حينما تصبح الدراما "عدوا" للزواج: إسقاطات نفسية تزرع بذور الشك

1711883289719969500
حينما تصبح الدراما "عدوا" للزواج

لطالما استغربت سمر (33 عامًا) من طريقة تفكير صديقاتها عندما يتحدثن عن قصص المسلسلات التي تعرض على الشاشات، وتحظى بنسب مشاهدات عالية.

اضافة اعلان


كانت تتعجب من كيفية إسقاطهن لأحداث العمل على علاقاتهن الزوجية، وكأن ما يحدث في المسلسل قد يمررن به في يوم من الأيام، مما يستدعي الحذر والانتباه الشديدين. 


تذكرت سمر موقفًا خلال إحدى المناقشات أشعرها بالصدمة، عندما أخبرتها صديقة أنها بدأت في مراقبة زوجها بعد مشاهدة عمل درامي يتناول موضوع خيانة الزوج.


وعلى الرغم من كون صديقتها امرأة واعية ثقفة، إلا أن ذلك لم يمنعها من التأثر بالقصة والوقوع في دوامة الشك.


 سمر دخلت في جدل واسع مع صديقتها حول حقيقة أن القصص المثيرة في المسلسلات مصممة لجذب الجمهور ولا تعكس بالضرورة واقع العلاقات الزوجية.


ومع ذلك، كان رد صديقتها ينبع من قناعة بأن الرجال جميعهم متشابهون وأن الحذر من المحيط هو مفتاح الأمان لعلاقتها.


كذلك، تؤمن صديقة أخرى لسمر بأن الأعمال الدرامية تكشف الكثير من الأمور التي قد نجهلها عن الرجال، وهنا تأتي أهمية ملاحظة كل التفاصيل وربط الأحداث بعضها ببعض، وإسقاطها على الأزواج؛ اعتقادًا منها أن هذا قد يحمي المرأة من الخداع. 


 تيقنت سمر أن العديد من النساء كما صديقاتها، يتأثرن بالأعمال الدرامية بشكل يغير من طريقة تفكيرهن وتصرفاتهن، معتبرة أن هذا التأثير قد يهدد العلاقات الزوجية دون أن يدركن ذلك.


في الآونة الأخيرة، شهدت الساحة الدرامية تزايدًا في عدد الأعمال التي تسلط الضوء على قصص الأزواج، متناولة بذلك مختلف المشاكل الزوجية من الخيانة والكذب والخداع.


 كما ركزت هذه الأعمال على إظهار وجود خلل في المنظومة الأسرية، مما يؤدي إلى أزمات داخلية بين الأزواج قد تصل إلى حد انهيار العلاقة، والكثيرون يتأثرون بهذه الأعمال، إذ أصبحت أحد العوامل التي تحدث أزمات داخلية ما بين الازواج حتى وإن لم تكن هنالك إشارات لأي من مفاهيم الخداع والكذب، إلا أنها تدفع البعض للدخول في دوامة من التكهنات والافتراضات.


يساهم هذا التوجه الدرامي بتشكيل صورة نمطية سلبية حول العلاقات الزوجية ويطرح تساؤلا: "كيف يمكن للأزواج حماية أنفسهم من الوقوع في هذه الدوامة ومن التأثير السلبي لهذه الأعمال الدرامية؟" 


اختصاصية الإرشاد التربوي والنفسي والمتخصصة في العلاقات الزوجية الدكتورة سلمى البيروتي، أوضحت أن الأعمال الدرامية تحمل أهمية نفسية واجتماعية كبيرة، مؤكدة أن مشاهدة هذه الأعمال يمكن أن تترك تأثيرات عدة سواء إيجابية أوسلبية على المشاهد.


وتشير البيروتي إلى أن الأعمال الدرامية في بعض الأحيان، تثير مشاعر الحب والتواصل العاطفي الفعال، مما يلامس مشاعر القلب. وتنوه إلى أننا جميعًا في حياتنا نحتاج إلى هذا النوع من التواصل العاطفي والروحي، ورؤية هذا الأمر على التلفاز يعد جميلًا، موضحة أن الأعمال الدرامية تقدم بأحيان كثيرة مشاعر إيجابية، وتبرز جمال التفاهم والتواصل العاطفي والشعوري الذي يمس القلب.


 ولكن، من جهة أخرى، لا يمكن إنكار وجود تأثيرات سلبية لهذه الأعمال الدرامية لذلك، عند التطرق لمدى تأثير هذا الامر على الأزواج، علينا ان نأخذ بعين الاعتبار عمر المشاهد، ومستوى نضجه، وثقافته حيث تلعب هذه العوامل دورا في تقييم وفهم المراحل المختلفة التي تمر بها العلاقات الزواجية بدأ من مرحلة الشغف إلى مرحلة المعيقات والفردية وصولا إلى مرحلة الحب العقلاني والناضج.


فالأشخاص الناضجون قادرون على التمييز والنقد، ويعلمون أن ما يُعرض قد ينتمي لعالم الخيال. بينما الأفراد الذين لا يمتلكون هذا الإدراك أو المهارات قد لا يستطيعون تجنب التأثر بهذه الأعمال.


وتشير البيروتي إلى أن الشباب والأجيال الصاعدة قد يكونون اكثر المتأثرين بها، فقد تزرع في أذهان البعض توقعات ومشاعر وتصورات ومعتقدات ومفاهيم قد لا تكون واقعية، وبعض الأحيان تكون هذه التصورات والتوقعات مثالية بشكل غير واقعي.


وترى البيروتي أن الأعمال الدرامية قد تؤثر في المرأة أكثر من الرجل، مع العلم أن هذا التأثير لا يمكن تحديده بدقة، من وجهة نظرها، تثير هذه الأعمال تساؤلات داخلية قد يبدأ الشريك في طرحها على نفسه بشأن علاقته مع الطرف الآخر، مثل "هل يكذب علي في مشاعره؟ هل كل ما يقوم به مجرد تمثيل؟ هل هو فعلاً لا يحبني؟"، هذه التساؤلات قد تدفع الشخص للبحث والتحري عن الخيانات والعلاقات الأخرى.


وتعتقد البيروتي أن تأثير بعض من هذه الأعمال الدرامية التي تتناول مواضيع حساسة ومؤلمة مثل الاكتشاف المفاجىء وغير المتوقع للخيانة على سبيل المثال قد يتم اسقاطها على العلاقة، وبالتالي قد تخرج بعض التساؤلات وسلوكات التحري والتلاعب لتهتز أسس العلاقة وتدخلها في مسار التشكيك والنزاعات، وما يتبعه من تأثيرات سلبية دون التطرق إلى العوامل أو المسببات المؤدية إليها، إضافة إلى عرض بعض أساليب التفاعل السلبية للتعامل مع المشكلات مما يبث مشاعر الخوف وعدم الثقة بمؤسسة الزواج. 


"لا يجب أن نعيش في خوف"، توصي البيروتي، مشددة على أن بعض النساء محاصرات بالقلق من إمكانية خيانة الرجل، هذا الخوف يدل على نقص الأمان والثقة في العلاقة.


 وتشدد البيروتي على أنه بدلاً من إهدار الوقت والجهد في مراقبة الشريك ومحاسبته كأنه تحت التحقيق، ينبغي على كل شريك سواء كان رجلاً أو امرأة، أن يستثمر هذه الطاقة في تنمية ذاته ووعيه وفهمه وأفكاره وتوسعة الإدراك، مزيناً نفسه بالحكمة والفلسفة البناءة والمهارات التي تمكنه من أن يكون فعالاً في تواصله وحضوره وداخل مجتمعه. 


لذلك، من الضروري العمل على بناء الأمان داخل العلاقات لمنع تأثرها بأي شوائب.  ووفق البيروتي أن أكبر التأثيرات تحدث لدى الأشخاص الذين يفتقرون إلى الأمان في علاقاتهم ومع أنفسهم، والذين لا يبذلون جهداً في تطوير ذاتهم. هؤلاء الأشخاص يعيشون في حالة من الخوف والقلق المستمر من إمكانية تخلي الشريك عنهم أو تركهم في أي لحظة. 


 وتنوه أن بعض الأعمال الدرامية قد تقدم تصورات خاطئة عن الحب، مصورةً إياه على أنه مجرد سيطرة وأنانية وتُظهر هذه الأعمال أحيانًا الغيرة، التملك، الهيمنة، والتلاعب بالمشاعر والأحاسيس، والهوس بالمحبوب كسلوكيات مرتبطة بالحب و اعتبارها تعبيرات عن الحب وهذا ما يجب الحرص منه. والأشخاص الذين يفتقرون إلى الصحة النفسية يتأثرون بهذه التصورات بشكل كبير.


 الرسالة المفترضة من هذه الأعمال الدرامية ينبغي أن تكون أكثر وعيًا للشخص، بذاته وباحتياجاته ومبادئه وقيمه وأن يتعلم كيف يحب نفسه وشريكه، إلى جانب تقدير النعم في حياته بما في ذلك وجود الشريك، فكلما كان التقدير متبادلًا بين الطرفين  كانت العلاقة أكثر امتلاءً بالمحبة، التفاهم، الإيجابية، والتسامح.

 

وتؤكد البيروتي على اهمية تمتع الفرد بالصحه النفسية قبل الدخول في أي علاقة لأنه بذلك سوف يتعلم كيف يجد المساحة الآمنة للتواصل والتعبير عن الذات بشفافية للوصول إلى تفاهم بشأن الحلول المرادة لدى الطرفين، إذ إن تركيز العمل على بناء هذه المساحة وإزاحة ما يعيق بناؤها هي الأمل بالنسبة إلى العلاقات الزواجية المتوافقة في المستقبل.


ويوضح الاختصاصي النفسي موسى مطارنة أن الأعمال الدرامية تبرز بعض القضايا السلبية في حياة الأشخاص، مسلطة الضوء عليها وعلى طرق التعامل معها وتترك هذه الأعمال آثارًا قد تكون سلبية أو إيجابية، بحسب طبيعة الحدث.


يشرح مطارنة أن الشخص الواعي ذو الشخصية والثقافة المتكاملة والذي يمتلك وعياً ذاتياً قادر على مواجهة المواضيع بعمقها دون أن تؤثر فيه، ومع ذلك، هناك فئة قد تتأثر سلباً بتلك المواضيع، وهؤلاء غالباً ما يعانون من هشاشة نفسية.


 يؤكد مطارنة أن الأفراد الذين يفتقرون للثقة بالنفس هم أكثر عرضة لتأثيرات الأعمال الدرامية، لأن الثقة تبدأ بالذات وليس بالآخرين.  ونتيجة لذلك، قد يعكسون الموضوعات التي تأثروا بها على أنفسهم وعلاقاتهم، مما يؤدي إلى تكرار أقوال وأفعال مستوحاة من هذه الأعمال، هذا السلوك يمكن أن يخلق ردود فعل سلبية من قبل شركائهم، مما ينتج عنه مشكلات ناجمة عن نقص الثقة والاحترام داخل الأسرة. وبالتالي، يشير ذلك إلى وجود هشاشة في بنية هذه الأسر وفي مفاهيمها، ما يجعل الأعمال الدرامية تؤثر عليهم بشكل سلبي. 


وبحسب مطارنة فإن الأزواج يمكنهم حماية أنفسهم بالوعي الكافي وإدراك أن هذه الأعمال مجرد سرديات افتراضية وغير واقعية، مؤكدا على أهمية أن يتخذ الشريكان موقفًا واعيًا وأن يُجريا حوارًا منطقيًا حول أي قضايا تثير قلقهما، وذلك بطرح أسئلة تحليلية حول أسباب الخيانة أو الخداع والأخطاء المرتكبة ضمن العلاقة وخارجها.


 كما ويشدد على ضرورة النظر إلى المشكلة من زوايا متعددة لفهمها بشكل أعمق والتعامل معها بطريقة فعالة. ولذلك على الشريكين أن يضعوا النقاط على الحروف بحسب مطارنة، وأن يكون هنالك حوار منطقي بينهم حول أي قضية تشكل لهم القلق، بمعنى إذ كان هنالك عمل درامي يتحدث عن الخيانة أو الخداع عليهم طرح عدة أسئلة ما هو سبب الخيانة وأين هي الأخطاء التي ارتكبت.


إلى ذلك، فإن الأشخاص الذين يمرون بتجارب سابقة يتأثرون بأعمال درامية تعالج مواضيع مشابهة، قد يظهرون ردود فعل غير منظمة تؤدي إلى مشكلات في العلاقات بسبب تلك التجارب السابقة.


يختتم مطارنة حديثه مؤكدًا أنه عند حدوث أي مشكلة داخل الأسرة، يجب أن يكون هناك حوار واع حول الموضوع لتصبح الأسرة أكثر وعيًا واستفادة من التجربة بشكل إيجابي في المستقبل.

 

اقرأ أيضاً:

العلاقات الزوجية.. رهينة الحاجات المتأرجحة بين الإفصاح والكتمان

في المشكلات الزوجية.. كيف تنذر تدخلات ونصيحة الأصدقاء بانهيار العلاقة؟