بعد أن تنتهي ويلات الحرب.. نساء غزيات سيستيقظن على نكبة صحية

الدمار في قطاع غزة -(وكالات)
الدمار في قطاع غزة -(وكالات)

إن كانت الدورة الشهرية عبئاً على ملايين النساء ممن يستطعن تهدئة أوجاعهن المبرحة بعد أخد مسكن ألم قوي أو الحصول على إجازة مرضية ليسترحن بها في أسرَّتهن، فإن الحيض يصبح محنة حقيقية للإناث اللواتي ابتلين بالنزوح بعد نشوب معارك شرسة في مناطقهن، حيث تصبح سبل الحصول على احتياجاتهن النسائية، من فوط صحية وأدوية تخفف حدة أوجاع نزيفهن، مَهمة مُتعذرة.

اضافة اعلان

 

  بينما يشهد قطاع غزة عدواناً همجياً من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، تصبح مهمة توفير الاحتياجات الأساسية مستحيلة، لاسيما أن عدد النازحين داخلياً في قطاع غزة ارتفع إلى 1.8 مليون شخص، أي ما يعادل نحو 80 % من سكان القطاع، وفقاً لتقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وبين قرابة 2.2 مليون من سكان مدينة غزة، فإن 49 % منهم نساء، أغلبهن ما يزلن في سن الشباب والإنجاب، فكيف يتصرفن حال مجيء دورتهن الشهرية؟ 


رهف، هند، وبيان (أسماء مستعارة) فتيات غزيات يعشن خارج غزة، بينما ما تزال عائلاتهن داخل القطاع، يروين لـ"الغد" حال النساء من أقاربهن في ظل انقطاع الاحتياجات النسائية والأدوية المسكنة لآلام الحيض المبرحة.


"شيء جنوني".. بهذه الكلمات تصف رهف حال ابنة عمها التي تعيش في غزة حينما تزامن مجيء دورتها الشهرية مع بداية العدوان الإسرائيلي على القطاع.


تقول رهف "كانت ابنة عمي تذهب رفقة شقيقاتها ويطرقن أبواب الجيران بمحيط مدرسة الأونروا حيث نزحن مع عائلتهن، فيستأذن أهل البيت إن كان بإمكانهن استخدام الحمام ويسألن الفتيات في المنازل إن كنّ يملكن فوطاً صحية".


وتكمل رهف: "أما زوجة أخي فاختارت أن تأخذ حبوباً لتأخير الدورة الشهرية؛ في ظل شح المياه وتردي الأوضاع الصحية في القطاع".


بلوغ مبكر! 

"أختي الصغيرة عمرها 9 أعوام وبلغت في أول يوم للحرب". لا تعرف هند على وجه الدقة إن كان سبب مجيء الدورة الشهرية لأختها في سن مبكرة هو الذعر والخوف، لكنها تشرح لـ"الغد" أن أمها تداركت الموقف سريعاً، حيث غدت تقص من ثيابها قطعاً صغيرةً لتؤدي غرض الفوطة لابنتها، مع معاودة غسل القماشة ذاتها (في حال توافرت المياه) وتجفيفها، لإعادة استخدامها في ظل صعوبة الوصول إلى الفوط النسائية.


"تخيلي طفلة بعمر الـ9 سنوات، تختبر أول دورة شهرية لها بهذه الظروف، غير مدركة لما يحدث لها"، تقول الشابة.


قبل أن تغادر هند القطاع، شهدت حروباً عدة في غزة، وعندما كانت أختها التي ذكرت قصتها طفلة صغيرة، كانت تضطر لاستخدام حفاظاتها حال مجيء الحيض إليها؛ حيث كانت هند تخشى أن تطلب من عائلتها الذهاب إلى السوبر ماركت وتعريض حياتها للخطر. لذا فإن استخدام حفاظات حديثي الولادة وتشارك النساء مع الأطفال بها لم يكن حدثاً مدهشاً في العدوان الصهيوني الأخير على غزة، فلطالما برعت النساء هناك بتدبير أمورهن بما يتلاءم مع مراعاة احتياجات غيرهن. 


أما بيان، وبعد محادثات مطولة لها مع قريباتها في غزة، فتؤكد لـ"الغد" أن الوجع لديهن يأتي مضاعفا، ربما بسبب الذعر من صوت القصف المستمر. والمشهد الأكثر كارثية يحدث عندما تضطر الفتيات للنزوح إلى المدارس في أوج البرد، بحضور دورتهن الشهرية أيضا، حيث يشعرن كما لو أنهن ينمن على قارعة الطريق.


عند محادثة بيان لقريباتها في غزة، يخبرنها: "نخشى مجيء الدورة لافتقار المياه، وإن تمكنا من استخدام الحمام فسيأتينا دور الدخول بعد نصف ساعة أو أكثر، عندها يكون الحمام قد تلوث".


ويتابعن: "لا نعلم ماذا سيصيبنا من مشاكل لاحقة في الرحم بسبب عدم مقدرتنا على تغيير الفوطة إن وجدت، حيث تمكث على جلدنا مدة يوم كامل".


لا أحد يحرك ساكنا

بتاريخ 13/11/2023، غردت الشابة الغزية سارة عبر منصة "إكس": "في اليوم السادس والثلاثين، الفترة الطبيعية بين الدورة الشهرية والأخرى ما بين 21 و35 يوماً، ما يعني أن كل أنثى في قطاع غزة مر عليها آلام الحيض مع البرد وقلة الأكل وانقطاع مياه الشرب أولاً والتغسيل والتعقيم ثانياً. البحث عن الفوط الصحية أصبح غير وارد، وما باليد حيلة".


القماش لا يحل المشكلة، لم ننزح إلا بملابسنا التي نرتديها!

ويوم أمس، غردت أمل التي يقطن أهلها في قطاع غزة: "أنا بعتذر إني بطرح هالموضوع بهيك وقت، بس شو يعني تلف عكل صيدليات رفح عشان أولويز وما تلاقي؟ البيت فيه 15 صبية محتاجات بشكل دوري والفوط انتهت كلها من غزة، أعطونا حل!"، لتضيف: "أهلي نازحين ما في قماش زيادة نقطعه، أواعيهم يا دوب ساتريتهم". 


أما سارة حمد، فغردت قائلة: "الوضع لا يطاق، آخرنا نستعمل شقفة قماش ويا دوب حاملين معنا أواعي، غير احتمالية الأمراض لأنو القماش مش معقم".


قد تخجل بعض النساء من غزة أن يشكين صراحة عن سوء الوضع الصحي المتعلق بدورتهن الشهرية، ومن تملك صوتا قويا منهن لتطالب بإيجاد حلول منها الإسراع في إدخال مساعدات كافية تغطي النقص الحاصل، فإنهن يُقابلن إما بالتضامن والعزاء اللفظي، أو الصمت.


ومنذ بدء العدوان الصهيوني على غزة، طال الانتقاد على الصمت الحقوقي إزاء كل البشاعة التي تحدث في القطاع، والمنظمات النسوية أيضا التي لا يفسر حتى الآن سبب صمتها أمام ما يحدث من كل أشكال الانتهاكات والاعتداءات الواقعة على النساء في غزة بدءاً من الفوط الصحية وانتهاء باستهداف النساء وقتلهن.


غزيات يترقبن نكبة صحية

في ضوء الأوضاع الكارثية، واختفاء الاحتياجات النسائية الخاصة من كل مكان في القطاع، تتخوف غزيات من أن يستيقظن على نكبة صحية بعد أن تنتهي ويلات الحرب.


لا تأتي تخوفات نساء غزة من فراغ، بل من واقع طبي علمي يؤكد أن أضرار عدم تبديل الفوط الصحية أكثر من مرة يوميا لا تقف حد الالتهابات وحسب، بل يمكن أن تتعرض السيدات إلى الإصابة بمتلازمة "الصدمة التسممية" في حالة عدم الاهتمام بتغيير الفوطة الصحية كل عدة ساعات، وهي عبارة عن حدوث تسمم للجسم بسبب وصول البكتيريا إلى داخل الجسم عن طريق المهبل، ويمكن اكتشاف الإصابة من خلال عدة أعراض، مثل: ارتفاع في درجة الحرارة، والقيء أو الإسهال، وآلام العضلات الشديدة، والشعور بالضعف الشديد أو الدوار، والطفح الجلدي الذي يشبه حروق الشمس.


كما تجدر الإشارة إلى أن استخدام قطع القماش (حال توافرها طبعا) لها أضرار صحية عديدة، كتغير لون الجلد إلى الأسود، اختلال الهرمونات والتهاب الحوض، والتهابات فطرية بأنواعها المختلفة، منها عدوى الخميرة المهبلية، وبكتيريا المكورات العنقودية أو الصدمة السامة وكذلك انخفاض ضغط الدم وفي أحيان أخرى يصل الأمر إلى الوفاة بسبب تعفن الدم.


وإن كان الخجل والحياء يمنعان نساء غزة من الحديث جهارا عن حاجاتهن النسوية، فإن من واجب المتسابقين على إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، الالتفات إلى هذا الجانب، لأنه وببساطة، يتعلق بنحو نصف سكان القطاع المنكوب.

 

اقرأ أيضاً: 

متلازمة الحرب والحصار على غزة "تجهض" فرص الولادات الآمنة للنساء

50 ألف امرأة حامل في غزة وحيدات بلا رعاية من أحد

نساء غزة.. أُجبرن على قصّ شعرهنّ بـ"الكامل"