برامج الأطفال بين زمنين.. تغيرات تطال القيم والعادات والأفكار

89+7
89+7
ربى الرياحي عمان- أمام الشاشة الصغيرة؛ يجلس الطفل حسام جلال (9 أعوام) بانتباه وتركيز شديدين وبدون أن يشعر، يتقمص الكثير من الشخصيات الكرتونية التي يرى فيها رمزا للقوة والشجاعة. وقتا طويلا يقضيه حسام برفقة رسوم الكرتون باعتبارها الوسيلة الوحيدة التي تسليه وتشعره بالمتعة، خصوصا مع انشغال والديه عنه. أحب حسام التلفاز فلم يعد يجذبه شيء سواه وبالتدريج بات يقلد كل ما يشاهده خاصة تلك المشاهد التي تحتوي على العنف والسحر والقوى الخارقة، لكن مشاهدته لهذه البرامج بدأت تؤثر عليه بشكل سلبي وتفقده براءته إضافة إلى أنها زادت من عصبيته فأصبح شخصا عدوانيا يميل أكثر للشخصيات الشريرة ويتعاطف معها أيضا. ما بين الماضي والحاضر حياة، افتقاد للبساطة والخير والعمق يعيشها أطفال اليوم مع أفلام الكرتون التي تجذبهم وتبهرهم بمؤثراتها البصرية والسمعية وتجعلهم يندمجون مع شخصياتها بفصلهم عن الواقع مستسلمين لها بكل حواسهم. وبعد أن كانت هذه البرامج في السابق أرضا خصبة لزرع الكثير من القيم والأفكار الجيدة التي يحتاج إليها الطفل في تشكيل شخصيته، أصبحت اليوم مادة دسمة لدس الأفكار السامة والسلبية والتي لا تناسب جميع الأطفال. والخطر الحقيقي هنا هو عدم تخصيص الآباء والأمهات وقتا لأبنائهم يجلسون معهم ويستمعون لهم، فانشغالهم طوال الوقت ينسيهم حاجة أطفالهم للتسلية والترفيه لذا يتجهون لأفلام الكرتون والألعاب الإلكترونية لعلهم يجدون فيها ما يسعدهم ويحاكي خيالهم. أما هبة محمد (32 عاما)، فتنتقد باستياء برامج الأطفال التي اختلفت عن زمان، حيث كانت أفلام الكرتون أبسط، وتعلمنا منها كيف يكون الوفاء وكيف ينتصر الخير دائما على الشر إضافة إلى أنها زادت من الوعي فلم تكن مجرد قصص وحكايات خيالية بل كانت تحمل قيما نبيلة وعمقا في المشاعر والأحداث. وتشير هبة إلى أنها تشتاق كثيرا لطفولتها ولتلك الذكريات الجميلة التي عاشتها مع شخصياتها المفضلة وتذكر منها صاحب الظل الطويل، وريمي، وبل وسبستيان، والفتى النبيل، وماروكو، وليدي ليدي ومخلص صديق الحيوان. تقول؛ شعور بالحنين يشدها لتلك الأيام وكأنها تهرب إليها لتبحث فيها عن أشياء كثيرة افتقدتها لم تعد موجودة. هي وبعودتها لتلك البرامج تسترجع شيئا من براءتها وذكريات ظلت محفورة في قلبها رغم مرور كل تلك السنوات. إلى ذلك، يبين أبو حمزة أنه على خلاف دائم مع زوجته والسبب أفلام الكرتون، وعدم إدراكها لحجم الخطر الذي يحيط بأطفالهما الثلاثة نتيجة جلوسهم الطويل أمام التلفاز، موضحا التغير الكبير الذي بات يلمسه في تصرفات أبنائه فهم حسب رأيه أصبحوا أكثر انعزالا يهملون واجباتهم المدرسية ويسهرون لوقت متأخر من الليل. أما عن تأثير ذلك على صحتهم، فيؤكد أبو حمزة أن ابنه الصغير يشكو دائما من الصداع وفي المدرسة يبقى شاردا طوال الوقت يشعر بالخمول وغير قادر على التركيز. لذلك كان الحل هو وضع قوانين صارمة لتنظيم الفوضى وإعطاء كل شيء حقه والسماح لهم بمشاهدة التلفاز ساعة فقط في اليوم مع الانتباه لقيمة المحتوى المعروض. وتقارن أم زياد بين أحفادها وأبنائها تقول فرق كبير بين أفلام الكرتون قديما وأفلام الكرتون حديثا؛ قيم كثيرة تشوهت إضافة إلى احتواء بعض البرامج على ألفاظ غير لائقة يتناقلها الصغار فيما بينهم. وتلفت إلى أن الأطفال يتأثرون بكل ما يشاهدونه سواء كان سلبيا أو إيجابيا لذا لا بد من مراقبتهم وتوجيههم والتحدث معهم لتصحيح بعض المفاهيم والأفكار التي يلتقطونها عن طريق هذه البرامج. ووفق أم زياد فإنها بدأت تلاحظ على أحفادها مدى تفاعلهم وانسجامهم مع مشاهد السحر والشعوذة واقتناعهم بأن الجنية تأتي في الليل لتقدم لهم الهدايا، مبينة أن أفلام الكرتون قديما كانت تشد الكبار قبل الصغار لكونها عميقة في مضمونها تحوي حكما وعبرا ما نزال نستذكرها حتى اليوم بحب وحنين وشوق. الأخصائي النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة يرى أن الإنسان بطبيعته يميل لكل ما هو قديم بل وأيضا يشعر تجاهه بالحنين والاشتياق مهما كبر ومهما مرت السنوات، مشيرا إلى أن لكل جيل ثقافته ومبادئه وأفكاره التي يلتقطها من مصادر عدة كالأسرة والمدرسة ومؤخرا التلفاز والفضاء الإلكتروني. وقديما، وفق مطارنة فإن أفلام الكرتون كانت وسيلة يتعلم من خلالها الأطفال القيم والأخلاق الإنسانية التي تبنى عليها شخصيتهم وتجعلهم أكثر وعيا والتزاما وكانت الأفكار المطروحة تحترم عقل الطفل وبيئته وفي الوقت نفسه تسليه وتسعده. أما اليوم فهي تفتقر في كثير من الاحيان للمحتوى الهادف والمضامين التربوية الضرورية لحماية الجيل وتنشئتهم تنشئة صحيحة تهتم بالدرجة الأولى بسلامتهم النفسية وبما يخزنونه من معلومات وخبرات. هذه التشوهات في القيم والعادات تدق ناقوس الخطر للحد من المخاطر التي تلاحق جيل اليوم ومن هذه المخاطر التشجيع على العنف فيستسيغ الطفل تلك المشاهد ويعتاد عليها لكونها تبرر العنف وتجعله طبيعيا في الحياة اليومية وتظهره أحيانا بطابع مضحك ومشوق مما يجعل تقبله أسرع وأسهل، كما أنها تدفع الطفل أن يكون متسامحا مع المؤذي وتفقده القدرة على التعاطف مع الضعيف. وأيضا، مشاهدة أفلام الكرتون لفترات طويلة تؤثر على تركيز الطفل وصحته وتحصيله الدراسي. لذا ينصح مطارنة بضرورة إيجاد حياة متوازنة لهؤلاء الأطفال تعلمهم الانضباط والمسؤولية وتنظيم الوقت، فيتمكنون من القيام بالأنشطة المختلفة كالرياضة والقراءة وألعاب الذكاء وتكوين الصداقات مع أقرانهم. ومن جهتها تبين خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم أن البرامج والمسلسلات والأفلام الخاصة بالأطفال أو ما يسمى بين قوسين إعلام الأطفال أو الإعلام الخاص بهم سواء كان مرئيا أو مسموعا أو مكتوبا، يساهم بشكل كبير في التربية وتشكيل قيمهم ومفاهيمهم ومبادئهم عن الأشياء من حولهم. وهذا الإعلام الخاص بالطفل مصدر من مصادر التربية للطفل بعد الأسرة والمدرسة بغض النظر عن محتواه سواء كان للتعليم أو للترفيه والتسلية. شكل المادة المقدمة للطفل تتناسب مع كل فتره زمنية من حيث المحتوى والشكل أو التقنية، فبرامج الأطفال القديمة كانت كحياة الناس وطبيعة عيشهم سهلة وبسيطة تتناول مواضيع عاطفية ودرامية قد تصل أحياناً لنقل المشاعر السلبية والحزينة للطفل، وكانت أكثر قيمة يتم التركيز عليها هي قيمة الخير والشر. ووفق ابراهيم، فإن الجيل الماضي كان مُعجبا جداً بهذا المحتوى ومُتعلقا به لدرجة كبيرة ويحن له كثيراً ويتذكره بكل تفاصيله وهذا شيء طبيعي لأن ما كان يُقدم كان يتناسب مع عقل ووعي ومدارك الأطفال في ذلك الوقت، أما الآن فالمواد المنتجة للأطفال أكثراً تنامياً وانتشاراً وأكثر تطوراً لجذب انتباه الطفل والسيطرة على عقله وسلوكه نتيجة التطور التكنولوجي الملحوظ في مجال صناعة أفلام الكرتون أو أفلام الأطفال. وأهم نقطة وأخطرها أن محتويات البرامج المقدمة للأطفال في السابق كانت ذات خصوصية أي تُراعي خصوصيات بعض المجتمعات وقيمها وكان من الممكن مراقبتها والسيطرة عليها، أما الآن لا يوجد إعلام أطفال خاص مثلاً بالمنطقة العربية يراعي قيمها وعاداتها وتقاليدها، اليوم كل شيء يأخذ قيم العالمية وينفتح عليها بلا حدود، ولم يعد بمقدور الدولة أو الأسرة السيطرة أو ضبط المحتويات المتعلقة بالطفل في ظل الثورة الرقمية المتنامية والمتسارعة بشكل كبير، وفق إبراهيم. ووفق إبراهيم، كثر في الآونة الأخيره الحديث عن قيم سلبية لا تتناسب مع المجتمعات العربية يتم دسها من خلال الأفلام العالمية الموجهة للأطفال مثل أفلام دزني، وتم إيقاف هذه الأفلام في عدد من الدول العربية، كذلك العنف أو الأفلام والألعاب الالكترونية المُعدة للأطفال والتي تحتوي على مشاهد كبيرة من العنف قد تُؤثر في نفسية الأطفال وتفكيرهم وعلى سلوكهم ويصبحوا أكثر عنفاً. لذلك وجب الوعي بأهمية هذا الموضوع والعمل بشكل ممنهج ذي إستراتيجية واضحة وصارمة من قبل الدول للحفاظ وحماية عقول الأطفال من التوجهات الشاذة وغير المناسبة لمجتمعاتنا وقيمنا، ويجب المنافسة في إنتاج محتويات للأطفال عربية مُضادة تحافظ على طابع مجتمعاتنا وقيمه وتستخدم التكنولوجيا وتستفيد منها لتجاري الجودة والغزارة في الإنتاج العالمي لإعلام الأطفال. وتقول إبراهيم كذلك أن على الأهل أن يكونوا على درجة من الفهم والوعي لتوجيه اختيارات أطفالهم من المواد الإعلامية المناسبة واستخدامها في الأوقات المناسبة والساعات المناسبة دون تأثير على دراستهم أو صحتهم العقلية والنفسية، وتشجيعهم على القراءة وغرس القيم المجتمعية الايجابية عندهم ، ومناقشتهم بخطورة بعض المحتويات الخاصة بالطفل التي لا تتناسب مع دينان وقيمنا وتحذيرهم من مُتابعتها أو التأثر بها. كذلك يجب أن يُناقش هذا الموضوع مع الطلبة في المدارس كنوع من التوعية والتوجيه للحفاظ على أكبر قدر من التربية السليمة لأطفالنا. اقرأ أيضاً:  اضافة اعلان