"جرحى غزة".. قلب ينبض داخل جسد أحرقته بشاعة الحرب

جرحى غزة.. قلب ينبض داخل جسد أحرقته بشاعة الحرب
"جرحى غزة".. قلب ينبض داخل جسد أحرقته بشاعة الحرب

دُفنت لهم قدم أو ذراع، أو كلتاهما، وبقي قلبهم ينبض بالحياة، وينتظرون الفرصة التي يعودون فيها إلى بيوتهم وأحضان أحبائهم، إنهم جرحى غزة، الذين تتضاعف أرقامهم يوماً بعد آخر بشكل مرعب، وقد باتوا أرقاماً في نظر المنظمات الصحية، ولكنهم شواهد حية على بشاعة الحرب في غزة.

اضافة اعلان


مشاهد الدمار التي يتم عرضها على مدار الساعة في كل قناة إخبارية، لا تخلو من صوت صراخ لطفل أو شاب جريح، وسيدة تبلع جرحها خجلاً من أن تظهر آلامها قبالة أطفالها الذين ينظرون إليها بلهفة، وعلى أمل أن تنهض سريعاً وتحتضنهم من جديد، ويبحثون عن الأمان في وجهها.


الأرقام لا يمكن رصدها، تتزايد يومياً، ومع كل قطرة دم تنزف هناك قصة، آهاتهم تتجاوز الحدود، وصراخهم يسمعه القاصي والداني، ممن وقفوا يناظرون أحداث حرب غزة، التي تعطل فيها عمل المنظمات التي لم تحم من هم في عهدتها، بل بات الجريح ينتظر الموت بكل ألم، وهو ما حدث بالفعل، بعد أن تزايدت أرقام الجرحى الذين وافتهم المنية بعد أن انقطعت عنهم سبل العلاج، فكان "الكفن بديلاً للعلاج".


وما يزيد الأمر سوءا، ما تتعرض له المستشفيات التي غرقت بدماء الجرحى الذين افترشوا الأرض بسبب أعدادهم الكبيرة، بل إن جريحاً يستطيع الوقوف على قدميه، يمسك العلاج لآخر ارتمى أرضاً، ويزداد الجرح جرحاً بأن يقصف الجريح وهو على سرير الشفاء، ولا يجد في جسده المنهك مكاناً لتلقي الضربات، ومنهم من يتفاجأ بعد ذلك بأحد الجنود ممن اقتحموا المشافي، يقف بل ويحاول استجوابه، ومن ثم قد يعتقل ويختطف.


ولما يعانيه حرجى فلسطين على مدار عقود، وجاء الآن جرحى غزة الذين يتحولون بين ليلة وضحاها إلى شهداء بسبب نقص التدخل العلاجي، كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد قرر، ومنذ العام 1968، اعتبار الثالث عشر من آذار (مارس) من كل عام، يوماً لـ"الجريح الفلسطيني"، ويتم الاحتفاء به في أواسط الفلسطينيين في الداخل والخارج، من خلال إطلاق فعاليات على مختلف الأصعدة، لتوجيه أنظار العالم إلى الجرحى وما يعانونه من مشاكل وتعقيدات صحية ونفسية وجسدية، على المدى البعيد و"طيلة العمر".


بعد ذلك، تم إنشاء مؤسسة خاصة تعنى بمتابعة قضايا الشهداء والجرحى على حد سواء، والتي من أهدافها أن يكون هناك متابعة لقضايا الجرحى وعائلاتهم، أسوة بالشهداء، وذلك لحاحة الجرحى إلى الرعاية الصحية المكثفة أحيانا، خاصة ممن أدت إصاباتهم إلى ندوب و"إعاقات" مختلفة، وحاجتهم للرعاية الدولية والمؤسسية فيما بعد، عدا عن التذكير المستمر بما قدمه الجرحى وضحوا به مقابل قضيتهم الأم "تحرير فلسطين".


ومن تلك المشاهد المؤلمة ما عاناه المرضى بعد إخلائهم من المشافي في شمال غزة، واضطر الكثير منهم للنزوح مشيا على الأقدام، بالرغم من الألم والنزيف، وربما البتر لأحد الأطراف الذي يرافقه الوجع، فاقه ألماً حالة النزوح الكبيرة.


ذلك الصراخ والوجع كان ينتقل بالعدوى الروحية للأطباء، الذين لم تمنعهم جسارتهم وثباتهم عن أداء مهامهم من أن يتبادلوا الدموع مع المرضى، إذ إن الشعور بالعجز من عدم القدرة على العلاج يزيد أوجاعهم، ومن الأمثلة على ذلك، اضطرار أحد الأطباء لإجراء عملية بتر لأحد الأطفال من دون استخدام "البنج"، خوفا من تزايد الحالة الصحية له، الأمر الذي أدى إلى استشهاد الطفل من شدة الألم وعدم تحمله لذلك.


بعدها انهار الطبيب بالبكاء وتهافت زملاؤه إليه يواسونه و"يربتون" على كتفه بأن هذا "أمر الله"، لينطلقوا بعد ذلك مسرعين لخدمة آلاف الجرحى الذين يتوافدون إلى ساحات وغرف المشافي المتكدسة بالمرضى والجرحى.


هم ليسوا فقط بحاجة إلى ترميم جسدي لجروحهم، بل هناك إسقاطات وتبعات نفسية طالت الجرحى، خاصة ممن أصيبوا في أحداث غزة الأخيرة، التي يؤكد فيها الغزيون أنها المرة الأولى في حياتهم التي يعيشون فيها هذا النوع من الإجرام والتنكيل والأذى الذي طال الجرحى الذين باتوا كأنهم ينتظرون الموت، أو لما لحق بهم من أضرار بليغة يصعب ترميمها.


الطبيب في مستشفى الشفاء، أكثر المستشفيات تضررا خلال الحرب المسعورة في غزة، الدكتور غسان أبو ستة، صرح في أحد المؤتمرات الصحفية بعد خروجه مؤخرا من غزة متوجها إلى لندن، أن مستشفى الشفاء فقط، كان يضم 45 % من المصابين بالحروق من الأطفال، والتي سببتها قنابل الفوسفور الأبيض، الذي يصل أثره إلى عظام المصابين، ناهيك عن الخوف الذي عاناه المرضى على اختلاف حالاتهم المرضية في المشافي جراء القصف المستمر سواء في محيط المستشفيات أو في بعض مرافقها.


لذلك، يرى اختصاصي الصحة النفسية والعلاج النفسي الدكتور أحمد عيد الشخانبة، أن أي شخص يعاني من أي ألم جسدي، من الطبيعي أن تكون حالته النفسية صعبة جداً، وخصوصاً أن الألم بحد ذاته يؤدي إلى تدن في الصحة النفسية، ويولد شعورا بالحزن والقلق والإحباط، واختلاف في حالة التوازن.


ووفق الشخانبة، فإن الجرحى المتواجدين الآن في غزة تحديداً، يعانون من الألم ولا يوجد استكمال لعلاج إصاباتهم كما يتضح للجميع، من خلال واقع الحال الذي يشاهده العالم، وهذا الأمر يزيد من معاناتهم النفسية ويضاعف القلق لديهم، سواء القلق من تردي الحالة المرضية لهم، وعدم وقف النزيف، أو حتى الخوف من "الموت"، أو أن يعيش المريض أو الجريح حالة نفسية صعبة للغاية، في ظل استمرار القصف الشديد كذلك.


ويلفت الشخانبة أيضاً، إلى أن هذا الأمر يجعل الجريح يعيش في حالة من التشاؤم بسبب عدم وفرة العلاج، وهذا الأمر يتعلق فقط بجرحى غزة، كونهم الآن يعيشون تلك الظروف المعيشية والطبية السيئة للغاية جراء الحرب الدائرة في القطاع، واستهداف المدنيين بشكل كبير، ومن الوارد جداً أن يدخل نسبة كبيرة من الجرحى في حالة من الاكتئاب الشديد.


بيد أن هناك بريق أمل وعاملا يمكن أن يفيد المصابين، بحسب الشخانبة، وهو "العامل الإيماني"، وهو أن يؤمن الشخص بقضاء الله وقدره، وهذا يبعث على الاطمئنان لديه، بأن يؤمن بأن كل أمره بيد الله، وأنه "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، الجزم بأن هذا الألم فيه الكثير من الأجر والثواب والحسنات من عند الله، وهذا قد يخفف من آلامهم بشكل كبير؛ أي أن الإيمان بالقضاء والقدر هو المعنوية التي تساعد على تجاوز الحالة النفسية قدر الإمكان.


يشار إلى أن الأعداد التي يحاول القطاع الطبي حصرها للجرحى، غير دقيقة، كون أن هناك صعوبة في الوصول إلى أكبر عدد من المصابين، بيد أن الرقم الأخير الذي تم التصريح به بات يقارب الـ40 ألف مصاب بدرجات متفاوتة.