سيمفونية "المملكة الأردنية الهاشمية".. توليفة موسيقية تحاكي تاريخ الوطن

رشا كناكرية عمان- توليفة موسيقية جاءت لتحاكي تاريخ الأردن في كل مراحله؛ حيث تسرد كل نغمة قصصا وطنية يبرز فيها ترابط النسيج الأردني وقيم المحبة والسعادة والسلام في المجتمع. سيمفونية “المملكة الأردنية الهاشمية” من تأليف وقيادة الدكتور هيثم سكرية، تحمل في داخلها محطات مهمة، إذ تصور عبر خمس حركات، مراحل من تاريخ الأردن منذ انطلاقة الثورة العربية الكبرى إلى يومنا هذا. ويرافق هذه الموسيقا الدرامية عرض لصور من أرشيف تاريخ الأردن لتنقل المستمع في جولة تاريخية تؤكد التعايش الذي يمتاز به هذا الوطن لمختلف الأصول والمنابت. وفي حديث خاص لـ”الغد”، تحدث القائد الأوركسترالي هيثم سكرية عن هذه الحدث، معتبرا إياه من أهم إنجازاته الفنية وأضخمها، يقول “أعتقد جازما أن هذا الكونسيرت كان الأضخم في تاريخ المشهد الموسيقي الأردني من حيث المضمون والأداء، إذ تم تقديم سيمفونية بقالب عالمي من حيث الشكل، وبمضمون عربي من حيث استخدام ملامح موسيقانا العربية، وبنكهة وهوية أردنية عبر دمج العديد من ألحان الموروث الشعبي الأردني بالنسيج الأوركسترالي وبما يخدم الأفكار الدرامية”. ويبين أن ما يميز هذا الكونسيرت هو أداء الأوركسترا الكبير الفلهارموني الذي يضم آلات النفخ الخشبي والنحاسي والوتري والإيقاع، إضافة إلى الآلات الشعبية، وهذه المرة الأولى التي يتم فيها دمج أوركسترا بهذا الحجم. ويشير سكرية الى أن سيمفونية المملكة الأردنية الهاشمية هي سيمفونية تصويرية متكاملة تتكون من خمس حركات، وكل حركة تصور مرحلة من تاريخ الأردن منذ انطلاق الثورة العربية الكبرى إلى يومنا هذا، ويرافق هذه الموسيقا الدرامية عرض لصور من أرشيف تاريخ الأردن لتنقل المستمع في جولة بين أهم المحطات التي مر بها الوطن. وشرح سكرية السيمفونية التي قام بتأليفها بداية مع الحركة الأولى التي جاءت بعنوان الثورة العربية الكبرى ( The Great Arab Revolt)، وهي موسيقا سردية لتاريخ الأردن، تبدأ بالتعريف بالهاشميين عبر التاريخ انطلاقا من الشريف الحسين بن علي الذي أطلق الثورة العربية الكبرى، ثم الملوك الهاشميين الذين حكموا الأردن، وتصور هذه الحركة السرد التاريخي السريع من خلال سيمفونية تتميز بالفخامة والعظمة. وحملت الحركة الثانية عنوان ميلاد ملك هاشمي (The Birth of Hashemite Prince)، وهي موسيقا درامية تصور ميلاد الملك عبدالله الثاني وهو يكبر في ظل والده المغفور له الملك الحسين بن طلال، والمراحل العمرية له منذ الطفولة ومرورا بدخوله الجيش وانتهاء بكونه من الضباط الأردنيين. ومن خلال موسيقا تخدم هذه الصور يتخللها ألحان شعبية وبعض الأناشيد الوطنية التي عاشت في وجدان الشعب الأردني، فقد تم مزجها بأفكار موسيقية جديدة ومبتكرة تخدم التصوير السردي للقصة. فيما جاءت الحركة الثالثة بعنوان العرس الأردني (Jordanian Wedding)، وهي موسيقا سيمفونية تعتمد على الموروث الشعبي الأردني وتصور هذا النسيج الأردني المتنوع، وأهم عادات وتقاليد الأردنيين المتمثلة في “الجاهـة” بطقوسها ومراسمها، وتم تصويرها بالموسيقا والألحان الشعبية الأردنية المرتبطة بها بأسلوب أوركسترالي يعتمد على التنويع، ومن ثم تصوير حالة الأفراح الأردنية من خلال أغاني المناسبات الأردنية، وتم تقديمها بأسلوب سيمفوني ممزوج بألحان جديدة مبتكرة. ويضيف سكرية، أنه تم اختيار الأغاني التي تمثل النسيج الأردني بريفه وباديته ووسطه وشتى أصوله ومنابته البدوية، الريفية، الوسط، الأصول الشامية، والأصول الفلسطينية، إضافة إلى الأصول الشركسية والأرمنية. وتنتهي الحركة بموسيقا تصور عمان الجميلة بأهلها من شتى أصولهم ومنابتهم وتعايشهم الأخوي بمختلف عقائدهم من خلال موسيقا كلاسيكية تعبر عن هذه الصورة. وحملت الحركة الرابعة عنوان مرثية الحسين (Lament King Hussein)، وتصور هذه الحركة وفاة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه؛ حيث تبدأ من خبر مرضه، وتجمع الأردنيين باختلاف عقائدهم للصلاة والدعاء له، ثم خبر وفاته الذي أحزن الأردنيين؛ إذ تصور الموسيقا هذه الحالة من خلال ألحان ممزوجة بالنكهة الأردنية التي تؤدى بأسلوب حزين يمثل “المارش الجنائزي” الذي ضم بعض الأغاني الأردنية التي ارتبطت به كملك إنسان، وتصور جنازة العصر، إضافة إلى تصويرها جانبا من حياته المليئة بالمواقف التاريخية المشرفة على كل من المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. فيما جاءت الحركة الخامسة بعنوان الفجر الجديد (The New Dawn)، وتصور فجرا جديدا في تاريخ الأردن، وهو تولي الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية كملك للمملكة الأردنية الهاشمية، وتتنوع هذه الحركة في موسيقاها التي جمعت بين الأفكار الموسيقية الجديدة التي تنقلنا لأجواء الفرح والتفاؤل وبين استخدام الأغاني الشعبية بقالب سيمفوني يخدم الفكرة الدرامية للقصة. إلى جانب تصوير التعايش الأردني بمختلف معتقداته وإيديولوجياته في ظل الراية الهاشمية، والجهود المبذولة من أجهزة الدولة المختلفة للمحافظة على الأمن والاستقرار إلى جانب التقدم في مختلف المجالات؛ العلمية، الأكاديمية، الاقتصادية، الاجتماعية، التكنولوجية، العمرانية، إضافة إلى صور الانتماء والولاء وحب الوطن. ويبين سكرية أن هذه المحاور الرئيسية تخللها العديد من المحطات المهمة في تاريخ الأردن تم تصويرها بالموسيقا السيمفونية وبمصاحبة فيديو يتماشى زمنيا معها. وعن هذا العمل، يقول “تكمن أهميته بكونه يسرد تاريخ الأردن بالموسيقا السيمفونية من دون كلام أو تمثيل”. ويوضح سكرية أنها تحاكي قصة تاريخ الأردن وتصور المستوى الثقافي الراقي للمواطن الأردني ووعيه وحسه القومي والوطني العالي الذي يؤمن بقيادته الهاشمية ويعتز بانتمائه ويتطلع إلى التقدم والتميز. ومن جهة أخرى، يعتبر سكرية أن تقديم عمل سيمفوني للجمهور الأردني بشتى أصوله ومختلف ثقافاته وفئاته العمرية، يعد سلاحا ثقافيا يناهض الجهل والتخلف ويحارب الأفكار المسمومة، وينشر المحبة والسعادة والسلام في المجتمع. إلى ذلك، تكمن أهمية العمل بأنه يعكس جانباً راقياً يليق بالأردني الذي انحصرت خياراته الفنية في نمطية متكررة من خلال الأغاني التي تحتل المشهد الموسيقي الأردني. ويشير سكرية إلى أن هذه السيمفونية تمثل نموذجاً لعمل فني أردني متكامل يجمع بين الكتابة الأوركسترالية وبين الموروث الشعبي الذي يمثل الوجدان الأردني ويتم تقديمه بقالب سيمفوني يناسب أصحاب الذوق الرفيع من محبي الموسيقا العالمية، مبينا أنه يرتقي بمستواه التقني والفني والكتابة الأوركسترالية إلى الأعمال العالمية التي تقدم في دور الأوبرا في العالمين الغربي والعربي. ويؤكد سكرية أن هذا العمل قد حظي بدعم سخي من صندوق الحسين للإبداع والتفوق إيمانا منهم بأهمية دعم الكفاءات الأردنية، وتقديم إبداعاتهم للجمهور، ويقول “ما كان لهذا العمل أن يتم دون هذا الدعم، وكان ليبقى حبرا على ورق”. وتم منح سكرية جائزة صندوق الحسين للإبداع والتفوق لهذا العام تقديرا لجهوده الفنية في تأليف وقيادة السيمفونية. ومن جهة أخرى، فإن هذا المشروع حظي بدعم كبير يكفل تقديمه بأعلى المقاييس العالمية، من حيث الأجهزة الصوتية والكادر الفني، بحسب سكرية، منوها إلى أنه في الأيام المقبلة سيتم التسويق لهذا العمل على نطاق واسع ليعكس جانبا مهما من الثقافة الأردنية. وتحت رعاية ملكية سامية، وضمن احتفالات المملكة بمئوية الدولة الأردنية، أقيم في الثاني عشر من شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2021 كونسيرت (سيمفونية المملكة الأردنية الهاشمية) من تأليف وقيادة المؤلف الأردني الدكتور هيثم سكرية وبدعم من صندوق الحسين للإبداع والتفوق، وإدارة جمعية أصدقاء مهرجانات الأردن، إذ قام بعزفها أوركسترا المعهد الوطني للموسيقا بالتعاون مع أوركسترا القاهرة السيمفوني على مسرح قصر الثقافة. الافتتاح تضمن الأغنية الأوركسترالية (حبيتك عمان) من كلمات علي البتيري وقامت بغنائها المطربة الأردنية غادة عباسي وهي أغنية تجمع بين الغناء الأوبرالي والكلاسيكي والعربي بمصاحبة هارمونية تجمع بين الرومانتيكية والجاز.اضافة اعلان