"عمان السينمائي 5".. سرديات ملهمة ومنارة لصناع الأفلام الجدد

AIFF-3
شعار المهرجان

لطالما كانت مدينة عمّان، بنسيجها الغني بالتاريخ والثقافة، مركزاً للتعبير الفني. في عام 2024، يصل هذا الحماس الفني إلى آفاق جديدة مع اقتراب موعد انطلاق مهرجان عمّان السينمائي الدولي - أول فيلم، والتي تنعقد بين 3- 11 من الشهر المقبل بنسخته الخامسة.

اضافة اعلان


لا يؤكد هذا الحدث البارز على خصوصية وأهمية المهرجان الدائمة فحسب، بل يسلط الضوء أيضًا على تطوره ليصبح منارة لصناع الأفلام المحليين والعرب والدوليين على حد سواء.

شعار يعكس أهمية رواية القصص



شعار "احكيلي"، الذي اختاره "عمّان السينمائي" يعكس الحاجة المستمرة لرواية القصص من خلال صناع الأفلام والتي تحدث تأثيرا ولها وقع قوي على الشاشة،  وترتبط بنفس الوقت بالأحداث التي نعيشها لتسلط الضوء مرئيا ومسموعا على حرب غزة التي بدأت منذ 7 من أكتوبر.

 

وهو ما أكده مجلس إدارة المهرجان بتصريحاته التي ركزة على دور رواية القصص وتسليط الضوء على كل ما يجري، من خلال الضيوف المشاركين الذين منهم من تأثر بشكل مباشرة وأخرون عاشوا أهوال الصدمة التي خلفتها الممارسات الإجرامية للكيان الصهيوني.


ومن هنا للمهرجان دور كبير في راية القصص التي لم تروَ أو التي يتمّ تحريفها، من خلال التركيز على الإنسانية وتسليط الضوء على ما تصنعه المنطقة العربية وتقدمه للعالم.

 

ويحتفي في الوقت نفسه بالثقافة والحياة دون التغاضي عن مسؤوليته تجاه محيطه ومجتمع صانعي الأفلام.

فلسطين حاضرة



خصصت الدورة المقبلة من "عمّان السينمائي" برنامجا يضمن حضورا لافتا لفلسطين والذي يشمل عروضا مختارة بعناية إلة جانب ورش تدريبية وحلقات نقاشية.

"عقد هذه الدورة على الرغم من الأوضاع المأساوية القائمة في المنطقة لا يعني تجاهل الأحداث في المنطقة بل يعكس الضرورة الملحة لرواية قصصنا للعالم أكثر من أي وقت مضى، فيما يتم التعتيم عليها أو تحريفها" وفقا لتصريحات مديرة المهرجان ندى دوماني للغد، مبينة أن هذا يرتبط بشكل مباشر تيمة المهرجان "احكيلي" بمعنى احكيلي قصصنا وسرديتنا. "

وتأكيدا على هذه الأهمية وضحت دوماني أن المهرجان يقدم العرض العالمي الأول لفيلم أنتولوجي "من المسافة صفر" والذي يضم 22 فيلما قصيرا من صناع أفلام غزاويين صوروا وأنتجوا هذه الأفلام في الأشهر القليلة الماضية في غزة في خضم الحرب عليهم، والتي بحسبها تعتبر" صرخة حياة تؤكد ان ثقافتنا ستبقى وتسود مهما كانت الظروف".

وولدت فكرة فيلم "من المسافة صفر" من مبادرة أطلقهاالمخرج الفلسطيني المخضرم رشيد مشهراوي الذي شاركت أفلامه في أهم المهرجانات العربية والدولية وحازت على عشرات الجوائز العالمية، وقد أشرف على المشروع فنياً وسينمائياً بمساعدة مهنيين من العالم العربي والأجنبي.

وكان من أهم هذه المبادرة هو إتاحة الفرصة للفنانين والشباب وصانعي الأفلام من المحترفين والمبتدئين في غزة للتعبير عن أنفسهم من خلال الفن ونقل حكايات لم يتم سردها من قبل، خاصة القصص الشخصية، وتقديمها بطريقة تحترم الجودة الفنية والتقنية.”

 

وأسهم هذا المشروع بإعادة الثقة بالنفس وروح المبادرة لمجموعة العاملين فيه وساهم في تجاوزهم اليأس والإحباط وبثّ فيهم شيئا من الأمل والتفاؤل المفقودين، حيث مولتها الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، إضافة الى شركاء آخرين.

وتعكس هذه المجموعة قدرة الشباب والشابات على تصوير وإنتاج ومنتجة أفلام تعبّر عن آمالهم وهواجسهم في ظروف استثنائية عسيرة للغاية، مما يؤكد على صمود أهل غزة وقدرتهم على الابداع وحبهم للحياة على الرغم من القتل والدمار والتهجير.، وتترجم شعار المهرجان في سرد القصص واستعادة السردية.

كما تشارك 5 أفلام فلسطينية أخرى في عدد من أقسام المهرجان التي تضم؛ الأفلام العربية الروائية الطويلة، الأفلام العربية الوثائقية الطويلة، الأفلام العربية القصيرة وموعد مع السينما الفرنسية العربية وبرنامج إضاءة.

برنامج زاخر وإضافات جديدة

 


مع تطور المهرجان عاما بعد عام، يخصص في دورته الخامسة عروضا لأفلام متنوعة تعرف اليوم بالجنوب العالمي Global South، وذلك تأكيدا على أنه " أكثر من أي وقت مضى نرى اليوم أنه من الضروري ليس فقط عرض أفلام معينة ولكن العمل لتعزيز السينما في الجنوب العالمي بمختلف الوسائل لتصل قصصنا للعالم ولنستعيد سرديتنا"، بحسب دوماني.

وأفلام الجنوب العالمي تنتج في البلدان النامية أو ما يُعرف بالجنوب العالمي، والتي تشمل مناطق من إفريقيا، آسيا، وأمريكا اللاتينية. تميز هذه الأفلام بالتناول الفريد للقصص الثقافية والسياسية والاجتماعية من منظور مغاير للإنتاجات الهوليوودية والغربية

كما قررت إدارة المهرجان لهذا العام تنظيم عروض في قسم آخر غير تنافسي بعنوان “إضاءة”، والذي يسلط الضوء على قصص أخرجها مخرجون مخضرمون أو شباب من المنطقة، إلى جانب نشاطات تتعلقا بصناع الأفلام فتشمل ورش عمل حول استخدام الأرشيف المرئي والمسموع لتعزيز السردية السينمائية ونقاشات لابتكار وسائل توزيع جديدة. ويضم هذا القسم 4 أفلام مهمة ذات قصص ملهمة.

كيف تطور "عمّان السينمائي- أول فيلم" في 5 أعوام؟

 



يشكل "عمّان السينمائي" أول مهرجان سينمائي دولي في الأردن، والذي ولد من الحاجة الملحة لعرض المواهب المزدهرة لصانعي الأفلام الأردنيين والعرب جنباً إلى جنب مع نظرائهم الدوليين.


ومنذ بداياته، نما المهرجان بشكل كبير واكتسب اعترافاً بالتزامه بالترويج للأصوات السينمائية المتنوعة ليعكس تطوره اتجاهاً واسع النطاق في المنطقة، واهتماما متزايدا بالتبادل الثقافي والتعطش إلى الروايات الجديدة التي تتحدى وتلهم وتؤثر في مشاهدي الأفلام وصناعها محليا وعالميا.

وفي دورته الخامسة يشارك 51 فيلماً من 28 دولة منتجة ومشاركة في الإنتاج، وتشمل مزيجاً من الأفلام الروائية الطويلة والوثائقية العربية والدولية، بالإضافة إلى الأفلام القصيرة العربية التي اختيرت بعناية من بين مئات المشاركات، لتقديم تجربة سينمائية فريدة، وجميع هذه الأفلام هي عروض أولى في الأردن صدرت في عامي 2023 و2024.

وحظي المهرجان بعرض 12 فيلمًا لأول مرة في العالم العربي، منها فيلمان سيعرضان لأول مرة عالميًا، بالإضافة إلى عرض خمسة أفلام لأول مرة دوليًا خارج بلدها الأصلي.


وستتنافس الأفلام في أربع أقسام للحصول على جائزة السوسنة السوداء المرموقة وجوائز نقدية، ثلاث من هذه الفئات تمنحها لجان تحكيم وهي: أفضل فيلم روائي عربي طويل (7 أفلام)، أفضل فيلم وثائقي عربي طويل (6 أفلام)، وأفضل فيلم قصير عربي (16 فيلما،. بالإضافة إلى ذلك، سيتم منح جائزة الجمهور للفيلم الفائز في قسم “الأفلام غير العربية” (سبعة أفلام)، منها 7 أفلام أردنية.


كما يحضر قسم “موعد مع السينما الفرنسية-العربية” للسنة الرابعة على التوالي بعروضه غير التنافسية التي تضم خمسة أفلام روائية وستة أفلام قصيرة إما فرنسية أو مشتركة الإنتاج مع فرنسا.

وفي دوراته السابقة التي تستثنى منها اول دورة كونها عقدت في ظروف صعبة ارتبطت بجائحة كورونا، تطورت بقية الدورات بحضور وتفاعل جماهيري نما عاما بعد عام.

ففي دورته الثانية التي عقدت في 2021 استقطب المهرجان حضوراً كبيراً من الجمهور ومحترفي السينما والضيوف الدوليين الذين تجاوز عددهم 3,000 شخص، حيث عرض 51 فيلماً من 26 دولة

وفي دورته الثالثة التي عقدت في 2022 وحملت شعار "“أول فيلم.. أول حب: استمتع نحو 5,300 شخص ببرنامج المهرجان وعروضه والأنشطة المختلفة التي أقيمت في إطاره، حيث عرض 49 فيلماً من 29 دولة، من بينها 7 أفلام أردنية.


بالمقابل تجاوز إجمالي عدد الحضور في عمّان والمحافظات للدورة الرابعة في عام 2023، التي عقدت تحت شعار " حكايات وبدايات، 6,000 مشاهد، وعرض 56 فيلماً، من 19 دولة، من بينها 6 أفلام أردني.

الأوسكاري أصغر فرهادي ضيف قسم “الأول والأحدث"

 



هذا العام يحضر المخرج الإيراني الشهير أصغر فرهادي، المعروف بأسلوبه السينمائي الفريد وقدرته على تناول المواضيع الاجتماعية والأخلاقية بعمق وبساطة وإخراجه البارع ، الذي حازت أعماله مثل "انفصال" و"البائع المتجول" على إشادة عالمية، والذي يجلب معه خبرة عميقة ومنظورا سينمائيا فريدا من المؤكد أنه سيثري المهرجان.

وتعد مشاركته دليلاً على المكانة المتنامية للمهرجان وقدرته على جذب المواهب من جميع أنحاء العالم.

ويتميز أسلوب فرهادي في السرد السينمائي بتناوله قضايا حيوية ومسلطا الضوء على المشاكل التي يعاني منها المجتمع الإيراني، مما يجعله مخرجًا قادرًا على نقل هموم الناس العاديين إلى الشاشة بشكل مؤثر، من خلال أسلوب سينمائي بسيطً وغير متكلف، يركز فيه على الواقعية والبساطة في عرض القصص، مما يعزز من تأثير الصدمة العاطفية لدى المشاهدين.

ويميل فرهادي للاهتمام بالتفاصيل الدقيقة في سرد الأحداث، مما يضفي على أفلامه طابعًا واقعيًا ويجعل القصص أكثر مصداقية وقربًا من الحياة اليومية، كما يركز بشكل كبير على العلاقات الإنسانية والتفاعلات بين الشخصيات، مما يجعلها تعبيرًا عميقًا عن النفس البشرية وتعقيداته، مستخدما التوتر الدرامي بمهارة عالية، حيث يجعلك تشكك في نوايا الشخصيات وتتابع الأحداث بترقب وشغف حتى النهاية. هذا الأسلوب يجذب المشاهد ويبقيه مشدودًا طوال الفيلم.


منصة لصانعي الأفلام المحليين والعرب



تمتد أهمية "عمّان السينمائي" إلى ما هو أبعد من قائمة ضيوفه المميزين. فبالنسبة لصانعي الأفلام المحليين والعرب، يمثل المهرجان منصة مهمة لعرض أعمالهم واكتساب الشهرة والتواصل مع محترفي الصناعة. ويركز المهرجان بخصوصيته "أول فيلم: "، أي الأفلام الأولى والمخرجين التي تعرض لأول مرة على أهمية البدايات الجديدة والأصوات الجديدة في المشهد السينمائي.

 

ويتردد صدى هذا الموضوع بعمق في العالم العربي، حيث يعتبر سرد القصص تقليداً عزيزاً حيث يتوق صانعو الأفلام الجدد إلى مشاركة رواياتهم الفريدة مع العالم.

تأثير المهرجان على المنطقة

 


كان للمهرجان تأثير عميق على صناعة السينما المحلية والمشهد السينمائي العربي الأوسع نطاقاً. فقد خلق المهرجان فرصاً للتعاون، وسهّل التواصل، ووفر مسرحاً للأفلام التي قد تجد صعوبة في العثور على جمهور. وبذلك، ساعد المهرجان على الارتقاء بمكانة السينما العربية ولفت انتباه الجمهور والنقاد الدوليين إليها.

علاوة على ذلك، كان التزام المهرجان بدعم صانعات الأفلام من النساء وتعزيز المساواة بين الجنسين في هذه الصناعة جديراً بالملاحظة بشكل خاص. وقد شجع هذا التركيز جيلًا جديدًا من المخرجات والمنتجات، مما ساهم في صناعة سينمائية أكثر شمولاً وتنوعاً في المنطقة.

الطريق إلى النجاح

 


يمكن أن يُعزى نجاح "عمّان السينمائي" وتطوره إلى عدة عوامل رئيسية أبرزها؛ الدعم المستمر من قبل رئيس مفوضي الهيئة الملكيةللأفلام سمو الأمير علي بن الحسين التي يعقد المهرجان تحت مظلتها ورئيسته سمو الأميرة ريم العلي.، حيث تعكس الرؤية الاستراتيجية للمهرجان وتنظيمه الدقيق تركيزه في أن يكون مساحة ومنصة لكل من صانعي الأفلام والجمهور.

 

فمن خلال اختيار الأفلام التي لا تقتصر على الأفلام المميزة فحسب، بل التي تحفز على التفكير وترتبط بالمجتمع، وضع المهرجان نفسه كمنصة للحوار الهادف والتبادل الثقافي، وقد وفر هذا الدعم الموارد والبنية التحتية اللازمة لاستضافة حدث عالمي المستوى وجذب الاهتمام الدولي.

و أدى تركيز المهرجان على التعليم وتنمية المواهب إلى تعزيز مجتمع سينمائي نابض بالحياة في الأردن. وقد وفرت ورش العمل والدورات التدريبية وفعاليات التواصل فرصاً تعليمية لا تقدر بثمن لصانعي الأفلام الطموحين، مما ساعد على رعاية الجيل القادم من المواهب.

مستقبل مشرق

 


في الوقت الذي يحتفل فيه مهرجان عمّان السينمائي الدولي- أول فيلم، بدورته الخامسة، من الواضح أن المهرجان قد رسخ مكانته كحجر زاوية في صناعة السينما العربية.

 

يمتد تأثيره إلى ما وراء حدود المهرجان، حيث يلهم صانعي الأفلام في جميع أنحاء المنطقة ويساهم في الثراء الثقافي للأردن.

واستشرافاً للمستقبل، يستعد المهرجان لمواصلة مسيرته في النمو والنجاح. ومن خلال التزامه الراسخ بالترويج للأصوات الجديدة وتعزيز روح الإبداع والابتكار، ومن المتوقع أن يظل المهرجان جزءاً حيوياً من المشهد السينمائي العالمي لسنوات قادمة.

إن مهرجان عمّان السينمائي الدولي هو أكثر من مجرد مهرجان سينمائي؛ فهو احتفال برواية القصص ومنصة للأصوات الجديدة ومنارة للتبادل الثقافي. ومع دخوله عامه الخامس، يستمر المهرجان في التألق، وينير الطريق لصناع الأفلام والجمهور على حد سواء.