"فلسطين: تاريخ شخصي".. صباغ يسرد مخططات الاحتلال وأكاذيبه

1708593123904923900
غلاف الكتاب-(من المصدر)
عمان- يقول المؤلف كارل صباغ، إن تأسيس دولة إسرائيل ألحق ظلما فادحا بالفلسطينيين، وما كان لهذا الظلم أن يقع إلا من خلال نشر سلسلة من الأكاذيب ونشرها في بقاع العالم، ولم تنقطع هذه الأكاذيب حتى الآن.اضافة اعلان
جاء ذلك في كتاب "فلسطين: تاريخ شخصي" للمؤلف صباغ، والذي أصدره المركز القومي للترجمة، وقام بترجمته من اللغة الإنجليزية إلى العربية محمد سعد الدين زيدان، وتمت مراجعته من الدكتور محمد شاهين.
ويوضح صباغ أنه يروي في كتابه قصة عائلة صباغ ذات التاريخ الطويل في فلسطين، فيركز على تاريخ 400 سنة خلت، وهي مدة فيها من الأدلة الموثقة ما يثبت الوجود المتواصل للفلسطينيين، ومنهم أفراد عائلة صباغ، وأنهم الغالبية العظمى على أرض فلسطين.
ويعرف صباغ، وهو كاتب بريطاني من أصل فلسطيني،  ونجل أهم المذيعين العرب في إذاعة "بي بي سي" في حقبة الأربعينيات من القرن العشرين، نفسه، فيقول: "أنا كارل صباغ ابن عيسى خليل صباغ الذي غادر فلسطين للدراسة في بريطانيا، وصار أشهر المذيعين العرب في الإذاعة البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية".
يوجه صباغ في كلمة بعنون "تقدير وعرفان"، شكره لمن ساعده في بلورة أفكار هذا الكتاب، ومن وضع أمامه المعلومات، وأمدوه من دعم وتشجيع أثناء البحث والكتابة، وإلى ملهمه المفكر والكاتب والأكاديمي الفلسطيني "إدوارد سعيد"، مبينا أن سعيد كان في كتاباته يجمع المعلومات من كل حدب وصوب بحجم ضخم من الأدلة التي تكشف أصناف الظلم التي تعرض لها الفلسطينيون، واستعمل قلمه الجريء في هذا الشأن بلا مداهنة، على الرغم من المحاولات التي لا تنقطع لتكميم أي صوت يميط اللثام عن المأساة الفلسطينية.
استهل الكتاب بقصيدة شعرية لزوجة صباغ "سو" وهي بعنوان "نداء"، تقول فيها الشاعرة: "أقطع الضجيج كيما تجدُني/ ولتصمت الدبابة والبندقية/ ولتخرس أوامر الصراخ/ وصرخات التحدي والعويل والنحيب../ وألق السمع هنا/صوتي جد ضعيف/لعلك تسمعُه/أو علك تحتاج لتدنو أكثر/وتلقي تلك الحجارة عني بعيدا/لكن ارفق وتلطف/ إن وجدتني أنقذني/ ساعدني اتنفس/واجبر كسر ضلوعي/ولا تخدعني بحياة أو هي من قشة/ أحتاج قوتا وشرابا/ وبيتا أفني فيه حياتي/ عافية أريد وأملا وعملا/أريد الحب/فخذني في أحضانك/وضمني إلى قلبك/أنا السلام".
وفي تمهيده للكتاب، يقول صباغ "أنا ابن رجل فلسطيني، إلا أنني لا أحمل سوى القليل من الصفات التي ترتبط بالصور التقليدية المطبوعة في أذهان بعض الشعوب عن الفلسطينيين أو العرب، فأنا لست فقيرا، ولا كث اللحية، ولا أرطن بالإنجليزية، ولكن لي روح ترتبط بفلسطين ومع شعبها، والعجيب أن هذا الارتباط قد اختلج كياني في سني عمري الأولى، في وقت لم أكن أعلم فيه الكثير عن عائلتي وارتباطها بفلسطين، فأنا نشأت في أحضان أم إنجليزية، وترعرعت في جنوب لندن، غير أني كنت متعلقا بقراءة التاريخ، ومعرفة الطريقة التي قام بها مجموعة من اليهود، يدعون أنفسهم بالصهاينة، بتنصيب أنفسهم أمناء على تحويل دولة عربية إلى وطن لليهود، ضاربين برغبة الشعب الفلسطيني عرض الحائط".
ويضيف صباغ "والدي خرج من فلسطين إلى بريطانيا في الثلاثينيات من القرن العشرين، وذلك بعد أن تخرج من الكلية العربية في القدس، ولم يكن قد أتم عشرين عاما من عمره بعد، إلا أنه كذب بشأن سنه كي يلتحق بجامعة بريطانية ليدرس التاريخ، وتقدم بطلب للعمل مع "بي بي سي"، حين أعلنت عن رغبتها في توظيف كادر للإذاعة العربية، فعين فيها. عمل عيسى مذيعا وقارئا للنشرات الإخبارية، ثم أصبح منتجا للبرامج الإذاعية ومقدما لها".
ويضيف "عندما غادر أبي فلسطين للدراسة في بريطانيا، كان يعتقد أنه سيتمكن من زيارة وطنه في أي وقت يشاء؛ ويرى عائلته التي سكنت هذه الأرض على مر أجيال عديدة. فأصبحت فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى خاضعة لإدارة بريطانيا العظمى، وكانت عصبة الأمم قد أصدرت قرارا يلزم بريطانيا بمنح الحكم الذاتي تدريجيا لفلسطين، وكانت نسبة العرب فيها حين أوكلت هذه المهمة لبريطانيا تسعين بالمائة وصار والدي يتطلع إلى أن يصبح يوما ما مواطنا في دولة فلسطين المستقلة ذات الأغلبية العربية".
ويشير صباغ، رفع يوما شعار ماكر يقول "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهو شعار وضعه الصهيوني إسرائيل "زانجويل"، فتمكن هذا الشعار في أذهان الناس، وساعد على تشكيل انطباع خاطئ مفاده بأن فلسطين لم تكن مأهولة، وعندما قرر اليهود أن يثبتوا للرأي العام حقهم في أن تصبح دولة لهم. وقال "أليكس دي توقويفلي"، "إن قبول الكذبة البسيطة أسهل من قبول الحقيقة المعقدة".
ويشير المؤلف إلى ما قالته رئيسة وزراء إسرائيل العام 1970، "جولدا مائير": "لا حقيقة لوجود الشعب الفلسطيني"، وكما تمكن الطبيب "جونسون"، من دحض ما ادعاه الأسقف "بيركلي"، من أنه لا يمكننا التيقن من وجود أي شيء حين ضرب صخرة كبيرة بقدمه، فإن الشعب الفلسطيني -غير موجود على حد زعمهم.
وخلص صباغ إلى أن الفلسطينيين كانوا يشكلون أغلبية ساحقة منذ الوقت الذي بدأ فيه التعداد السكاني الموثق في تلك المنطقة حتى 1948، وقد بلغت نسبة الفلسطينيين في معظم الأحيان تسعين بالمائة. أما اليهود الذين كانوا يطالبون بأن يحكموا فلسطين في القرن العشرين، فلم يكن يربطهم بالمنطقة شيء سوى ديانة حكم أتباعها جزءا من المنطقة قبل حوالي "2000 أو 3000 عام"، ومن أجل إنشاء دولة فيها أقلية من غير اليهود بإجبار العديد من العائلات الفلسطينية العربية على مغادرة بيوتهم العام 1947-1948، ولا تفتأ إسرائيل حتى اللحظة تختلق الروايات التاريخية كي تخفي الظلم الذي وقع على الفلسطينيين.
في خاتمة الكتاب، يتحدث المؤلف عن التاريخ الشخصي لفلسطين وهو 1948، العام الأخير الذي أشرقت فيه شمس فلسطين الحقيقية -أي تلك المنطقة التي عرفها أهلها باسم فلسطين منذ مئات السنين، وقد نزلت بعد تلك السنة العديد من الحوادث الجسام، وزادت معها معاناة العرب الفلسطينيين الذي عاشوا بالأمس في مدن فلسطين وقراها، وهم الآن يسكنون المخيمات في شتات العالم.
ويتحدث صباغ عن المشاريع الصهيونية التي تهدف إلى احتلال جميع فلسطين، قائلا "اقترح بن جوريون بعد مرور أربعة أشهر على تأسيس دولة إسرائيل شن حملة عسكرية كبيرة للاستيلاء على الضفة الغربية، وكانت تابعة للأردن، في ذلك الحين، إلا أن الحكمة السياسية تراءت للمسؤولين الإسرائيليين على غير العادة وسوت ستة من الوزراء ضد الخطة، وعجز بن جوريون عن الحصول على أغلبية، ووصف هذا القرار بأنه سبب "المصائب للأجيال القادمة"".
يتابع المؤلف "استمرت الدول العربية المحيطة بإسرائيل في هذه الأثناء بتشديد ضغطها -على الجبهتين العسكرية والدبلوماسية- لإجبار إسرائيل على التراجع عن ظلمها الذي أوقعته بالفلسطينيين. وقد أصاب كل دولة من دول الطوق سهم من عدوانية إسرائيل وهمجيتها، بالإضافة إلى أنها ملزمة بالتأهب لتحمل مسؤولياتها تجاه العرب الفلسطينيين الذين يقاسون الأمرين في إسرائيل".
وفي العام 1956، هاجمت إسرائيل غزة "لما كانت تابعة لمصر"، واتجهت نحو قناة السويس بالتحالف مع بريطانيا وفرنسا، اللتين اشتد حنقهما على جمال عبد الناصر بعد تأميمه القناة. إلا أن هبة الغضب الدولية أوقفت الاعتداء، وأرغمت إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على سحب قواتها. بيد أن الحكومة الإسرائيلية لما يجف دمعها بعدُ على تضييع فرصة غزو الضفة الغربية في العام 1948، واستمر التوتر يتراكم بين إسرائيل وجيرانها العرب.
ويشير المؤلف إلى حرب الأيام الستة في العام 1967، التي بدأت بقصف جوي إسرائيلي استباقي على الأسطول الجوي المصري، وقواعد الجيش، واحتلت إسرائيل قطاع غزة وسيناء، فتحقق لها ما راودها قبل سنوات، وهو السيطرة على القدس والضفة الغربية، ثم توغلت في الأرض السورية، لتنتزع مرتفعات الجولان من سورية، وازداد هما إلى همه، إذ انضم بعد هذه الحوادث "275000"، فلسطيني إلى تعداد اللاجئين، وما برحت إسرائيل منذ ذلك الحين إلى وقتنا هذا تمسك بخناق فلسطين والفلسطينيين، على الرغم من الإعلان عن عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والاستمرار في خرق القانون الدولي فيما يتعلق بمعاملتها للمدنيين في المناطق المحتلة.
ويرى أن تلك الأحدث التي بدأت من العام 1948، إلى الوقت الحالي هي صور تتكرر بأسماء وألوان مختلفة لما نعرفه عن الإسرائيليين والفلسطينيين هذه الأيام، ومنذ ذلك الحين حتى يومنا هذا وفصول رواية الصراع العربي الإسرائيلي تستحوذ على اهتمام العالم، وصارت القضية الأساسية هي "من فعل ومن ترك"، في فلك دولة إسرائيل، والأدهى من ذلك أن محور الاهتمام قد انحرف عن التفكير بخطيئة الظلم الأصلية الكبرى: ألا وهي استيلاء الصهاينة على فلسطين.
وهذا هو عين ما يريده المدافعون عن إسرائيل، فهم يدعون أن ما حصل قبل خمسين سنة أو مائة قد فات ومات، وأن الوقت قد حان في نظرهم إلى أن يتخذ الفلسطينيون كل ما سبق ظهريا، وأن يوطنوا أنفسهم على العيش مع واقع يقول إن إسرائيل موجودة وأن لا رجعة إلى الوراء، وأنه لا يمكن الآن "رمي اليهود في البحر"، كما يظن بعض العرب، وأن الحياة قاسية ولا بد أن يتقبل الفلسطينيون خسائرهم وينظروا إلى المستقبل.
وينوه المؤلف إلى أن الصهاينة هم الذي أصروا على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط في القرن العشرين -على حد زعمهم- قبل ثلاثة آلاف سنة، وإن كان تاريخ العهد القديم هو العصا التي توكأ عليها الصهاينة للحصول على فلسطين، فلا ريب أن الفلسطينيين يملكون عهدا قديما وجديدا يجعلهم ينشطون إلى استرجاع الأرض التي كانت طيلة القرون الماضية ملكا لهم، ولكن المحزن أن خرافات العهد القديم قد كانت في دوائر السياسة الغربية بين العامين 1900-1948، هي الصدق، أما الحقائق فكانت نسيا منسيا.