تدريب الكوادر التعليمية لبيئة دامجة لذوي الإعاقة.. هل العمل على قدر التطلعات؟

تدريب الكوادر التعليمية لبيئة دامجة لذوي الإعاقة.. هل العمل على قدر التطلعات؟
تدريب الكوادر التعليمية لبيئة دامجة لذوي الإعاقة.. هل العمل على قدر التطلعات؟

ما تزال الخطوات نحو دمج الأشخاص من ذوي الإعاقة في المدارس "خجولة ومرتبكة" وغير مرضية إلى حد ما. وهذا لا يعني إنكار كل الجهود المبذولة حتى الآن ولكن ليتحقق الدمج بصورته الحقيقية وبالطريقة التي تضمن للأشخاص ذوي الإعاقة بيئة تعليمية أكثر أمانا وتقبلا لا بد من اهتمام أكبر بالموضوع والعمل على التهيئة بكل أشكالها بدءا من المرافق ومرورا بالمعلمين والطلبة والإداريين وأولياء الأمور.

اضافة اعلان


قد تكون التحديات كبيرة، لكن بالجد والإيمان والوعي سيصبح الدمج نمط حياة وأمرا اعتياديا وليس حلما مرهونا بخطط لا تكتمل، ومجرد وعود على طاولة الانتظار يضيع معها الكثير من الطموحات والأحلام. 


يحتاج الأبناء لشعور الاطمئنان، للوصول لبر الأمان، هذا كل ما يتمناه سعد العمري (45 عاما)، وهو أب لابن من ذوي الإعاقة الحركية، حيث يقول "ندرك أن التغيير لا يحدث بيوم وليلة وأن إيجاد بيئة تعليمية دامجة وآمنة مشوار طويل من العمل والتعب وحشد جميع الإمكانات"، ولكن حتى نبدأ بشكل صحيح علينا أن نؤمن جدا بالدمج بصورته الحقيقية وأن نشتغل على هذا الأساس. 


ويبين أن ابنه إلى اليوم يرفض بسبب إعاقته رغم قبوله بالمدرسة، وذلك من قبل بعض المعلمين وأولياء الأمور الذين يستاءون من وجوده بالصف مع أبنائهم بل ويجدون في كرسيه حجة لذلك، فبرأيهم أن الكرسي المتحرك قد يؤذي أبناءهم ويكون مصدر إزعاج لهم.


ويلفت إلى أن أحد أولياء الأمور لم يخجل من أن يقول ذلك صراحة في وجهه، "هذا الولد يؤثر على ابني بالدراسة لما يتحرك ما بدي إياه يظل بصفه". سعد كأب وإنسان يصر على حق ابنه في أن يتعلم ويصل إلى حلمه في أن يكون مبرمجا لم تنل منه كل الإحباطات هو يعي جيدا أن الحياة ليست عادلة ولن تكون كذلك. إيمانه بابنه يجعله يحارب من أجله ويقف يدا بيد بصف كل من يؤمن بحق ذوي الإعاقة ويسعى للتغيير نحو الأفضل. 


أما مراد (12 عاما) وهو طالب في إحدى مدارس إربد يجد أن فقدانه للبصر سببا في تجاهل بعض المعلمين له. يقول "أشعر أحيانا بالغربة وخاصة أنني اضطر لتغيير المدرسة أكثر من مرة وهذا ما يجعلني مفتقدا للأمان غير قادر على تكوين صداقات حقيقية داخل المدرسة".


 مراد رغم حبه للدراسة إلا أنه لا يحاول أبدا أن يبرز إمكاناته وذلك بسبب إعفائه الدائم من حل الواجبات والتحضير والمشاركة في الأنشطة المدرسية، موضحا أن هناك بعض المعلمين يحترمونه لكن ذلك لا يكفي ليكون مندمجا فعليا دون أي حواجز وذلك لعدم قدرتهم على التعامل معه بالطريقة الصحيحة مما يؤثر ذلك سلبا عليه ويزيد من إحساسه بالغربة والتهميش. 


يشير والد مراد إلى أن الإهمال غير المقصود والناتج عن قلة وعي أتعب ابنه جدا وبدأت نفسيته تنتكس تدريجيا حتى بات يفضل العزلة والتغيب عن المدرسة. يقول "مهم جدا توعية المعلمين جميعهم وتدريبهم على الأساليب الصحيحة ليكون الجهد مثمرا فالاهتمام بلا معرفة أو دراية لن يكون نافعا مطلقا وسيبقى الطلبة من ذوي الإعاقة يعانون من التهميش وعدم الانتماء للمدرسة التي يقضون فيها معظم وقتهم". 


وتعيش مي المشكلة نفسها مع ابنتها من متلازمة داون. تقول "نحن كأهال نجد صعوبة كبيرة في تسجيل أبنائنا في المدارس فمن جهة غلاء المدارس الخاصة ومن جهة أخرى اعتراض بعض أولياء الأمور على وجود طالب من متلازمة داون في الصف خوفا على أبنائهم وهذا كله بالطبع يشكل ضغطا نفسيا كبيرا عليهم يشعرهم بقسوة الحياة على أبنائهم".


ومع كل ذلك، يبقى الإيمان بحقهم في أن يتعلموا هو الدافع الأول للأهل ليواجهوا الواقع أيا كانت العراقيل ويطالبوا بدمج حقيقي يوفر للأشخاص ذوي الإعاقة الاستقرار والمساواة، لافتة إلى ضرورة أن تكون الكوادر التعليمية كلها مدربة جيدا وقادرة على إيجاد الحلول والبدائل المناسبة لأي مشكلة قد يتعرض لها الطالب من ذوي الإعاقة. 


وتأمل مي أن يأتي اليوم الذي تستطيع فيه ابنتها أن تعيش في مجتمع يحترمها كما هي دون أي تصنيفات تحجم فيها الطموح وتحرمها من أن تشارك كغيرها في الأنشطة التي تنظمها المدرسة دون الخوف من الإقصاء. 


وحول ذلك ترى الاختصاصية النفسية في مجال ذوي الإعاقة الدكتورة سلام عاشور أن تدريب الكوادر التعليمية في المدارس من الخطوات الأساسية والمهمة في تطبيق عملية الدمج بصورته الحقيقية، فكلما كان الدمج مطبقا في المراحل المبكرة من عمر الطالب من ذوي الإعاقة كلما كانت الفائدة أكبر واستطاع الطالب أن يتأقلم أسرع ويجد التقبل الذي يجعله أفضل أكاديميا ونفسيا. 


وتشير إلى أن الفجوة كبيرة جدا بين ما يدرسه المعلمون في الجامعة من مساقات في التربية وتنظيم الصف وغيرها من المعلومات وبين التدريس على أرض الوقع، فالكوادر التعليمية بشكل عام قد تفتقد مهارات أساسية للتعامل مع الطلبة من ذوي الإعاقة وهذا يترتب عليه أن يكون هناك اهتمام أكبر من قبل الجامعات بتدريس مناهج تشمل الطلبة من ذوي الإعاقة، وطرق التعامل معهم حسب حاجاتهم وطبيعة الإعاقة لديهم، فالرفض يكون لعدم وجود كوادر مدربة وبالتالي يتسبب ذلك في عزلهم وتراجع صحتهم النفسية.
ووفق عاشور، الطلبة من ذوي الإعاقة وتحديدا ممن لديهم قدرة على التعلم يحتاجون أن يكونوا في وسط المجتمع وأن يندمجوا فعليا مع أقرانهم لا أن يحكم عليهم بالعيش خارج الواقع بحجة الإعاقة كما أن كثيرا من المدارس تقريبا ما تزال غير جاهزة لاستقبالهم.


والنصيحة التي تقدمها عاشور للمعلمين ممن يدرسون تربية الطفل ويتخصصون في تدريس المراحل الأولى أن لا يكتفوا بالمساقات الجامعية فقط، انما البحث عن دورات ترفع من وعيهم تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة والخضوع لدورات في تعديل السلوك وتعلم الأساليب الصحيحة التي يحتاجونها في حال كان في الصف طالب من ذوي الإعاقة.

 


وتبين عاشور أن الدمج الحقيقي والوصول إلى بيئة تعليمية دامجة يتطلب مضاعفة الجهود والعمل بشكل جدي على توعية الناس وتثقيفهم، إضافة إلى تهيئة المعلمين والمرافق والإدارة والطلبة جميعهم وأولياء أمورهم. وهذا لن يتحقق إلا بتعاون كل الأطراف وتعيين معلمين أصحاب كفاءات وأن تكون الإدارة على درجة كبيرة من الوعي وتطبيق الدمج كما يجب. كما أن وزارة التربية والتعليم مسؤولة بشكل مباشر عن عقد ورشات توعوية ودورات إلزامية للمعلمين لتمكينهم وتدريبهم على أهم المهارات الأساسية. 


وتتفق معها الناشطة الحقوقية بقضايا ذوي الإعاقة الدكتورة تقى المجالي في أهمية إخضاع المعلمين لدورات تدريبية إلزامية لتهيئتهم، وجعل ذلك شرطا من شروط التوظيف أو حتى الاستمرار بالوظيفة وتعليمهم الأساليب والطرق التي تساعدهم في تحقيق الدمج واقعيا وليس مجرد صورة، فكل ذلك يحتاج للعمل والإيمان لتكتمل. 


وأيضا إعطاء الفرص بإنصاف للطلبة من ذوي الإعاقة ليدرسوا ويتميزوا وضرورة التطوير على هذه الدورات باستمرار، كما من المهم الاستعانة بأشخاص حقوقيين في مجال ذوي الإعاقة ليكون التدريب على أفضل صورة ويستطيع المعلمون الاستفادة من المعلومات المقدمة لهم. 


وتبين المجالي أن موضوع التدريب يجب أن لا يقتصر على المعلمين فقط بل أيضا يجب تدريب الطلبة أنفسهم بغض النظر عما إذا كانوا من ذوي الإعاقة أم لا، وتوعيتهم بحقوق هذه الفئة وتضمين ذلك في المناهج الدراسية.


 وحتى تكون المدارس دامجة بالكامل، ترى المجالي أنه لا بد من أن تكون التهيئة شاملة ومن منطلق واع وليس شكليا وهذا يستدعي طبعا تهيئة الطالب من ذوي الإعاقة نفسه من حيث شخصيته وطريقة تعامله مع المحيطين به ومساعدته على الانسجام مع البيئة المدرسية ككل والتحرر من بعض الحواجز الموجودة داخله الناتجة عن الاختلاف والتي من الممكن أن تترك آثارا سلبية إذا ما تم التعامل معها بالطريقة الصحيحة.


الى ذلك، تنمية المواهب لديه واستغلال أنه مختلف بشكل إيجابي إضافة إلى ضرورة تعيين مختصين للتعامل مع الإعاقات الذهنية القادرة على التعلم والاندماج، لافتة المجالي إلى أن على المسؤولين الانتباه لنقطة مهمة وهي توزيع المدارس الدامجة بطريقة عادلة بدلا من تركيزها في أماكن محدودة وحرمان أبناء المحافظات أو المناطق البعيدة من حقهم في التعليم. 


وعلى المدارس الدامجة توفير الأجهزة والأدوات التيسيرية للطلبة من ذوي الإعاقة ليسهل دمجهم ويكونوا قادرين على الدراسة كغيرهم في أجواء مريحة يحترم فيها كل طرف الآخر، إضافة إلى العمل أكثر على تهيئة المرافق بما يتناسب مع كل الإعاقات. 


ومن الأمور المهمة التي تشدد عليها المجالي عدم حرمان الطلبة ذوي الإعاقة من أي مبحث وهذا ما يحدث منذ زمن طويل كمادتي الرياضيات والحاسوب لأن هذا الحرمان سيترتب عليه حرمانهم من دراسة بعض التخصصات في الجامعة، وبالتالي الحرمان من العمل في المجال الذي يحبونه.


وتختم حديثها بالقول؛ "نصبح مجتمعا دامجا عندما نتقبل أن الشخص من ذوي الإعاقة بإمكانه أن يكون معلما له حقوق وعليه واجبات وليس معلما زائدا، فتوعية الطلبة تأتي من هذه النقطة تحديدا عندما نزرع فيهم أن الشخص من ذوي الإعاقة قادر ويستحق أن نثق بإمكاناته في كل المجالات".


ومن جهته، يبين مدير إدارة الإشراف والتدريب محمد المومني في وزارة التربية والتعليم، إن تحديد القدرة على تنفيذ التعليم الدامج الفعّال في الأردن يعتمد إلى حدٍ كبير على الالتزام والتدريب والمواقف السلوكية الإيجابية تجاه الدمج ومدى استعداد الكوادر العاملة في مجال التعليم لتبني أهداف التعليم الدامج والسعي إلى تحقيقها. ذلك الأمر يستدعي تدريب المعلمين وتأهيلهم، وشمول راسمي السياسات في وزارة التربية والتعليم في المركز وفي مديريات التربية والتعليم في الميدان والمشرفين التربويين ومديري المدارس في البرامج التدريبية المختصة بالتعليم الدامج وتوفير المعلمين المساندين والاختصاصيين في مجال النطق واللغة والعلاج الوظيفي والعلاج الطبيعي والاختصاصي النفسي وممارسة عملهم بوصفهم يشكلون فريقا متعدد الاختصاصات.


ويضيف المومني انه تم العمل على إعداد مسودة المعايير الخاصة بالتعليم الدامج، وتكمن أهمية هذا المحور في ما يأتي؛ رفع كفاية مديري المدارس والمعلمين والاختصاصيين المساندين والإداريين في متطلبات التعليم الدامج؛ تأهيل مديري المدارس والمعلمين لتوفير بيئة مدرسية دامجة لتعليم الطلبة كافة داخل الغرفة الصفية والاستجابة للفروقات الفردية للطلبة ذوي الإعاقة وتقديم تعليم فعال ونوعي للجميع. ويهدف برنامج بناء القدرات إلى إعداد مديري المدارس والمشرفين والمعلمين في مدارس وزارة التربية والتعليم وتأهيلهم وتدريبهم على التعليم الدامج، وإدراج مساقات عن التعليم الدامج في برامج إعداد المعلمين قبل الخدمة وأثنائها، والتنسيق مع مؤسسات التعليم العالي لتضمين الخطط الدراسية ذات العلاقة بمتطلبات التعليم الدامج.


كذلك، الاستفادة من الخبراء الموجودين في المدارس الدامجة النموذجية وذلك بهدف مشاركة الممارسات الجيدة ونشرها. حيث تم إعداد مجموعة من مواد برامج التعليم الدامج والتي سيتم البدء بالتدريب عليها بدءا من هذا العام ومنها المادة التدريبية لبرنامج خريطة الطريق لبيئة الأطفال الصديقة للتعلم الدامج في مرحلة رياض الأطفال، المادة التدريبية لبرنامج نحو مزيد من الدمج والتنوع في التعليم في الأردن، ورشة التعليم الدامج لمعلمي الصفوف الثلاثة الأولى، المادة التدريبية لمساق التعليم الدامج في رياض الأطفال، المادة التدريبية لمساق مقدمة في التعليم والتعليم الدامج، وفق المومني.

 

اقرأ أيضاً: 

500 الف دينار لدعم تعليم الطلبة ذوي الاعاقة