبيع أراضي يملكها للعلاج، ولكن قدر الله أفقده النظر.
هذه المعاناة التي عاشها الجد أنموذجا لمعاناة الشعب الفلسطيني بأكمله الذي فقد أرضه ووطنه وأصبح لاجئا بالخيام في الضفة الغربية وقطاع غزة ودول الجوار العربية، وإن كان الجد بقي في قريته رامين في محافظة طولكرم، فكيف بمن أصبح في الشتات من دون مصدر رزق؟ هنا نرى المفارقة التي في الكتاب وإن لم يجرِ الحديث عنها بشكل مباشر، كون الكتاب اهتم برواية حكاية الجد من ناحية، ومعاناة الأب الذي أجبر على ترك الدراسة طفلا ليعين أسرته بعد أن فقد الجد نظره، فعمل طفلا في ظروف شاقة جدا في مدن بعيدة عن بلدته، في ظروف صعبة من كل النواحي، ماديا ومعنويا ومعيشيا والعمل بمدن بعيدة في ظل ضعف حركة المواصلات، فكانت هنا حكاية أخرى حيث أصر على إكمال تعليمه، ما اضطر الجد رغم فقدانه نظره للعمل بنقل مواد بين القرى على حماره ليوفر لأسرته العيش ولابنه التعليم.
هنا نجد تجربة مختلفة وهي الإصرار على التعليم والعلم والتفوق حتى إنهاء الثانوية، والعمل مدرسا في المدرسة نفسها التي لم تقبله من دون أن يشتري مقعدا ثمنه خمسة دنانير، وهو مبلغ كبير في ظل حالة الفقر، ما اضطر الجد إلى بيع قطعة أرض لتوفير ثمن المقعد لطفله، الذي واصل دراسته بين بلدتي عنبتا وطولكرم، في ظل انعدام وقلة المواصلات عاش فيها مهتما بالدراسة معانيا الفقر والجوع، منتظرا أرغفة الخبز التي يرسلها له والده الكفيف لتكون قوت حياته، حتى أكمل الثانوية واشتغل مدرسا، وتزوج وبر بوالديه وأكمل الجامعة وأصبح له مكانته الاجتماعية في بلدته والمنطقة بأكملها، وأنموذجا للإنسان المكافح الذي جعل العلم بوصلة حياته.
ويختم جيوسي: إذا يجب أن ننتبه أننا أمام حكاية رجلين شجاعين وليس واحدا، الأب المُهدى لروحه الكتاب، والجد الذي صمد كالطود في ظروف صعبة، حتى فرح أخيرا حين رأى ابنه أستاذا ملتزما بأسرته وأهله وتلاميذه وأبناء بلدته، مقدما الكاتب من خلال رواية هذه القصة أنموذجين من نماذج شعبنا الفلسطيني في ظل كل المعاناة التي عاناها، فلم تكن حكاية المرحوم والده كما أرادها، ولكنها حكاية شعب تشرد وتحمل الفقر والجوع والشتات والتشرد، لكن كان التعليم بوصلته فحقق أكبر نسبة متعلمين في الشعوب العربية، وعمل أبناؤه على إزالة الجهل والأمية والتعليم لشعوب عربية كانت تعيش على هامش الحياة، فأشعلوا آلاف المشاعل بالتعليم والعلم، وتبقى هذه القصة أنموذجا لأجيال مقبلة، وأعتقد أن هذه القصة يجب أن توزع على المدارس ليعرف الطلاب بعض من حكايات الآباء والأجداد.. حكاية شعب.