خطاب كراهية مزمن

رشا سلامة
رشا سلامة
يجاهر سعيد عقل بكراهيته للفلسطينيين في العام 1982، في لقاء متلفز، ما تزال مقاطعه موجودة حتى اليوم على "يوتيوب"، داعيا شارون إلى تخليص العالم منهم. تتوالى موجات خطاب الكراهية ضد الفلسطينيين آنذاك، فتفضي إلى مجزرة صبرا وشاتيلا، التي أعقبتها مجازر أكثر بشاعة تحت مسمى "حرب المخيمات".اضافة اعلان
قاسى الفلسطينيون، ضمن أشياء كثيرة قاسوها، من خطاب الكراهية، حد تعرّضهم إلى مجازر وإزهاق أرواح وتنكيل ممنهج. ولئن كان أرباب التربية الإعلامية قد التفتوا مؤخراً إلى خطاب الكراهية، محذرين من عواقبه، فإن الفلسطينيين قد اختبروه وعاشوا نتائجه قبل ذلك بعقود طوال.
إبان غزو العراق للكويت في مطلع التسعينيات، قاسى فلسطينيون كثر من جرائم الكراهية التي أعقبت خطاب الكراهية متعالي الوتيرة آنذاك؛ بسبب موقف القيادة الفلسطينية المنحاز إلى النظام العراقي. ما أفضى بدوره إلى قتل كثير واعتداءات وصلت حد نهب الممتلكات والتعذيب والتنكيل.
إبّان الأزمة السورية، نُكِّل بالفلسطينيين في مخيم اليرموك أيّما تنكيل، وفي كل أزمة كان "الحيط الواطي" دوماً هو الفلسطيني وتجمّعاته السكانية في الدول العربية، وكم من جريمة كراهية وُجّهت ضده، وكم من رزق تم قطعه بمجرد أن تُدلي القيادة الفلسطينية بتصريح صحفي لا يعجب دولة عربية ما، بل أُلقيَ ذات مرة بفلسطينيين في الصحراء؛ عقاباً من النظام الليبي آنذاك على رغبة القيادة الفلسطينية خوض مخاض السلام.
كان الفلسطيني يتحسّس رقبته بخوف كلما نشبت أزمة عربية؛ ذلك أنه أول المتضررين على الأغلب.
منذ أعوام قليلة، بات الذباب الإلكتروني نشطا في تأجيج مشاعر الكراهية ضد الفلسطينيين عبر فضاءات منصات التواصل الاجتماعي، وغدا الفلسطيني في مرمى نيران صديقة أو عدوة، لا فرق، وصار يخشى من التصريح بهويته الحقيقية؛ مخافة تعرضه إلى مكروه ما، نفسيا كان أو جسديا.
ولعل أكثر ما قاساه الفلسطيني إلى جانب التنكيل الممنهج، والمستمر، تهمة بيع أرضه للاحتلال، وهو ما تنفيه المراجع المنصفة، عربياً وعالمياً، بل إن أرشيف كيان الاحتلال بنفسه يشهد على حجم الجرائم التي أُلحِقت بالفلسطينيين، مجبرة إياهم خوفا ورعباً على مغادرة قراهم ومدنهم، ويشهد في الوقت ذاته كم استمات الفلسطينيون في الدفاع، بكل ما بين أيديهم من إمكانيات شحيحة.
تمخّض بحث كنت قد نشرته سابقاً، حول خطاب الكراهية ضد الفلسطينيين في وسائل إعلام عربية بعينها وما يتبع لها من صفحات تواصل اجتماعي، عقب رفض القيادة الفلسطينية صفقة القرن واعتراضها على الخروج عن مبادرة السلام العربية، عن أرقام مرعبة، في ما يلي بعضها: بلغت نسبة التجييش ضد الفلسطينيين في العينة المبحوثة 19.3 %، فيما بلغت نسبة التحريض 8.5 %، والإهانات 5.7 %، والقدح والذم 10.4 %، والوصم 20.3 %، والاتهام 17.9 %، فيما غاب خطاب الكراهية عما نسبته 17.9 % فقط من مواد العينة المبحوثة. وتنوعت ثيمات تنميط الفلسطينيين، وفقا للبحث الذي أعددته، فكانت كما يلي: الفلسطيني كـ"خائن" 6.1 %، الفلسطيني كـ"جندي في جيش الاحتلال" 1.4 %، الفلسطيني كـ"بائع لأرضه" 5.2 %، الفلسطيني كـ"إرهابي" 4.2 %، الفلسطيني كـ"ناكر للجميل" 12.3 %، الفلسطيني كـ"حاسد لمن لديهم أوطان" 3.8 %، الفلسطيني كـ"رافض لمبادرات السلام" 10.8 %، الفلسطيني كـ"فاسد مالياً" 11.8 %، الفلسطيني كـ"عدواني ضد الإسرائيلي المسالم" 0.9 %، الفلسطيني كـ"عبء على الدول العربية" 14.2 %، الفلسطيني كـ"مهدّد لأمن الدول العربية" 2.4 %، الفلسطيني كـ"صاحب لهجة مُضحكة" 1.4 %، الفلسطيني كـ"متاجر بقضيته" 13.7 %، ليغيب التنميط عما نسبته 11.8 % من العينة المبحوثة فقط.
توعية حول خطاب الكراهية لا بد أن يُباشَر بها جدياً، بدءاً من إقرار قاعدة أن ناقل الكفر ليس بكافر إلا في حالة خطاب الكراهية، ومعناه أنه لا يجوز نقل خطاب الكراهية حرفياً والإسهام في نشره، بل الإشارة إلى وجوده فحسب، مروراً باستحضار التجارب التاريخية التي أفضى فيها خطاب الكراهية إلى كوارث إنسانية، وليس انتهاءً بتذكير العالم أجمع أن الفلسطيني لم يبع أرضه، وأنه أزهرَ حيثما عصفت به الرياح، وأنه شعب كباقي شعوب الأرض يخطئ ويصيب وأن فيه الصالح والطالح، وأنه من غير المقبول إنسانياً وقومياً أن يُنكّل به معنوياً وجسدياً تحت أي ذريعة كانت، وأن شعار "نحب فلسطين ونكره الفلسطينيين" هو محض نفاق وتناقض ولؤم وخيانة لكل ما يمليه الضمير الإنساني من مبادئ.