بعد انتهاء الهدنة وعودة الحرب.. الأمل بحياة آمنة يتلاشى بين الغزيين

1701513419501234100
بعد انتهاء الهدنة وعودة الحرب.. الأمل بحياة آمنة يتلاشى بين الغزيين

عودة الحرب بما فيها من قتل وتدمير إلى قطاع غزة بعد الهدنة التي استمرت لأيام قليلة بين العدو الصهيوني والمقاومة، هو بمثابة اغتيال صريح لفرحة الغزيين وأملهم بوقف إطلاق النار.

اضافة اعلان


تمسكهم بالحياة وإصرارهم على البقاء رغم المعاناة جعلهم يرون في الهدنة وعدا جديدا بالحياة حتى لو لوقت قصير. "أمل ممزوج بالخوف"، هكذا كانت مشاعر سكان غزة خلال أيام الهدنة الترقب كان جزءا من حياتهم والخوف من أن تعود الحرب في أي لحظة كان حافزا بالنسبة لهم لينتهزوا كل الفرص وكأن كل يوم من الهدنة حياة جديدة يعيشون فيها يومهم بلا قصف أو تلك المشاهد المحملة برائحة الدماء والهدم.


الإعلان عن الهدنة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع كان بمثابة بداية لأمل جديد في عودة الحياة وتنفس أهل القطاع الصعداء واستراحة من كل الآلام التي عاشوها على مدار 48 يوما وتلك الحسرات المتتالية من فقد وتجويع وقصف للبيوت والمساجد والمستشفيات. 


كل زاوية في غزة وثقت كما كبيرا من قصص المعاناة والموت والخراب. وفي الهدنة وبين الخوف والأمل كان أبناء غزة  يفتشون عن الحياة التي سرقت منهم رغم وجع الانتظار وقسوته على من يعشقون الحياة ويأبون التنازل عن حقهم في الأمان فبينما كانوا يبحثون عن سبب يبقيهم على قيد الأمل، يأتي قرار انتهاء الهدنة والعودة للحرب ليغتال آمالهم الصغيرة وإصرارهم على استكمال أحلامهم بإيمان لا يهزم ومع استئناف الحرب الوحشية على قطاع غزة عاد كل شيء إلى نقطة الصفر حيث أصوات الطائرات وارتكاب مجازر أخرى أكثر دموية. 


وحول ذلك تبين خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم أن غريزة البقاء، هي أهم الغرائز البشرية، والإنسان بطبعه يسعى للعيش ولإكمال الحياة حتى بكل آلامها وصعوباتها وخيباتها، يتشبث بالحياة ويريد أن يبقى حتى لو كان البقاء معاناة.

 

الهدنة في غزة كانت بمثابة وعد جديد بالحياة حتى لو لبضعة أيام معدودة، وبالتأكيد هذه الهدنة أعطت شيئا من الأمان لسكان غزة ليعيشوا بضعة أيام دون خوف من الموت أو الفقد في أي لحظة. 


كذلك، أعطتهم فرصة لتبادل الأسرى وعودة بعضهم لأهاليهم بعد غياب طويل مما أدخل شيئا من الفرحة بعد ألم ووجع طويل وسمح أيضاً بوصول بعض المساعدات الإنسانية للقطاع. وأعطى المقاتلين فرصة للاستراحة وإعادة جمع قواهم والتخطيط لعمليات قتالية جديدة. أما عن الأهالي والسكان فقد تكون الحياة الاجتماعية والممارسات اليومية قد عادت بعض الشيء لطبيعتها لكن على غير الطبيعي فهذه المرة الدمار موجود في كل مكان والفقد والآلام شعور عام ينتاب الجميع.


ووفق إبراهيم، ربما كانت فرصة لتفقد الوضع والتواصل مع الآخرين، العائلات والأقارب وفرصة للبحث عن غذاء أو دواء أو حتى غطاء، لأن برد الشتاء دخل ليزيد من قسوة الحرب. ربما أيضاً فرصة للتخفيف عن الأطفال ليخرجوا إلى الشارع ليروا السماء والأرض والشجر، إنها فرصة للراحة الإنسانية لتتنفس أنفاس طبيعية دون خوف من الموت أو الاستشهاد في أي لحظة. 


هذه الهدنة كما تقول ابراهيم، كانت فرصة لاستعادة التوازن النفسي والتخلص من الآلام والضغوط النفسية والمشاعر السلبية من خوف وقلق وتوتر دائم عاشها الجميع لفترة طويلة، حتى لراحة الجسد للنوم لساعات أطول من دون خوف، فرصة للبحث عن مأوى آمن، وللأشخاص الذين بذلوا جهودا جبارة خلال الحرب للراحة ومنهم بعض المهن الصعبة التي عانت كثيرا خلال الحرب مثل الأطباء، الممرضين المسعفين، والعاملين في الإعلام.


الهدنة كانت بمثابة استراحة حياة لبضعة أيام بدون موت. فرصة للروح والعقل والنفس للتخلص من الخوف، واستئناف القتال من جديد يعني عودة الموت والدمار، فقد كل مشاعر التوازن الطبيعية لدى الأشخاص، العودة لكل ما هو سلبي ومؤذ، سماع القصف من جديد سماع الدمار وانهيار المباني سماع الصرخات والبكاء، رؤية الشهداء والجرحى والدماء في كل مكان، وأي نفس بشرية تستطيع أو بقي لها القدرة لعيش التجربة مرة أخرى بعد الهدنة. 


وتعتقد ابراهيم أن ما بعد الهدنة سيكون من الناحية النفسية والمعنوية مُتعبا جداً لأن طاقة الإنسان الطبيعية قد انتهت عند سكان غزة كباراً وصغاراً، عودة الحرب من جديد ستكون بمثابة صدمة نفسية متعبة لأشخاص أنهكتهم الحرب وفقدوا ما فقدوا من حياتهم. الروح المعنوية وإعادة إحيائها من جديد لاستئناف الحرب والمقاومة على الأرض أمر ضروري وإن كان صعبا جداً، التكافل الاجتماعي والإنساني للأهالي سكان القطاع أيضاً شيء أساسي لاستمرار الصمود.


عادت حرب الإبادة وعاد القتل والفقد والوحشية هذا بحسب الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطارنة الذي يرى أن الغزيين أخذوا الصدمة الأولى وأصبحت لديهم قوة أكثر لمواجهة العدو الغاشم رغم همجيته وأسلحته. ويبين أنه بانتهاء الهدنة فقد أهل القطاع بارقة الأمل باستعادة حياتهم والعيش بأمان فقد منحتهم أيام الهدنة القليلة فرصة للتنفيس وتفقد أحبتهم وبيوتهم والتحرك بحرية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، لذا هم توقعوا عودة الحرب وهذا ما يجعلهم ربما أكثر استعدادا هذه المرة وأكثر قوة وصلابة فقد منحتهم التجربة دروسا جديدة في أن يكونوا أكثر حذرا. 


ويذهب مطارنة إلى أن شعورهم بالخيبة بعد استئناف القتل أمر طبيعي، لكونهم سيعودون إلى نقطة الصفر فهم يتعاملون مع عدو يفتقد للإنسانية لا يتردد في حرق كل شيء مقابل سلامته وتحقيق أمنياته المزعومة. الخوف والقلق من انقطاع أبسط سبل العيش يضاعفان من معاناة الغزيين. أما فرحتهم بوقف القصف كانت قصيرة ومنقوصة يتخللها الكثير من الفقد والألم ويبقى الإحساس الأكبر لديهم هو تحقيق النصر وقهر المحتل.


ويلفت مطارنة إلى أن الهدنة سمحت لسكان القطاع بأن يستفيدوا من تجارب بعض ويعيدوا ترتيب أمورهم بشكل أفضل، لذا هم هذه المرة أكثر استعدادا للصمود في وجه الاحتلال وعدم تمكينه من تحقيق أمنياته بانهيارهم داخليا، وهذا ما لم يحدث أبدا بل على العكس سيحولون كل ما يشعرون به من حزن إلى طاقة تحد وغضب لتدمير العدو معنويا فحتى الموت لا يخيفهم لأنهم يتمنون الشهادة دائما والأرض والحرية بالنسبة لهم أغلى من الدم.

 

اقرأ أيضاً: 

الهدنة.. الغزيون بين شهيق الحرية وغصة البحث عن بقايا حياة