"شبح التنمر" والانضمام لـ"شلة" الأقوى.. كيف يترك أثرا عميقا في حياة المراهقين؟‎‎

رشا كناكرية

عمان- يستذكر محمد مراهقته ومعاناته بتك المرحلة، ويصفها بأنها "متعبة ومؤلمة"، فهو لا يريد أن يتذكرها حتى، ويتمنى لو يستطيع أن يمحوها من ذاكرته بسبب الألم والخوف الذي أوجدته في داخله بعد تعرضه للتنمر والمضايقات من بعض الشباب الأكبر منه سنا وحجما.اضافة اعلان
كان قراره حينها أن يهرب من شبح التنمر لوطأة الرضوخ للشلة القوية وأفعالها السيئة، فأصبح فردا مطيعا للأوامر وخاضعا لهم، تخوفا من أن يكون إحدى ضحايا "تنمرهم"، مبينا أنه بالرغم من اختلافه عنهم ورفضه لتصرفاتهم، إلا أنه أصبح "واحدا منهم".
يقول محمد "اخترت أن أكون محسوبا عليهم حتى أحمي نفسي من أذيتهم.. رغم معرفتي بأن ما نقوم به خطأ.. لكن خوفي كان أكبر من معارضتهم".
انشغال عائلة محمد بأمور الحياة، إلى جانب خوفه، وصعوبة تكوين الصداقة مع من حوله بسبب عدم ثقته بالآخرين، كلها أمور جعلته إنسانا ضعيفا يبحث عمن يحميه ويدافع عنه، مبينا بقوله "كنت مجبرا بأن أرضى بكل تصرفاتهم، وهذا الأمر جعلني لا أتمكن من اتخاذ قرار في حياتي".
لم يكن محمد يعلم أن الحل لهذه المشكلة هو اللجوء والتحدث من عائلته أو أساتذته لمساندته وتوجيهه، ولليوم ما يزال يعاني آثار هذه المرحلة التي عاشها بأحداثها السيئة، ولكنه يحاول أن يتحدث عنها لغيره، لعله يخفف من ندباتها التي علقت به، وأيضا ليتمكن من نصح الشباب المراهقين بضرورة الإيمان بالنفس وعدم الصمت، وطلب المساعدة من الآخرين.
اختصاصي علم النفس الدكتور موسى مطارنة، يوضح أن المراهقة هي مرحلة الاستقلال بالذات والإحساس بالشخصية وبناء المعتقدات، وفيها يحدث التغير في البيئة الجسدية والنفسية والفيسولوجية، فهي ثورة داخلية عند الفرد، لذلك يجب على الأسرة أن تعي أهميتها ومتطلباتها.
ويضيف أن الفرد في هذه المرحلة يريد أن يتخلص من نظرة الأهل له كطفل، لذلك هو ينظر لنفسه كرجل ويصبح عنيدا ولا يسمع الكلام، بطبيعة الحال المراهق لا يقبل التوجيه ولا الإرشاد، إذ يعتبر أي نصيحة له اعترافا بأنه ما يزال طفلا صغيرا، وهذا ما يدفعه إلى اللجوء لأقرانه في هذه المرحلة، لذلك فإن خير وسيلة للتعامل مع المراهق هي صداقته، مبينا أنهم يصبحون مؤثرين في حياته بشكل أكبر، وشيئا فشيئا يستجيب لهم، ويحاول أن يجاريهم لإثبات الذات والوجود.
ويعتقد مطارنة أن العلاقة بين الأقران لا يمكن أن نضعها في خانة التنمر، فهو يؤمن بهم وبأنهم أصدقاؤه، لذلك هو يستمع لهم ويطيع كلامهم، وهذا يعد من احتياجات المرحلة ليس تنمرا أو خوفا منهم، لافتا إلى أن الأهل في هذه المرحلة قد يستغربون تصرفات طفلهم وردات فعله وعدم استجابته لبعض الأمور، وذلك لأنه يريد أن يستقل ويثبت ذاته، بالتالي كل سلوك تجاه الأسرة هو ليس كراهية أو بغضا، بل محاولة لإثبات الذات.
ويتابع "وإن حاول التمرد على الأسرة عليها أن تكون هادئة بقراراتها، وتحاول أن تستوعبه وتحتويه وتصادقه وتتقرب منه ومن أقرانه، حتى يتمكنوا من فهم ما يدور في رأسه، وذلك لتجنب حدوث فجوة كبيرة بينهما، التي قد تؤثر في قدرته على التفكير، إضافة إلى الشتات الذهني الذي يكون موجودا لديه، ما قد يؤدي لميله للعزلة، لهذا يجب أن يستوعب الأهل ابنهم المراهق ليتم توجيهه بالطريقة الصحيحة، وهنا يكون التوجيه ليس بالكلام وإنما بالنموذج والقدوة، وكذلك فإن المدرسة لها دور كبير في استيعابه واحتوائه".
ويعتقد مطارنة أنه في حال كان الطفل ضعيفا من الممكن أن يلجأ للشلة الأقوى ليحمي نفسه، مبينا أن المتنمر والمتنمر عليه ضحيتان؛ فالأول هو شخص استطاع أنه يحكم مجموعة ويؤثر فيها بقوته البدنية، وبالتالي هو يتنمر ويفرض قوته على الأضعف منه، والآخر يحاول أن يجد من يحميه فيذهب للشلة الأقوى التي قد تكون تمارس نوعا من التنمر، وقد يكون متنمرا عليه داخلها، ولكن الضرر أقل، ومن الجانب النفسي يكون متوترا وقلقا وعليه ضغط نفسي كبير.
ويتابع "لذلك على الأسرة أن تلتفت لأطفالها في هذه المرحلة، خاصة الضعفاء الذين لديهم تدن في مفهوم الذات، ولم يكتسبوا خبرات وتجارب كثيرة من الحياة، إضافة الى الأطفال الذين تمارس عليهم الحماية الزائدة من قبل الأهل".
وينوه مطارنة الى أن البعض منهم قد يجد صعوبة في التكيف مع من حولهم، لذلك علينا أن نلاحظ على ابننا إن كان لا يريد الذهاب للمدرسة أو يكرهها، وإذا أصبح أغلب وقته منعزلا وحده، فمن الممكن أنه يتعرض للتنمر، فيجب متابعته في المدرسة بهدف حمايته، مضيفا أن التأثيرات النفسية كبيرة والإحساس بالقهر والدونية وعدم القدرة على مجاراة رفاقه، هذا كله يسبب عنده حالة من الإحباط واليأس، لذلك يجب على الأسرة أن تهتم وتتابع ابنها المراهق وتحاول احتواءه وتشجيعه، الى جانب تنمية قوته البدنية وتحفيزه.
ويذهب الاختصاصي التربوي الدكتور عايش نوايسة، إلى أن المجتمعات التي يعيش فيها المراهق سواء في الأحياء أو المدارس يتواجد فيها الأقران بشكل دائم، حيث يكون هنالك قسمان من المراهقين؛ الأول هو الذي يعتد بنفسه وقوته وتتشكل له هذه القوة نتيجة اختلاطه مع الكثيرين وقوته الجسمانية والشخصية، والثاني الأضعف أو المتنمر عليه الذي يعاني ضعف الشخصية نتيجة حرص الأهل على عدم اختلاطه مع غيره من أقرانه بشكل كبير، فتكون درجة الخوف عنده عالية جداً.
ويعتقد نوايسة أنه عندما يتواجد المراهق في بيئة الطرف الثاني هو الأقوى فيه ينجذب له رغبة في التقليد أو الهروب من الواقع الذي يعيشه أو كنوع من الحماية له، والأساس في هذا السلوك هو التربية وضعف الشخصية وقلة القدرات والمهارات الشخصية لديه، منوها إلى أن كل فرد لديه طاقته الداخلية، فليس هنالك شخص قوي وآخر ضعيف، الأول يمتلك الإمكانات والقدرات ويسخرها لخدمته والآخر الضعيف يمتلكها، ولكنها مكبوتة وغير مسخرة، وهذا نتيجة طريقة التربية وضعف الشخصية.
"من عاشر القوم 40 يوما أصبح منهم" هو مثل عام، ولكن يحتوي على فلسفة تربوية، بحسب نوايسة، فالمراهق مجبر على أن يتصرف تصرفات الشلة وسلوكياتهم نفسها، ومن الممكن أنه لا يريد أن يمارس هذا السلوك، لكن بسبب وجوده بينهم وأنه من "جماعتهم" يريد أن يقلدهم ويبتعهم، إضافة إلى أنه يريد أن يظهر الطاقات والقدرات الموجودة لديه وبأنه رجل أمامهم، ولكن نتائج فعله لهذا السلوك من الممكن أن تحوله لإنسان سلبي ينتج عنه سلوكيات سلبية.
ويؤكد ضرورة دور الأهل والمؤسسات التربوية في التوجيه والسيطرة على هذه السلوكيات لتهذيبها، إضافة إلى دورهم الكبير في مراقبة أبنائهم ومن يصادقون "فمن الطبيعي أن تقرأ سلوك ابنك في سلوك صديقه، وإذا لم تر أثره اليوم سيؤثر فيه لاحقاً"، وفق نوايسة.
ويوضح أنه من الممكن أن يستمر سلوك "التنمر" حتى بعد الحياة المدرسية، ومن الممكن أن ينتقل للحياة العامة، وهذا ينعكس على شخصيته وتصرفاته، والشيء نفسه للمتنمر عليه أو الشخص الأضعف إذا ما تم معالجة تبعيات هذا السلوك، فقد يقوده للانطواء وضعف الثقة بالنفس وفقدان القدرة على تسخير قدراته وطاقاته الموجودة.
ويعتقد نوايسة أنه على أولياء الأمور والمؤسسات التربوية أن تمارس الدور المطلوب منها، إضافة إلى المراقبة المستمرة لهم، فاليوم الأطفال متعلقون بالأجهزة الإلكترونية وبضوابط الوسائل الاجتماعية، فهو يقلد الموجود عليها ويعتبر السلوكيات التي يمارسها الموجودون على السوشيال ميديا صحيحة، وبالتالي أصبحوا الآن يقلدونهم في كل شيء سواء في طريقة اللباس والغناء وشرب السيجارة، وللأسف فإن الدراما تظهرها على أنه سلوك طبيعي، وبالتالي الطفل يذهب مع هذا السلوك في حياته، وهذا ما يشكل خطورة عليه وعلى المجتمع ككل.
ويبين اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، أن ضغط الأقران هو نوع من أنواع التنمر على الأصدقاء، وخاصة عندما يمارس من قبل الطلاب على غيرهم الذين قد يكونون من ذوي الاحتياجات الخاصة أو بنيتهم الجسمية ضعيفة أو تحصيلهم الدراسي ضعيفا، فإن هذا يشكل خطورة كبيرة عليهم وفيه نوع من الاستهزاء والسخرية على الأصدقاء، هذا إذا لم يصاحبه عنف جسدي.
ويرى الخزاعي أن الانضمام للشلة الأقوى هو هروب من هؤلاء الأقوياء والاحتماء بهم واللجوء إليهم وقت الحاجة أو عند تعرضه للتنمر، وهنا نحن بحاجة إلى توعية الطلاب دائما داخل أسوار المدرسة وخارجها حتى نواجه التنمر وسلوكياته الصعبة، إضافة إلى التوعية بأهمية الصداقة والأخوة والمحبة والتواد بين الطلاب وغرس روح التفاهم والحوار بينهم، إضافة إلى التعاون المثمر والهادف والبناء، لذلك علينا إشراكهم في نشاطات طلابية مع بعضهم بعضا مثل الرحلات والمسابقات والاحتفالات.
وينوه الخزاعي إلى أهمية الجلوس مع الطلاب والاستماع لآرائهم فهذا يقربهم من بعضهم بعضا، ويدفع الطلاب العنيفين أو الذين يمارسون التنمر لترك هذا السلوك، لافتا إلى أن هذا السلوكيات تبدأ في مرحلة المراهقة، وقد ينتج عنها مشاكل بين أبناء المجتمع وصراعات وخلافات ويمكن أن تصل إلى مشاجرات بين الأهل والجيران والأقارب، وتقطع العلاقات بين الأفراد، إضافة إلى بعض ردات الفعل العنيفة من قبل الذين يتم التنمر عليهم، ما يؤدي إلى العنف المجتمعي وتكبد خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة.