في "جباليا".. جموع تبحث عن خيرات المكان متمسكة بالحياة وسط الحرب

في "جباليا".. جموع تبحث عن خيرات المكان متمسكة بالحياة وسط الحرب
في "جباليا".. جموع تبحث عن خيرات المكان متمسكة بالحياة وسط الحرب

لم تكن مشاهد الحركة التجارية والسكانية النشطة في غزة، مشاهد عادية؛ تحديداً في "جباليا"، انما كانت تبعث على الأمل لكل من شاهدها منذ اندلاع العدوان على القطاع واستمرارها إلى الآن.

اضافة اعلان


ومنذ أيام قليلة، انطلقت جموع من الناس، تسعى في الأرض، وما هي إلا دلالة على صمود وقوة الشعب الغزي وحبه للحياة والاستمرار رغم كل الأوجاع التي يعانيها منذ ما يقارب الـ 3 أشهر.


ونالت تلك المقاطع المصورة التي بثتها العديد من القنوات، عدا عن منصات التواصل الاجتماعي، إعجاب العالم الذي يرى غزة الآن أرضا "محروقة الموارد تفوح منها رائحة الموت"، ولكن أثبت الغزيون أنهم كما يرددون دائماً "نحن نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا"، وما خروجنا في لحظات وقف القصف المؤقت إلا دلالة على أننا نبحث عن الحياة من بين تراكم الركام و"الجثث".


أحدهم نشر مقطعا مصورا للحركة النشطة في أسواق جباليا ودير البلح وخانيونس"، وكتب مقطعا شعريا معروفا "ونحن نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا ونرقص بين شهيدين"، ما تشاهدونه الآن هو محاولة في كل مرة من الغزيين انهم متمسكون بالأرض ويبحثون في خيرات بلادهم على ما يسد رمق الظمأ لهم ولأطفالهم، وينتظرون بكل شغف وقف الحرب والعودة إلى الحياة مرة أخرى.


آلاف الناس خرجوا لسوق جباليا، والتي من المفترض انها تشهد مناوشات ما بين المقاومة وجيش الاحتلال الذي يتوغل بين الحين والآخر للمكان، ولكن الحاجة إلى الكثير من المستلزمات دفع المواطنين للخروج في لحظات الهدوء النسبي، وصفاء الأجواء من المطر، وأشعة الشمس تلقي بدفئها على المواطنين الذين يتسابقون لشراء ما يحتاجونه والعودة إلى أماكن إقامتهم في خيم النزوح أو بيوتهم التي بقوا فيها رغم كل شيء.


وعلى الرغم من أن الكثير من سكان القطاع باتوا يلجأون إلى طرق مختلفة، وقد يبدو بعضها بدائي، في تلبية احتياجات الأسرة، سواء أكانوا نازحين في الخيم، أو ما زالوا في بيوتهم، إلا أن الحاجة للتسوق وشراء مستلزمات أخرى يُعد متطلبا أساسيا لهم، خاصة بوجود شح شديد في حجم المساعدات التي تدخل للقطاع وتمنع الغزيين من الحصول على أبسط متطلبات الحياة.


وفي سوق جباليا كذلك، اللافت للنظر، تنوع البضاعة التي تم عرضها للمتسوقين، حيث علق كثيرون على هذا المشهد بأن أهل غزة أو النازحين تحديداً في جباليا، ينقصهم كل شيء كونهم يقيمون الآن في الخيم، ولكن، لا يمنعهم ذلك من البحث عن أكثر ما يحتاجونه من مواد أساسية تساعدهم على الحياة، قصرت أم طالت، على حد تعبيرهم.


"الطحين والماء" هما المكون الأساسي الذي يبحث عنه السكان في القطاع، كونها المواد الرئيسية لتجهيز الخبز للعائلة، كما يصطف الآلاف للحصول على كميات من الماء الصالح للشرب، ولكن مع بزوغ كل نهار، يتوزع الغزيون على الأسواق المتاحة لشراء ما يحتاجونه، وهذا الأمر يعكس صورة الصمود والتمسك بالحياة مهما كانت آلة الموت والدمار تحيط بهم.


وفي ذات السياق، أظهرت مقاطع بثها العديد من سكان غزة، والنساء تحديداً، محاولتهن البحث عن مكونات غذائية من الطبيعة، لتظهر بعض المقاطع تجول النساء في المساحات الخضراء المتاحة لهن والتقاط نبتة "الخبيزة"، والعودة إلى البيت أو "الخيمة" وتجهيز الغداء للعائلة، وربما الجيران، حيث تعد الخبيزة طبقا متعارفا عليه في فلسطين، ومصدرا بديلا للطعام، في ظل النقص الشديد للموارد الغذائية في غزة منذ اندلاع الحرب الشرسة من الجانب الإسرائيلي.


وتظهر تحركات نساء غزة، صورة أخرى مماثلة لما تشهده حركة التسوق في جباليا، إذ تمثل إصرار النساء على مجابهة الظروف القاسية للحرب، وأن تتقاسم مع رب الأسرة الدور بظل ظروف الحرب القاسية.


وفي مناطق النزوح، وعلى بوابات المشافي والمجمعات الطبية، وقفت إحدى الفتيات اليافعات، وتمسك "صينية" كبيرة في يدها وتبيع للمارة "حلوى السينبون"، وبأسعار رمزية، وتقول أنها لديها القدرة على صناعة هذه الحلوى وتحاول توفير "مصدر مالي متواضع لمساعدة عائلتها في ظروف الحرب القاسية".


هذا الحراك المجتمعي، يعكس طبيعة التكوين لسكان القطاع، الذين عاشوا حروباً متتالية، وإن كانوا أقل حدة من الحرب الحالية، ولكنها قد تكون كونت لديهم ثقافة التعامل والتأقلم مع الظروف.


وتبين الاختصاصية وخبيرة علم الاجتماع الدكتور فاديا إبراهيم أن التعامل مع الحرب في غزة هوعبارة عن أداة لتعزيز المعاير الاجتماعية المرتبطة في الماضي والحاضر في الصمود حتى تحقيق النصر وتحرير آخر جزء من فلسطين.


ووفق ابراهيم فإن هذه هي العقيدة الأساسية التي تنبث منها كل العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية، والتجربة العملية توضح أن هناك تحديات كبيرة تواجه المجتمع الغزي، وأكبر وأخطر تحد هو الحرب والاشتباكات القائمة على أرضها مما يؤثر حكماً على الحياة الاجتماعية فيها من استشهاد وتدمير المباني والتهجير وتدمير البنية التحتية للمدارس المستشفيات، وتتوالى الخسارات بكل اشكالها.


هذا هو الواقع، كما تقول ابراهيم؛ لا خوف، لا توقف عن الحياة وعن  الممارسات الاجتماعية السلمية، لا استسلام ولا انهزام رغم كل الظروف، ونادراً ما نجد مجتمعا يعايش الحرب بهذة الطريقة.


وهذا يثبت انه هناك حالة من التوازن في محاولة لإعادة البناء الذاتي للمجتمع، وتجربة تعطي الأجيال الجديدة الثقة بالنفس، فلا مجال للانهيار أبداً بحسب ابراهيم، ولا تأثير للحرب على علاقات القوة داخل المجتمع الغزي أبداً. 


وغزة لديها العقيدة التي تؤمن بها، لذلك نرى افراد المجتمع يمارسون حياتهم بشكل أقرب للطبيعي، وضمن مجتمع قوي متماسك لا يضعف أبداً ولا ينهار ويستمر في الحياة لأن هذه الحرب هي الطريق للتحرير والنجاة.


وهناك مصطلح "ميزان الرعب" الذي تعيشه المجتمعات خلال الحرب ليس من المحتمل أن يقع فيه المجتمع في غزة، وهنا تقول ابراهيم انه وبالرغم أن استخدام بث الرعب في قلوب المدنيين،  إلا أن ايمان وقوة الأفراد في غزة جعلهم صامدين تجاه كل ما يحدث.


وتؤكد ابراهيم إن الحرب بالنسبة لغزة هي مرحلة انتقالية، وبالتالي يجب إدارتها بطريقة لا تجعل العودة إلى الحياة الطبيعية مستحيلة، بالنسبة للمجتمع ككل وللافراد الذين عليهم التكيف مرة أخرى مع الحياة، وقواعد المجتمع في غزة منسجمة في جوهرها فهي تهدف إلى تفادي المعاناة والدمار.

 

اقرأ أيضاً: 

نزوح تحت القصف.. الاحتلال يواصل نهج الأحزمة النارية في غزة