بعد العودة.. طلبة ينشدون "حرية" الرياضة و"إبداع" الموسيقا

Untitled-1
Untitled-1

منى أبوحمور

عمان- بسعادة كبيرة ونشاط غير مسبوق استيقظت سهام (9 أعوام) من دون انتظار منبه الساعة، تسبقها فرحتها بقدوم يوم الأربعاء الذي يحوي برنامجا يضم حصة للرياضة وأخرى للفن. استعدادا للذهاب إلى المدرسة، بعد انقطاع عام ونصف عن ألوانها ودفاتر رسمها وبدلتها الرياضية والأنشطة التي كانت تقوم بها مع صديقاتها في الساحة وفي المرسم؛ الآن يملؤها الشغف والتجدد لعودة ممارسة أنشطة قريبة من قلبها.اضافة اعلان
تقول "اشتقت للركض حول الساحة ونط الحبل ورسم عائلتي بالألوان المائية"، واصفة أنها من أجمل الحصص التي تنطلق بها لتستنشق الهواء النقي، وتتنافس فيها بحب مع رفيقاتها، وأمام معلماتها.
عام ونصف من الجلوس أمام الأجهزة الإلكترونية لمتابعة الدروس، وإقصاء حصص الرياضة والفن والموسيقا، أوجد رتابة ومللا في التعليم، وكان سببا في "تسرب" عدد من الطلبة لمتابعة دراستهم.
ولعل خالد علي (14 عاما) كان واحدا من الطلبة ممن كانوا يشعرون بملل كبير من الدخول إلى المنصة التعليمية، ويقول "الرياضة والفن من أجمل الحصص بالنسبة لي أجمل يوم في الأسبوع"، لافتا إلى أن الاستمتاع بحصة الرياضة ليس بالنسبة له فقط وإنما أيضا بالنسبة لكل زملائه في الصف.
في حين اشتاقت ملك منذر (15 عاما) لعزف السلام الملكي خلال الطابور الصباحي في مدرستها بعد انقطاع عام ونصف عن التعليم الوجاهي بسبب جائحة كورونا والتحول إلى التعليم عن بعد. وتصف ملك حصة الموسيقا بـ "حصة الإبداع والحرية"، حيث تقوم هي وزميلاتها بالدندنة على الآلات الموسيقية وتعلم بعض المعزوفات الوطنية للمشاركة في الاحتفالات المدرسية.
وتمضي الحصة من دون أن تشعر بها"، كما تقول، وبعيدا عن الأقلام والدفاتر والنظر إلى السبورة، مؤكدة من جديد مقولة أن "الموسيقا غذاء الروح"، خصوصا بعد ما عاشه الجميع خلال جائحة كورونا و"الملل" الذي تسلل لحياة الصغار.
محبو الرياضة والفن لا يقتصرون على طلبة الصفوف الأولى أو المراحل الابتدائية، فالطالبة دانا في الصف الأول ثانوي تجد في حصة الرياضة متنفسا لها ولزميلاتها للتخفيف من عبء المواد الدراسية الزخمة، كما أنها تشعرها بالعودة إلى المدرسة والأجواء التي افتقدتها واشتاقت لها.
وأوجدت جائحة كورونا احتياجات جديدة وملحّة للعودة إلى التعليم الوجاهي، بحسب الأخصائي التربوي الدكتور عايش النوايسة، فالعودة ليست فقط تأهيلا أكاديميا، إنما تعويضاً للفاقد النفسي، وتأتي الضرورة هنا ملحة لتعويض الفاقد البدني بعد عام ونصف من استخدام الأجهزة الإلكترونية وعدم الحركة وممارسة السلوكيات ذاتها طوال اليوم.
العودة للتعليم الوجاهي بحسب النوايسة، تتعلق بإعادة تأهيل الطلبة اجتماعيا ونفسيا وسلوكيا وتربويا أيضا، وجزء من هذا التأهيل، هو العودة إلى ممارسة الأنشطة الطبيعية التي تتعلق بالتربية الرياضية والفنية والموسيقا والأنشطة اللامنهجية.
ويتابع "تفعيل الأنشطة اللامنهجية على درجة كبيرة من الأهمية، إذ تصقل الأنشطة شخصية الطلبة وتفرغ طاقته السلبية"، كما أن لها دورا في إعادة تكوين شخصيته، وبالتالي هذا مطلب كبير جدا باعتبارها جزءا من الفاقد ومن العودة الطبيعية إلى المدارس.
إلى ذلك، لا يمكن إغفال أهمية هذه الحصص للطالب لأنها تعبر عن نفسيته وسلوكه ومشاعره ومن الضروري أن تعود جميع المدارس بنفس المنهجية وذات الآلية والطاقة حتى يشعر الطلبة "بأننا تغلبنا على هذا الوباء وتغلبنا على الحاجز النفسي" وفق النوايسة.
ولتفعيل حصص الرياضة والفن والموسيقا والأنشطة اللامنهجية، جانب تربوي كبير فهو يساهم بشكل كبير في صقل شخصية الطالب وتعويض المهارات والسلوكيات الإيجابية التي افتقدها خلال التحول إلى التعليم عن بعد كما تساعد في تفريغ الطاقات السلبية وتساهم بتعزيز الطاقة الايجابية والتفكير السليم، فهذه الأنشطة لا تقل أهمية أبدا عن المنهاج المدرسي.
وعملية العودة إلى المدارس، وفق الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة، تحتاج إلى تهيئة وإعداد، فهناك الكثير من المشاكل تبرز لدى الطلبة وتقلل من دافعيتهم للعودة إلى المدرسة، وذلك يخلق لديهم حالة من الانطوائية والانعزال والقلق والتوتر والاضطراب وفقدان الخبرة الكافية والتجارب التي اختبروها بعملية التعلم عن بعد، وبالتالي فإن العودة للمدارس تتطلب وجود خطط احتواء والتدرج في الاندماج التعليمي الوجاهي بداية في الأنشطة ومن ثم الحصص.
ويقول "يجب أن تكون جميع الحصص متضمنة أنشطة، مع حوار ونقاش لتفعيل الحصة الصفية"، ومساعدة الطلبة على تفريغ ما في جعبتهم خلال السنتين الماضيتين من رواسب وتراكمات مختلفة وتأثيرات الفقد والمرض والحظر والانعزال والتكنولوجيا خلال جائحة كورونا، وذلك يكون بالتدرج حتى يعود الطالب إلى التعليم الوجاهي بشكل كامل.
حصص الرياضة والفن والموسيقا، وجدت لغايات التفريغ والإبداع، والآن أصبح لها ضرورات وعلى المعلمين تفعيلها وممارستها بشكل الصحيح، فمن خلالها يقدم الطالب نفسه.
ويؤكد مطارنة أن السبب الرئيسي لهذه الحصص هو التفريغ الانفعالي والاندماج في نشاطات مختلفة والتفاعل بين الطلبة، ففي حصة الرياضة "ننمي لدى الطلبة التبادل والتعاون والتشبيك فيما بينهم وفي حصة الفن والرسم، يتم تفريغ مشاعر الطلبة وما يدور بدواخلهم، أما الموسيقا فتمنح حالة وجدانية عالية وتشكل لديهم انطباعات وعطاء مختلفا.
والتحق ما يقارب 2.2 مليون طالب وطالبة بمدارسهم مع بدء العودة للتعليم الوجاهي في الأول من أيلول/سبتمبر المقبل. وعدد الطلبة الذين انتقلوا من القطاع الخاص إلى المدارس الحكومية حوالي 42 ألف طالب وطالبة، فيما يبلغ عدد المدارس في المملكة 3975 مدرسة.