في يوم "مساندة ضحايا التعذيب".. ندوب معتقلي غزة تجسد قسوة الظلم

Untitled-1
تعبيرية

مشاهد تثير الرعب في النفوس، وتشخص لها الأبصار، كما هي نظرات الأسير الفلسطيني "بدر"، الذي خرج مؤخراً من معتقلات الاحتلال في غزة، تؤكد أن ما رآه من أهوال التعذيب في المعتقل له ولرفاقه فاق الخيال والوصف، الأمر الذي يستدعي استنفار الجهود العالمية لإنقاذ ما تبقى من "الكرامة الإنسانية".

اضافة اعلان

 

دحلان يخرج مضطرباً نفسياً من السجن الإسرائيلي... من هو؟


مئات الشهادات خرج بها الأسرى منذ حملات الاعتقال الواسعة للاحتلال الإسرائيلي في غزة، على وجه التحديد، حيث تحدثوا عن بشاعة الأفعال، بما يتجاوز حدود العقل البشري، الأمر الذي يظهر على تفاصيل وجوههم وتعبيرهم في الحديث عما جرى معهم.


في السادس والعشرين من حزيران، يحتفي العالم والمنظمات الحقوقية بما يسمى "اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب"، حيث ترتفع الأصوات المطالبة بحماية ورعاية وعلاج كل مضطهد على وجه الأرض من تبعات تعرضهم للتعذيب نتيجة الحروب والنزاعات في دولهم. ولكن يأتي التعذيب النفسي والجسدي في فلسطين المحتلة ليكون الأكثر دموية وجرماً في ظل العدوان المستمر على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، مما دفع بالملايين حول العالم للانتفاض والمطالبة بوقف العدوان على قطاع غزة.


ووفقا لبيانات المنظمات الحقوقية التي تحتفي باليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، فإن التعذيب يهدف إلى "إفناء شخصية الضحية وإنكار الكرامة الكامنة لدى الكائن البشري". إنه أحد الأفعال التي يرتكبها البشر وجريمة بموجب القانون الدولي ومحظور تمامًا ولا يمكن تبريره تحت أي ظرف.


لذا، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة تأريخ السادس والعشرين من حزيران يوما دوليا لمساندة ضحايا التعذيب بهدف "القضاء التام على التعذيب وتحقيق فعالية أداء اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. يمثل هذا اليوم فرصة لدعوة جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والمجتمع المدني، والأفراد في كل مكان، للاتحاد لدعم مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم الذين كانوا ضحايا للتعذيب، فضلا عن أولئك الذين ما يزالون يتعرضون له حتى اليوم، وفق بيان الجمعية العامة للأمم المتحدة.


لسان حال الملايين يعبر عن استيائهم وغضبهم من تلك المشاهد التي تنقلها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتكرر مشاهد تعذيب الغزيين.

 

وفي كل يوم يصدم العالم ويتفاجأ بمشاهد تعذيب يندى لها الجبين في غزة، حيث يتم تعذيب الأطفال والشباب وكبار السن والنساء ممن تم اعتقالهم. ويسأل الكثيرون: "إلى أين سيصل بنا الحال مع هذا الصمت العالمي للمنظمات الحقوقية؟ وكيف سيمر هذا اليوم من دون اتخاذ أي إجراءات تحمي المستضعفين في غزة من قساوة التعذيب اليومي؟".


كثيرة هي الأحداث والنزاعات في العالم التي يتعرض فيها الملايين لأهوال التعذيب، وكثير منها يحدث في الخفاء. بيد أن أنظار العالم الآن تتجه نحو ما يتحدث به أسرى غزة المحاصرة من صنوف التعذيب.


وعن تعريف وتصنيف مصطلح "التعذيب" في القوانين العالمية، يقول الخبير في حقوق الإنسان ومواجهة العنف والجريمة ومستشار الطب الشرعي الدكتور هاني جهشان: "إن التعذيب هو عملية ديناميكية قد تبدأ بالاعتقال وتشمل سلسلة من الأحداث الاصابية في أوقات وبيئات مختلفة، وتنتهي بإطلاق سراح الضحية أو سجنه أو موته. كما أن نقابة الأطباء العالمية تعرف التعذيب، كما ورد في إعلان طوكيو العام 1975، بأنه "إحداث معاناة جسدية أو عقلية قصداً وبوحشية، وبطريقة منتظمة، من قبل شخص أو أكثر، سواء من تلقاء أنفسهم أو تنفيذاً لأوامر يتلقونها من أي سلطة، لإرغام شخص آخر على الإدلاء بمعلومات أو الاعتراف أو لأي سبب آخر".


ويبين جهشان أن "إسرائيل" كانت من ضمن الأطراف التي وقعت على "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" في العام 1984، ومع ذلك لم تعكس هذه الالتزامات في تشريعاتها المحلية. يجب أن يكون الالتزام بمنع التعذيب جزءًا من التشريعات الوطنية والتطبيق الفعال لها.

 

الجهات المسؤولة عن تطبيق الاتفاقية تشمل مؤسسات الأمم المتحدة، مثل مجلس حقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إضافة إلى مؤسسات دولية تطوعية مثل، هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، التي تتعاون مع جمعيات محلية متخصصة. وقد وثق أن إسرائيل لا تتواصل مع هذه الجهات، وإن طلب منها ذلك، تستجيب بالتسويف والمماطلة والتهرب من تحمل المسؤولية، وفق جهشان.


كما يوثق جهشان بعض ما جاء في تقرير مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالتعذيب في 23 أيار (مايو 2024)، حيث حثت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالتعذيب، أليس جيل إدواردز، حكومة إسرائيل على التحقيق في ادعاءات متعددة بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة ضد الفلسطينيين المحتجزين منذ 7 تشرين الأول 2023، بعد أن تبين أن آلاف الفلسطينيين بمن فيهم الأطفال قد اعتقلوا، في الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة في سجون تديرها مصلحة السجون الإسرائيلية وفي معسكرات قوات الدفاع الإسرائيلية.


ووفق جهشان، فإن المعتقلين وأسرى الحرب يتعرضون لمجال واسع من أنماط وأشكال التعذيب تشمل الضرب، واحتجازهم في زنزانات معصوبي العيون وتقييد أيديهم لفترات طويلة، وحرمانهم من النوم، وتهديدهم بالعنف البدني، وتعرضوا للإهانة والإذلال، وسط غياب المساءلة والشفافية، وهذا بدوره يخلق بيئة متساهلة لمزيد من المعاملة المسيئة والمهينة للأسرى والموقوفين الفلسطينيين.


ويشدد جهشان، على أن الحق بعدم التعرض للتعذيب هو حق مستقر في القانون الدولي، ومحظور بصريح العبارة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، او المهينة، والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.


كما تنص المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948، على "ألا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة"، كما نصت القوانين على أنه لا يجوز لأي دولة أن تسمح بالتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة أو أن تتسامح فيه، ولا يسمح باتخاذ الظروف الاستثنائية، مثل حالة الحرب أو خطر الحرب أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي أو أي حالة طوارئ عامة أخرى، ذريعة لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة.


جميع ما تم الحديث عنه من قوانين وأنظمة ومحظورات فيما يتعلق بحرمة التعذيب بكل أصنافه، هي الآن "تُداس" تحت الأقدام، كما يصف الكثيرون من سكان قطاع غزة، الذين يعانون من ضروب التعذيب فيها، يعانون من آثار التعذيب الجسدي والنفسي والاجتماعي، والاقتصادي، بيد أن ما يشعر به الأسرى من مشاعر وآثار نفسية هي الأكثر ضرراً على حياتهم الآن، وعلى المدى البعيد كذلك.


هذا الأمر، يتطلب إجراءات كثيرة طويلة الأمد في سبيل علاج تلك الآثار والندوب، وقد تكون النفسية منها هي الأبرز، كونها ذات أثر كبير على الشخص وعائلته ومجتمعه في الوقت ذاته.


وهنا يؤكد مستشار أول الطب النفسي والمعني بالتثقيف النفسي في المجتمع العربي، الدكتور وليد سرحان؛ في خضم الاحتفاء باليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، "هذا العام سيترك آثاره النفسية الواضحة على كل من تعرض للتعذيب ومن يراقب هذه الإبادة الجماعية الوحشية. ومن أبرز هذه الآثار القلق والخوف والفقدان، وهي عناوين عريضة لمعاناة طويلة ستحمل أيضًا الصدمة النفسية وتبعاتها العديدة على كل الأعمار، وخصوصًا الأطفال والمراهقين".


ويؤكد سرحان أننا بحاجة إلى حملة عالمية لوقف التعذيب وعلاج آثاره، كما نشاهدها الآن من خلال شهادات الأسرى المليئة بالوقائع الخطيرة. ويشدد على أن الجهود الدولية يجب أن تبدأ فورًا من دون تأخير لحماية الأفراد من المخاطر الكبيرة وتبعاتها، إذ قد يتطلب الأمر وقتًا طويلاً للتعافي من الآثار النفسية التي حدثت لهم.


ويعتقد جهشان أن العلاج النفسي من هذه الحالات، التي تنطوي على جروح وندوب نفسية، قد يكون بلا شك مفيدًا، وسيكون هناك تحسنا متفاوتا يعتمد على كل حالة نفسية بشكل فردي، وكيفية تحديد نوعها والعلاج المناسب لها. لا يمكن إعطاء نسب نجاح مئوية لكل الضحايا، فكل حالة لها خصوصيتها الفردية وقدرتها على التعافي والتجاوب مع العلاج، وتبقى الفرصة المتاحة لهم لتلقي العلاج أمرًا حيويًا، خاصة في ظل الظروف القاسية التي يمر بها القطاع، والاستمرار في الحرب حتى الآن، مما يؤدي إلى تفاقم أعداد المصابين والشهداء والأسرى، الذين خرجوا بصورة مختلفة تمامًا عما كانوا عليه من قبل.

 

اقرأ أيضاً: 

كابوس السجون