تربية الأبناء في مواجهة العثرات.. دروس من الحياة تصنع قوتهم

تربية الأبناء
تربية الأبناء

لا حياة دون أشواك، وكذلك لا قوة دون متاعب أو عثرات. الصعوبات في كل مكان وزمان، وتربية الآباء لأبنائهم هي مهمة شاقة جدا. فكل الطرق أمامهم تفرض عليهم المغامرة ومواجهة التحديات وجها لوجه.

اضافة اعلان


مسؤولية الآباء والأمهات الوقوف إلى جانب أبنائهم وتعليمهم كيف يتجاوزون الأزمات ويخرجون منها أقوى. بدلا من أن يختاروا الخوف واليأس كواقع مفروض، تكون عثراتهم بابا جديدا لحياة أكثر سعادة.


قوة الأبناء هي الحصانة الوحيدة التي بإمكانها أن تبدل سقطاتهم أملا وخوفهم نجاحا؛ هذا ما فهمته إيمان، ( 44 عاما)، وتجتهد اليوم أن تعلمه لابنتها الوحيدة.


تقول إيمان: "لا نستطيع كآباء وأمهات أن ننزع الشوك من طريق أبنائنا حتى لا يخدشوا أو يتألموا. ولكن في الوقت نفسه، يمكننا كأهل أن نعلمهم كيف يتجنبونه وكيف يصبرون على الألم إن قدر لهم، وكيف يكونون أقوياء بعد كل ضربة."


لم ينس خوف إيمان على ابنتها الوحيدة صعوبة الحياة، لذلك، كانت مهمتها كأم أن تسلحها بكل ما يلزمها لتكون قوية، ولذلك، تسعى جاهدة لتعليم ابنتها كيف تتعلم من هذه الدروس وتخرج منها أقوى.


كانت إيمان تراقب ابنتها من بعيد، وترشدها كلما سقطت وتمد لها يدها لتقف ثانية. ولذلك، تشعر إيمان اليوم بالاطمئنان على ابنتها، بعد كل ما قطعت به من تجارب ودروس وأصبحت بشخصيتها القوية أهلا للثقة.


أما نضال (30 عاما) يرى أن الصعوبات موجودة دائما في كل مرحلة أو قرار، فطرق الحياة ليست مستوية أبدا، لكن خيارات الأمل مفتوحة ومهما كان الألم كبيرا لا يمكنه أن يلغي الشغف باكتشاف الواقع والتعلم من كل ما يحدث. 


يقول مشكلته مع أهله كانت خوفهم الزائد عليه، وعلى إخوته فقد كانوا دون قصد يصادرون حقهم في أن يجربوا وتكون لهم قصتهم الخاصة مع الحياة وأيضا الصعوبات وتحديها ستساعدهم على تكوين خبرات لم يكن لهم أن يكتسبوها لولا تلك الدروس التي بقدر ما تؤلمنا قد تسعدنا.


ووفق رأيه، لا أحد بمأمن من الألم حتى الأهل كانت لهم تجربتهم الخاصة واختبروا الألم بكل ظروفه ولا يعني أن حبهم المفرط لأولادهم كافيا لحمايتهم، فأحيانا الخوف قد يجبرهم على سجن أبنائهم خارج أسوار الواقع وهذا بالضبط ما رفضه نضال هو وإخوته لكونهم يعتبرون أن التجربة أكبر معلم، ستكسبهم المناعة والقوة ليستمروا.


الأرضية الصلبة لتنشئة أبناء أقوياء تكون منذ الطفولة، كما يبين الاختصاصي التربوي النفسي الدكتور موسى مطارنة، فمسؤولية الأب والأم رعاية أبنائهم وتوجيههم وتعليمهم الصواب من الخطأ وفهم نفسيتهم وطريقتهم بالتفكير، إضافة إلى احترام آرائهم ورغباتهم من خلال فتح قنوات حوار معهم والسماح لهم بأن يرسموا طريقهم ضمن الضوابط الإنسانية وتربية الأهل.


ويحذر مطارنة من خطأ يقع فيه بعض الآباء، وهو منع أبنائهم من خوض تجارب الحياة ومواجهة صعوباتها، ومنعهم من تجربة اختيار ما يناسبهم. وذلك يفقدهم الثقة بأنفسهم ويُعيق قدرتهم على مواجهة تحديات الحياة في المستقبل.


إعداد أبناء أقوياء يستطيعون التعامل مع كل الصعوبات التي يمرون بها يتطلب تربية جيدة تجعل منهم أشخاصا مسؤولين، كما أن شخصياتهم المتزنة الواعية والقادرة على اكتشاف الآلام والتعلم منها تمنحهم الحصانة الكافية وهذا لا يتحقق إلا إذا كانوا منذ الطفولة يعرفون حقوقهم تماما كما يعرفون واجباتهم. 


وبحسب مطارنة؛ فإن الصعوبات لا تنتهي وهذا كفيل بصقل الابن من الداخل وتمكينه نفسيا من إظهار قوته في المواقف التي تحتاج منه أن يغامر، وللأهل دور كبير في توجيهه وإرشاده ومساندته، والتخلي عن خوفهم الزائد ليكون باستطاعته الوقوف بعد كل سقوط أقوى من قبل. 


وتشير خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم إلى أن تربية أبنائنا بشخصية قوية قادرة على مواجهة مصاعب ومتاعب الحياة تتطلب مجهودا كبيرا من الأبوين للحفاظ على سلوكيات أبنائهم وعلى نفسيتهم سوية ومتزنة، بالإضافة لإكساب الثقة بالنفس.


ولجعل الأبناء أشخاصا أقوياء لديهم الصلابة الكافية ليتجاوزوا الصدمات، يجب أولاً زرع الثقة بقدراتهم على حل المشكلات وتجاوزها والثقة بقدرتهم على تحمل الألم أو المشاعر السلبية التي قدر ترافق الأزمات التي يمرون بها، ويجب احترام مشاعرهم وعدم التقليل أو السخرية منها فاحترام مشاعر وأفكار الابناء هو أول طريق يكتسبون من خلاله ثقتهم بأنفسهم وينعكس على طريقة تعاملهم مع الآخرين مع المشكلات.


أيضاً، من الأهمية بمكان وفق ابراهيم، الاستماع للابناء واشعارهم بأهميتهم وقوة الشخصية. كذلك يجب عدم إفشاء أسرارهم أو السخرية منهم، فإن ذلك يهز من ثقتهم بأنفسهم ويؤثر عليهم بالسلب. ويجب تشجيهم على الاندماج والعودة السريعة للحياة الاجتماعية بعد الصدمات أو الأزمات وأن لا يبالغوا كثيراً في ردات الفعل وأن لا تأخذ منهم وقتا طويلا ولا تستنزفهم مشاعر كثيرة.


ووفق ابراهيم، "مسافة الأمان الكافية يجب أن نبقى بها مع أبنائنا، فلا نكون قريبين جداً ونبالغ في التدخل بحياتهم ومشكلاتهم فلا نعطيهم مجال لإدارة أمورهم وتجاوز أخطائهم ولا نكون بعيدين جدا عنهم ويشعرون بالإهمال، وأنهم وحدهم في هذه الحياة ويدخلون بحالة من الإحباط واليأس والوحدة ويفقدون الثقة بالأشخاص من حولهم.

 

اقرأ أيضاً:

"التربية الانفعالية" و"المبالغة بالتأديب".. ممارسات تدمر شخصية الأبناء