تسنيم الدباس تقوى بالأمل وتتبع شغفها بدراسة علم "النانو تكنولوجي"

تسنيم الدباس الباحثة في علم النانو- (من المصدر)
تسنيم الدباس الباحثة في علم النانو- (من المصدر)

"إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون"، عبارة تؤمن بها جدا تسنيم الدباس الباحثة في علم النانو والحاصلة على درجة الماجستير بتقدير امتياز بتخصص هندسة النانو تكنولوجي.  تسنيم ولأنها امرأة طموحة وقوية استطاعت أن تحول المحنة إلى أمل وتكون أهلا للهدف الذي رسمته لنفسها. إصابتها بالشلل الرباعي كان نتيجة حادث سير، تسنيم تمكنت من أن تنجح أكثر وتوثق بصمات جديدة بإرادتها وتحديها لكل الظروف التي مرت بها. 

اضافة اعلان


أثبتت ومن خلال تجربتها الخاصة أن لا شيء مستحيل وأن الألم قد يكون بداية لمرحلة أجمل وأن الإنسان القوي لا ينكسر بل يسخر الظروف من أجل أحلامه.

 

تخرجها من جامعة العلوم والتكنولوجيا بكالوريوس كيمياء تطبيقية، وعملها كمشرفة للمختبرات في جامعة الحسين بن طلال في العام 2005 ومن ثم زواجها وإنجابها لطفلين، كل ذلك كان بداية لأحلام كثيرة وأمنيات تنوي تسنيم تحقيقها فهي كامرأة شغوفة استطاعت العودة لحياتها بعد الحادث الأليم. 


لم تستسلم يوما أو تفقد الأمل إيمانها بالله هو ما يقويها تقول في لقاء خاص مع "الغد"، أن حياتها كانت طبيعية فيها الكثير من الطموح والشغف لكن بلحظة كل شيء تغير نتيجة حادث سير تعرضت له بالعام 2011 ومن ذلك الوقت لم تعد الحياة كالسابق أبدا.  


تسنيم وبلحظة واحدة فقدت عملها وبيتها ولم يكن لديها خيار سوى العودة لتسكن مع أهلها، وخاصة أن طفليها آنذاك كانا بحاجة لعناية كاملة. وتبين أن مسار حياتها تغير بالكامل نتيجة إصابتها بالشلل الرباعي. في البداية واجهت تسنيم تحديا كبيرا فهي ليست وحدها، مسؤوليتها كأم لطفلين جعلتها تتمسك بالحياة أكثر وتراهن على الأمل في أن تكون مصدر قوة لابنيها وليس نقطة ضعف تقول أول فترة كانت غير قادرة على الحركة بمفردها، فاحتاجت لمساعدة شقيقيها في التأقلم على وضعها الجديد. 


وبحب وإيمان استطاعا أن يحتوياها ويكونا لها المعين، واليوم هي مدينة لهما بكل ما وصلت إليه، لافتة إلى أن الشكر الأكبر لوالدتها التي كانت معها خطوة بخطوة وما تزال حاضنة لها ولابنيها.


تسنيم تؤكد أن الإنسان لا يستطيع أن ينجح وحده أو حتى يكون قويا، استطاعت أن تتأقلم مع حياة مختلفة تماما عن حياتها في السابق، لذلك كان لا بد من أن تدرك حجم المسؤولية التي تحملها تجاه ابنيها وهدفها بأن يكونا بأفضل مكان وخاصة أنهما متفوقان يحبان العلم جدا إضافة إلى حبها للقراءة واهتمامها بتطوير العلوم لديها وتجاهلها للمشكلة حتى تظل الأم القوية في نظرهما وحتى تستطيع أن تكون داعمة لهما في كل المراحل. 


وتشير إلى أن تخطيها لكل ما مرت به ساعدها بشكل كبير لأن تعاود الوقوف ثانية وتحديدا عندما أدركت أن العلاج غير موجود عندها فقط، فكان الأمل هو ما يشدها لكي تبدأ مشوارها من جديد في ظل استحالة الأشياء حولها.


 تقول، "لم يخترها الله لهذا الطريق إلا لأنه يعلم مدى قدرتها على  إحياء الأمل في قلوب أشخاص كثيرين فلكل إنسان رسالة في هذه الحياة من واجبه أن يؤديها بأفضل صورة".


 تسنيم كانت تحب الأبحاث والمختبرات وأيضا المشاركة بأبحاث على مستوى الجامعة بدافع التطوع. وبالإيمان والإرادة تجاوزت المرحلة الأصعب في حياتها وقررت أن تشارك  بكل ما ينفعها ويزيدها خبرة ومعرفة، فالتحقت بدورات على مستوى العالم واهتمت بكل ما يطورها علميا واتخذت من منصة إدراك نافذة لها ولابنيها كما اشتركت بمراكز القرآن وتقدمت لأكاديمية في العلوم الشرعية عن طريق الأونلاين وذلك في المملكة العربية السعودية وحصلت على تقدير امتياز.


 الاعتماد على التكنولوجيا في كل شيء وتحديدا بـ2019 بعد تفشي فيروس كورونا ساعدها بأن تثري خبرتها العلمية وهي في مكانها من دون أن تحتاج لأن تخرج وتواجه بيئة ما تزال حتى الآن غير آمنة. 


استمدت تسنيم قوتها من وجود ابنيها وأهلها إلى جانبها فتمكنت من استخدام اللابتوب والاعتماد عليه في دراستها كما أصبحت حركتها أفضل وأصبح باستطاعتها التجول في حديقة البيت فقد قدمت لها عائلتها كل ما يجعل الحياة أسهل عليها إضافة إلى أنهم يحرصون على إخراجها من أجل الترفيه عنها وإشعارها بأن الحياة مستمرة.


هذا كله كان سببا في تعافيها بشكل أسرع وخاصة أن الاكتئاب في مثل هذه المواقف شديد. تقول "طبيعي أن نمر بلحظات ضعف فكيف إذا كان الوضع الذي نعيشه يحتاج لقوة تحمل وعزيمة"، مبينة أنها في البداية كانت قوية من أجل ابنيها وخاصة عندما كانا صغيرين، لكن عندما بدأ الطموح يكبر في داخلها وشعرت بأهمية ما يمكن أن تقدمه للعالم كله أصبحت أقدر على توصيل بحثها عالميا وإنهاء معاناة الكثيرين. 


أما بالنسبة لدراستها هندسة النانو تكنولوجي، فتوضح تسنيم أن الموضوع بدأ في العام 2013، حيث كانت تشارك في جروبات تطوعية للتعريف بعلم النانو وأخذ دورات على مستوى جامعات العالم، فالنانو هو علم دقائق الجزئيات وهنا تكمن المعجزات، ويمكن تغيير الكثير من الأمور الموجودة والتي نعتقد باستحالة تغييرها تماما كفكرة بحثها وهي تجديد الخلايا العصبية وهي مشكلتها ومشكلة الكثير من الناس حول العالم. 


ويعني ذلك أنه في حال حدوث قطع أو ضرر أو ضغط على الخلايا العصبية، فإنها تبقى بنفس الحجم لا يمكن شفاؤها وهذا بحسب رأيها العلم القديم، لكن إذا طبق بحثها بشكل عملي وعلى نطاق واسع ستكون هناك فرصة لتجديد الخلايا العصبية واستعادة الحركة بالكامل لدى شريحة كبيرة من الناس.


 ووفق تسنيم، فإن عنوان البحث بالعربي هو محاكاة هيدروجيل المركب النانوي القائم على أكسيد الجرافين المختزل عن طريق الحقن لتجديد إصابات الحبل الشوكي باستخدام برنامج كومسول. 


وفي الجزء التنفيذي من الدراسة: تمت الدراسة كاملة باستخدام برنامج كومسول، تمت محاكاة برنامج COMSOL لثلاثة أهداف مختلفة: الأول كان محاكاة الطباعة ثلاثية الأبعاد للطبقتين المحيطتين بمركب- الجرافين composite rGO - بحيث تكون طبقة الحمض الأميني هي الغلاف الخارجي بتركيز معين. وأظهرت النتائج إمكانية تصنيع المركب النهائي بالتركيز المحدد؛ والثاني هو دراسة لإمكانية حقن المركب العلاجي الذي تم تصنيعه في برنامج كومسول السابق بسرعة ثابتة.


 وأظهرت النتائج السرعة والتوقيت الأمثل لإعطاء تركيز معين منه؛ والثالث كان دراسة متعمقة على تأثير انتشار المركب العلاجي المحضر في الجسم الحي على الخلايا العصبية التالفة على وجه الخصوص، حيث انه في النموذج، يتم دراسة تحلل النسيج العصبي الخارجي Extra Cellular Matrix(ECM) المحفز بالإنزيم وعمليات تفكك وارتباط الدعامة مع البيبتايد Peptide. 


وذلك باستخدام معادلات حركية Michaelis-Menten لوصف عملية ارتباط الإنزيم. أشارت النتائج من خلال التجارب على نماذج خارج الجسم الحي إلى أن الحقن بنموذج هيدروجيل المركب النانوي المستند إلى الجرافين والذي يكون غلافه الخارجي هو التأثير الأساسي للحمض الأميني لمنع المزيد من موت الخلايا العصبية وتقليل السمية عن طريق زيادة امتصاص الغلوتامات في الخلايا النجمية Astrocyte من النسيج العصبي الخارجي خارج الخلية. على غرار ما نراه في حيوانات الفكيات Lamprey بعد قطع الحبل الشوكي ليوم واحد فقط استعادت حركتها بشكل كامل.


 أثبتت الدراسات على نماذج خارج الجسم الحي invitro تحلل الهيدروجل بمرور الوقت، مما يؤدي بأمان إلى إطلاق المركب نانوي القائم على الجرافين في مكان العصب المتضرر ولديها القدرة على التوافق مع شكل الخلايا، مما يسمح باستعادة استمرارية الأنسجة العصبية والانخفاض في التشوه الديناميكي للدعامة.


لم تكتف تسنيم بالدورات والمشاركة في الجروبات من أجل تعريف الناس بالعلوم الجديدة بل رأت أن عليها أن تضع بصمة جديدة ومميزة فكان خيارها أن تدرس الماجستير في هندسة النانو تكنولوجي وذلك في بداية الـ2018، لافتة إلى أن الموضوع لم يكن مجرد فكرة أو اقتراح بل هو نتيجة تراكمات كبيرة من الخبرة والبحث.


 قرارها بإكمال دراستها جاء تحديدا بعد خضوعها لأحدى الدورات على منصة إدراك وكان المسؤول عنها  الدكتور برهان وبسبب تفوقها بالدورة رغم مشاركة الكثيرين فيها ومن كل أنحاء العالم أصبحت لديها الجرأة أن تسأل عن إمكانية دراستها للماجستير في مجال علم النانو.


 في البداية حاول المحيطين بها اقناعها بتغيير التخصص لصعوبته، لكنها رفضت وأكدت لهم أن النانو حلمها وأنها على يقين بأنها ستصنع  من خلاله المسستحيل. 


وعن نصيحتها للناس، وخاصة أولئك الذين يعيشون ظروفا استثنائية تؤكد تسنيم اهمية معرفة كل انسان بإمكاناته ونقاط  القوة فيه، مشيرة إلى أن الكل له دور في هذه الحياة يجب أن يؤديه بغض النظر عن وضعه.


وتشيد تسنيم بدور المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في دعمها ودفع نسبة من الساعات الجامعية كما أن زيارة سمو الأمير مرعد بن رعد لها في بيتها كان مصدر فخر لها ورفع من معنوياتها وأشعرها بأهمية ما قدمته من تميز.


أما عن أحلامها في المستقبل، فتتمنى أن تعمل في مجال مساعد البحث لتوظف كل الخبرة التي اكتسبتها خلال فترة دراستها وتستطيع أيضا أن تفيد الطلبة الجدد كما تطمح لأن تساهم في نشر بحثها وتطبيقه بشكل عملي وأن تساعد القائمين على تطبيقه وأن ترى النتائج بنفسها، فالنجاح الحقيقي عندما يغير بحثها حياة نسبة كبيرة من الناس حول العالم، ويصبح من الممكن علاج إصابات النخاع الشوكي وتستطيع حتى هي أن تستعيد القدرة على الحركة فإيمانها هي ومن حولها أن كل ما تمر به مؤقت يجعلها تنتظر اللحظة التي ستعود فيها إلى حياتها. وبالنسبة لابنيها فهما أولوية تحلم بتوصيلهما لأفضل مكان وتمكينهما من أن يكونا نموذجين مشرفين تفخر بهما. 

 

اقرأ أيضاً: 

ذوات إعاقة يكافحن بسوق العمل ويصنعن أسماءهن بالتميز والإنجاز