برائحته الشهية.. خبز "الشراك" جزء من الموروث الشعبي في مادبا

أحمد الشوابكة

مادبا- تجلبك رائحة حبات القمح البكر، وهي تتحول إلى قطعة عجين مدورة، ترق لتوضع على الصاج، فتخرج بعد استوائها اضافة اعلان
على يدي أم علي "شراك" شهي الطعم يسر الناظرين.
من قطعة عجين على يدي أم علي، ترق، لتتسع دائرتها، لتخبز على الصاج.
التسعينية "أم علي" امتهنت صناعة خبز الشراك منذ عقود، وباتت معروفة في منطقتها، ويطرق باب بيتها يومياً زبائن ما يزالون يصرّون على أن يبقى هذا الخبز العنصر الأساس على موائدهم وفي مناسباتهم الاجتماعية المختلفة.
تستيقظ أم علي فجرا، لتعد خبز الشراك الرقيق، والذي يعد الرغيف الأساسي للأردنيين في الماضي، وترتبط صناعته بتاريخ عريق مع القمح والأرض، فتعد صاجها وتشعل النار تحته وتبدأ عملها، لتعيل عبره عائلة من ثماني أفراد "أصنع خبز الشراك لأعيل نفسي وعائلتي، وبخاصة في ظل ارتفاع تكلفة متطلبات الحياة الأساسية".
تصمت أم على لتعود إلى الحديث وبنبرة صوت تغلفه معاني التحدي، "فكّرت بعمل يجنبني السؤال ويكفيني أنا وأسرتي، فلم أجد إلا إعداد خبز الشراك، وبيعه".
تحضّر أم علي عجنتها اليومية، بكميات تخضع للطلب اليومي على خبزها "بعد آذان الفجر، وتقول: أبدأ بإعداد العجين، المكوّن من الدقيق والماء وقليل من الملح والخميرة، وأتركه لفترة قصيرة، ثم أشعل النار تحت الصاج الذي يعمل على الغاز، ومن ثم أحضر سدرا، وأقوم برشه بالدقيق، وأبدأ بتقطيع العجين وصفه عليه"، وبعد وصول الصاج إلى درجة الحرارة المناسبة، تقوم أم علي بـ"رق العجين"، وتضعه تدريجياً على الصاج، وتتركه لمدة ثوان، ثم تعود وتقلبه على الجهة الأخرى، حتى ينضج، ويصبح رغيفاً.
تجلس أم علي ساعات طويلة أمام صاجها، برغم ما تتعرض له من حرارة النار المشتعلة تحته "لكنني أشعر بمتعة لا يضاهيها شيء".
أم علي التي أحبت مهنتها وأخلصت لها ترى أن إنتاج الشراك وفق الأصول التقليدية لإنتاجه هو ما يجذب الزبائن إليها، فتصر على إنتاج الشراك من القمح البلدي، لتحافظ على خاصية الشراك وطعمه وفائدته.
"نجاح الخباز يعتمد على التحضير المناسب للعجنة وكيفية استخدام الحرارة وتوزيعها تحت الصاج"، كما تقول أم علي التي تعيدنا بالذاكرة إلى ما يزيد على نصف قرن، حينما كانت مثلها مثل باقي جاراتها في الحي، تجمع عيدان الحطب لإيقاد النار تحت الصاج الذي لا يختلف عن النموذج المستخدم هذه الأيام، وهو قطعة حديدية رقيقة ودائرية منتظمة الوسط، تسند فوق النار بواسطة ثلاثة أو أربعة من الحجارة تسمى "اللدايا".
وبعد أن تكون ربة البيت قد عجنت طحين القمح وخمرته لساعات، تبدأ بتقطيع العجين إلى قطع بحجم كرات صغيرة، تفردها فوق طبقة قليلة من الطحين تسمى "الرواج، ثم تبدأ بنشرها برفق فوق الصاج، وتتركها لتنضج على الوجهين في أقل من دقيقة، تماماً كما يفعل الخبازون هذه الأيام، ولكن باستخدام أنابيب الغاز بدلاً من عيدان الحطب.
وتتساءل في الوقت نفسه عما جرى لنساء اليوم اللواتي ابتعدن عن إنتاج الخبز البيتي "هذا الجيل من بنات اليوم كسول، أصبح نساؤه يستسغن الخبز الجاهز، حتى في الأرياف، تركن خبز الطابون والصاج، ولجأن إلى الأفران لتلبية احتياجات أسرهن من الخبز".
ظلت صناعة خبز الشراك إلى عهد قريب، مهمة ربات البيوت في المدن والأرياف الأردنية، لكن المخابز تلقفتها، وقامت بتطوير أدوات صنعها، لتواكب تطورات العصر، بعد أن هجرتها ربات البيوت، رغم الحاجة والطلب المتزايد عليها.