عيدة قناة تخط "المسؤولية الاجتماعية مفهوما وآفاقا تطبيقية"

غلاف الكتاب-(من المصدر)
غلاف الكتاب-(من المصدر)
 صدر، بدعم من وزارة الثقافة، كتاب بعنوان "المسؤولية الاجتماعية مفهوما وآفاقا تطبيقية"، لأستاذة وعميدة جامعة البلقاء التطبيقية السابقة الدكتورة عيدة مصطفى المطلق قناة.اضافة اعلان
الدكتورة قناة كتبت عن المسؤولية تحت عنوان "توطئة": "من المبادئ الإنسانية التي نشأت مع الإنسان منذ أن خلقه الله تعالى، فقد تشكلت البدايات الأولى للمسؤولية مع نشأة المجتمعات وتطورت مع تطور الحضارات وكرستها الشرائع السماوية وأطرتها بالتأصيل والدعوة إليها، ومارستها ووضعت لها منظومة من القيم الأخلاقية والإنسانية الفضلى تعارفت عليها المجتمعات البشرية على اختلاف عقائدها ومناهجها؛ كما تناولتها المواثيق والدساتير الدولية، وتعاملت معها الحكومات والشركات".
وترى المؤلفة، أن الشركات ومؤسسات الأعمال كانت تمارس أعمالها بحرية مطلقة دون الاكتراث بالأثر المترتب على أنشطتها على الوسط الذي تعمل فيه سواء كان داخليا أو خارجيا؛ فعلى سبيل المثال، في العام 1962، كتب الاقتصادي الأميركي الشهير "ميلتون فريدمان"، في كتابه "الرأسمالية والحرية"، ما ملخصه "إن المسؤولية الاجتماعية الوحيدة التي تقع على عاتق المسؤولين التقليديين في الشركات التجارية هي زيادة ما تحققه شركاتهم من دخل إلى أقصى حد ممكن وما يتكون من ثروة لحملة أسهمها. ومع انطلاق الثورة الصناعية ودوران عجلة الاقتصاد، وسيطرة القطاع الخاص وآليات السوق والتطبيق العملي للخصخصة، أصبحت معايير الربحية مقياس النجاح.
وتشير قناة إلى أنه في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وما سبقها وواكبها من طفرات سكانية واسعة، أصبح كوكب الأرض بحاجة لمزيد من جهود كل من يعيش عليه بشر ومؤسسات للحفاظ على مقدرات الأرض من التلوث والهدر والاستهلاك الجائر واستنزاف الطاقات والموارد؛ فلم تعد مؤسسات الأعمال ومنظماتها قادرة على التغاضي عن مسؤوليتها الاجتماعية ودورها التنموي داخل المجتمع، فكان عليها التعامل مع هذه المطالب المجتمعية، حتى أصبحت المؤسسات المرغوبة شعبيا واجتماعيا هي تلك التي تدرك أن زيادة أرباحها إلى أقصى حد ممكن ليست كل ما ينبغي لها القيام به".
وترى المؤلفة أن المؤسسات المرغوبة هي التي تتحمل مسؤوليتها الاجتماعية في الإصلاح الاجتماعي وتسهم في تحقيق الخير العام، فضلا عن حفظها لكرامة موظفيها ومعاملتهم باحترام، وهي تلك التي تفرض على نفسها التزامات وأدوارا اجتماعية وإنسانية، وتسعى إلى إنشاء مؤسسات تنموية أو على الأقل تضع خطة سنوية منتظمة واضحة الأهداف والمعالم لمساعدة الفئات المهمشة في المجتمع وتعمل على تنميتها بشكل فعلي.
وتقول قناة، إن التطور التكنولوجي والعلمي الهائل الذي تشهده بيئة الأعمال، وانتقال المجتمعات إلى مرحلة جديدة في ظل ما أطلق عليه "اقتصاد المعرفة"، أو "الاقتصاد الرقمي"، أصبح ينظر إلى المسؤولية الاجتماعية باعتبارها قضية رئيسية في اقتصاد الأعمال العالمي وتحولت من أنشطة تطوعية وتبرعات، إلى برامج وخطط واستراتيجيات.
وتبين المؤلفة، أنه بعد قيام "منظمة التجارة العالمية"، وما رافقها من تطبيقات صارمة لتحرير التجارة الدولية، شهد السوق العالمي جدلا واسعا حول مستقبل العمال في عصر الآلة، وبرز اتجاه لتفضيل الآلة على الإنسان لدى العديد من الشركات، إلى جانب الفضائح الأخلاقية التي طالت العديد من الشركات الكبيرة حول العالم "كالرشاوى والاحتيال التجاري والمالي، والجشع غير المسؤول، والتهرب الضريبي أو التقصير المهني"، واستتبع ذلك انتقادات وتساؤلات حول حقيقة العقد الاجتماعي بين هذه الشركات والمنظمات والمجتمع الذي تعيش فيه، وظهرت الحاجة الملحة للحكم الرشيد والمسؤولية الاجتماعية.
وكتب مقدمات للكتاب العديد من الأكاديميين، منهم أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك د.عبدالرزاق بني هاني، الذي يرى أن الدكتورة قناة قد انطلقت في كتابها من أرضية إسلامية سلسة، مستندة إلى ما ورد في صريح القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، حول المجتمع والإصلاح والرقي بالفرد والجماعة. وعلى الرغم من أن أساسيات أفكارها إسلامية بحتة، من غير لبس أو غموض، إلا أنها ألبستها ثوبا وإطارا يرتقي إلى سدة مشروع فلسفي-فكري مجدد. وذلك لأن الكثير من فلاسفة الفكر الوضعي-العلمي والعلماني، والإسلامي المعاصر، من العرب المسلمين والمسيحيين من أمثال الراحل سمير أمين، ومحمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عمارة وغيرهم، قد ناقشوا ومحصوا فكرة الإصلاح والتطوير المادي، وأرجوا أسباب التخلف إلى مواطن عديدة في عالم الأثروبولوجيا السياسية والحكم والتبعية والاحتلال الأجنبي.
ففي عالم التواصل الاجتماعي العابر للقارات، لابد للفكر الإصلاحي أن يخاطب عقول الدهماء قبل عقول النخبة، وهذا ما نجحت فيه المؤلفة في مخاطبة عامة العقول، في محاولة جادة لاختراق الجدار الذي صنعته النخبة فيما مضى من عقود، مبينا أن الكتاب جاء في سبعة فصول، وتميز الكتاب بحدة اللغة والترتيب وتسلسل الأفكار، ابتداء مما قاله المفكرون والكتاب السابقون عليها، وانتهاء برؤيتها الخاصة جدا، وقدرتها على تطويع الفكر الحداثي المعاصر باعتباره نقيضا للفلسفة الإسلامية، وتوظيفه في بيان عظمة المفهوم الإسلامي وقدرته غير المشكوك بها على إصلاح الفرد والمجتمع، ومخاطبة قضايا محلية مثل البرامج الإصلاحية غير البريئة، الصادرة عن السلطة الراهنة، وقوانين الأحزاب، وقضايا المجتمع المدني والتمكين واحتكار السلطة.
بينما كتب أستاذ علم الاجتماع في جامعة اليرموك د.عبدالحكيم الحسبان، متحدثا عن مفهوم المسؤولية الاجتماعية "هو مفهوم عابر للعديد من العلوم والحقول المعرفية ولا ينتمي حصرا إلى فرع معرفي واحد، فهو ينتمي إلى علوم التربية والاجتماع والسياسة والأخلاق والقانون، فقد أجادت المؤلفة في تبيان التشعبات والامتدادات المعرفية لهذا المفهوم داخل الحقول المعرفية المختلفة، كما أجادت في تناول المفهوم عبر الحقب الزمنية المختلفة".
ويرى الحسبان، أن أهمية هذه الدراسة تكمن من السياق الزمني أو من سباق اللحظة التي تأتي فيها، ولأن هذا الكتاب يأتي في لحظة يئن العالم فيها، ويعيش تحت وطأة النتائج المأساوية لتراث طويل من تجاهل ثقافة المسؤولية الاجتماعية. ففي عالم اليوم، بات بعض الأفراد يملكون من الثروة والسلطة، أضعاف ما تمتلكه مجتمعات ودول بأكملها، وفي عالم اليوم، رأينا كل أمم الأرض تتداعى لتجتمع علها تجد حلولا للكوارث المناخية التي ربما ما كانت لتحدث لو كانت سياسات التنمية والتصنيع والتحديث التي مورست، تستند إلى مفاهيم المسؤولية الاجتماعية.
ويشير الحسبان إلى أن الناس اليوم يشاهدون بأم العين الفوارق الطبقية والاجتماعية والمعرفية على مستوى العالم، كما في داخل البلد الواحد والمجتمع الواحد، وفي عالم اليوم أدى تجاهل قيم المسؤولية الاجتماعية في قطاعات التعليم وفي الإعلام والاتصال الجماهير إلى نتائج مأساوية. وعلى صعيد اللحظة الزمنية المحلية، فإن هذا الكتاب يأتي في وقت يعيش فيه الأردن مأزقا حقيقا على صعيد التنمية الاقتصادية، والسياسية، والتعليمية والبيئية، والأخلاقية، نتجت في جزء كبير منها عن تجاهل مفهوم المسؤولية الاجتماعية، وهو ما يعطي الكتاب رصيدا مضافا على صعيد التوقيت.
وخلص الحسبان إلى أن الكتاب يأتي ببعض من مستوى التكثيف الموضوعاتي والمفاهيمي الذي يشتمل عليه، ما يجعله بوابة حقيقية للكثير من المواضيع البحثية التي تستحق التوسع اللاحق من قبل الباحثين، كما يجعله مرشدا لكثير من المسارات البحثية التي يمكن للباحثين في علوم القانون والسياسة والإعلام والتربية أن يطوروها لتصبح مواضيع بحثية مهمة، وجديرة بالدراسة والتوسع.
ويشير د.عمر عبدالعزيز، إلى المسؤولية الاجتماعية وصلتها العميقة بالأخلاق، وابتعادها الضمني عن الوحشية بشكليها الفولكلوري البدائي من جهة، والعصري المنمق بأوراق السلوفان من جهة أخرى، ولإيضاح تلك الفكرة تقف قناة أمام النموذج الرأسمالي النمطي الذي أفضى إلى مركزية نظامي النقد والتجارة الدوليين، دونما اعتبار للميزات النسبية لكل بلد من بلدان العالم، بل وتخطى عبقرية المجال الحيوي لإعادة الإنتاج المادي والروحي، بوصفه نابعا بالأساس من تلك الميزات النسبية التي تتعرض لاغتيالات متتالية من قبل المركزيتين المالية والتجارية الدولية، ممثلة في روشتات صندوق النقد الدولي، ونواميس المنظمة الدولية للتجارة العالمية.
ثم تحدث د.عبدالعزيز، عن المنهج الذي كتبت به المؤلفة هذا الكتاب؛ حيث يبين أن هذا المنهج يتجلى من خلال التبويب والتوصيف والتصنيف، وكذا تضافر البعدين الوصفي والتحليلي لسلسلة واسعة من المفردات والعناوين، بحيث يمكن وصف التحرير المتبع باعتباره نابعا من منهجية جامعة، تضع بعين الاعتبار منطلقات البحث والاسترجاعات المفاهيمية، والأبعاد الأخلاقية المقرونة بالأديان.