قانون "التعامل بالمثل".. هل يحقق العدالة بالعلاقات الاجتماعية؟

1715868004856083200
التعامل بالمثل

لا توجد قاعدة واحدة ترسم شكل العلاقة، بل يختلف الناس من شخص لآخر في طريقة احترامهم للبعض ومدى الاهتمام والتقدير وهذا ما يفسر استمرار العلاقة أو انتهاءها. 

اضافة اعلان


والمعاملة بالمثل واحدة من القواعد التي يختارها البعض لتكون حلا يحميهم من خيبات الأمل الناتجة عن العطاء المفرط، بمعنى أن كل ما يقدمونه للطرف الآخر يعتبر تحصيل حاصل وواجبا عليهم، فلماذا يغضب الناس عندما تعاملهم بالمثل؛ أي أن تعطيهم بقدر ما يعطونك أو حتى تتجاهلهم كما يتجاهلونك؟ ولماذا يكون ردهم هو الاستفزاز والعداوة، وكأنه لا يحق للطرف الآخر أن يثور على أنانيتهم؟ 


لم تكن زين 29 عاما تؤمن بأن محبتها للآخرين وصدقها معهم يجب أن تخضع لقوانين ومعايير تستطيع من خلالها أن تلمس مدى تقديرهم لها ولكل ما تقدمه من أجلهم. 


هي اعتادت أن تكون معطاءة محبة دون حدود أو شروط، لكن الحياة لا تتردد أبدا باختبارنا وتعليمنا دروس كفيلة بأن تغيرنا وتجعلنا نرى الحياة والناس بمنظور آخر بحسب كل موقف نتعرض له. 


زين كانت تهتم بكل شخص في حياتها وكأنه الشخص الوحيد في العالم تمنحه الحب والحنان والاحترام دون أن تنتظر المقابل، وهذا ما عرضها للاستغلال من إحدى قريباتها، فلم يكن أمامها خيار سوى أن تتوقف عن إهانة نفسها وتكتفي بمن يقدرون مشاعرها. بحسب قولها.


تقول: "لا تتوقع مني لطفا عندما تكون قاسيا والمشاعر الصادقة ليس لها ثمن، لكن نحن بحاجة لأن تصان مشاعرنا وتقدر لنستطيع أن نعطي أكثر ونهتم أكثر"، هي ترفض مبدأ المعاملة بالمثل وخاصة مع من تحب لكنها أيضا تحتاج لأن تجد عند الآخر ما يسعدها ويشعرها بقيمة ما تفعله من أجله. لذا تستغرب ردودهم غير العادلة  والتي حولتها فجأة لعدو لمجرد أنها قررت أن تعطي دون إفراط. 


أما محمود فهو الآخر يقف حائرا أمام أنانية البعض وقرارهم بأن يأخذوا فقط دون أن يعطوا، يقول الغريب إنهم يغضبون إذا فكرت أن تعاملهم كما يعاملونك بل لدرجة أنك أحيانا قد تتفاجأ بجحودهم وقسوتهم، وذلك عن تجربة فطلاقه كان بمثابة صفعة أيقظته، مبينا أن خيبتنا بالأشخاص الذين نحبهم قد تظل جرحا غائرا بالروح لوقت طويل. 


فترة صعبة عاشها محمود مع زوجته السابقة جعلته يرى الحقيقة بشكل أوضح. فبعد أن زالت الغشاوة حسب قوله فهم أن الاهتمام والحب والعطاء من طرف واحد لا يكفي لتستوي العلاقة وتستمر وأنها تقوم على اتجاهين وليس فقط اتجاه واحد هذا تماما ما أدركه محمود الذي فقد القدرة على العطاء في وقت من الأوقات، لكنه لم يتنازل عن قناعته بأن المشاعر لا تحتاج لمقابل بقدر ما تحتاج للتقدير، كما علمته التجربة أن لا أحد محور الكون وأن كما لك حقوق عليك واجبات. 


شخصيات الناس تختلف بحسب الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة، يقول: تنوع كبير في الأنماط والسلوكيات فلكل إنسان طريقته وخبرته وأفكاره وقناعاته، وأيضا تجاربه التي تشكله نفسيا والإنسان بشكل عام يعطي ويهتم ويعتذر في الخطأ، وبالتالي يتوقع التقدير من الطرف الآخر، لكن هناك نمط من الشخصيات يمنح نفسه الحق في كل شيء وهؤلاء تحديدا اعتادوا على أن يأخذوا فقط، فهم إذا احترموك فكأنه شرف عظيم  وتفضل منهم، أما احترامك لهم فهو واجب عليك.


هؤلاء يعتقدون أن من حقهم أن يستخدموا كل الناس لمصلحتهم لذلك يتسببون بمعاناة كبيرة لكل من يعرفهم وخاصة دائرة المقربين كالأسرة والأصدقاء. لافتا إلى أن مثل هذه الشخصيات يعطون لأنفسهم الحق بمحاسبتك ولومك وحتى قد يأخذون منك موقفا فقط لأنك لم ترد على اتصالهم لمرة واحدة بينما هم لا يرون أنهم أخطأوا بحقك حتى لو تجاهلوا اتصالك عدة مرات، كما أنهم قد يسمحون لأنفسهم بأن يسيئوا لك ويتطاولون عليك، لكن لا يحق لك في  المقابل أن تدافع عن نفسك حتى ألا تعاملهم بالمثل.


وهذه هي الشخصيات النرجسسية والأنانية وفق مطارنة، مبينا، هؤلاء يرون كل ما يقولونه أو يفعلونه هو الصواب ولو كان خطأ وعلى الطرف الآخر أن ينفذ دون اعتراض وقد يتحول لعدو في حال الرفض أو حتى النقاش. 


ويبين مطارنة أن هذا النوع من الشخصيات مؤذ وسلبي لدرجة كبيرة، فهم انتهازيون يستغلون الآخر وغالبا ما يدخلونه في مشكلة نفسية لكونهم يستثيرون عصبيته ويسببون له الكبت، كما يضعونه تحت ضغط  نفسي شديد، لذا  فمثل هذه العلاقات تكون سامة وضروري التخلص منها. 


وينصح بوضع حد لهذا النوع من الشخصيات وعدم السماح لهم بالتمادي، كما يحذر من إعطائهم مساحة كبيرة من الاهتمام لأن ذلك قد يشعرهم بالانتصار عليك وفي حال وجود أب من هذا النوع في الأسرة فهذا حتما سيتسبب بمعاناة كبيرة للأطفال نتيجة التشاحن المستمر والقلق الذي تخلفه الأنانية داخل الأسرة، مبينا أن تجاهلهم والابتعاد عنهم هو الحل لكونهم يسرقون إيجابية الآخر ويعقدون حياته، ويسممون أفكاره بسلبيتهم.


وتبين خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم، أن التعامل مع الناس له قوانين وطرق مختلفة، فهناك قانون التعامل بالمثل أي أن تعامل الناس كما يعاملونك بنفس القدر من الاهتمام والاحترام والتقدير وحتى العطاء. وهناك قانون الفضل أي أن تعامل الناس بالطريقة التي تحب أن يعاملونك بها، أي أن تقدم كل ما هو إيجابي في المعاملة على أمل أن يُبادلونك نفس الأسلوب والتقدير.


وهناك قانون آخر وهو قانون العدل، بمعنى أن نعامل الناس كما أمرنا الله سبحانه وتعالى، لأن الدين هو من نظم طبيعة وشكل العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وهو عادل ومُنصف ولا يمكن أن نندم أبدا إذا استعنا بتعاليم ديننا الحنيف لمعاملة الآخرين. وطبعا في التعامل مع الناس هناك العديد من الطرق التي يمكن اتّباعها للتعامل بذكاء والحفاظ على الاحترام أيضا، ومنها تقبل الاختلاف مع الآخرين، فمثلا إن كنا كرماء فلا نتوقع أن جميع الأشخاص الذين نتعامل معهم يملكون هذه الصفة. وفق إبراهيم


أيضا الحفاظ على الهدوء، حيث يُعتبر هدوء الشخصية خصلة مفيدة جدا عند التعامل مع الناس، بحيث إذا انزعجنا من تصرفات الآخرين أو طرق تعاملهم معنا نستطيع ضبط انفعالاتنا بشكل أفضل. 


ويجب أن نعبر عن أنفسنا بوضوح أمام الآخرين، وفق إبراهيم، وأن نكون واثقين من أنفسنا بشكل كبير فمهما كانت معاملة الأشخاص لنا؛ نبقى واضحين ملتزمين بقيمنا ومبادئنا وأفكارنا ولا نغير موقفنا لمجرد أن الأشخاص أمامنا سلبيين أو انتهازين أو أيا كانت تصرفاتهم. 


والمفتاح الأساسي للتعامل مع الآخرين هو أن نكون شخصيات إيجابية ومعتدلة حيث يحب الناس بشكل عام التواجد حول الشخص الإيجابي وصاحب الروح المرحة السعيدة، لذا فإن التدرب على التفكير بطريقة إيجابية والابتسامة في وجه الآخرين تساعد الشخص في الحصول على ما يريد منهم وجعلهم يتصرفون بالطريقة التي يفضّلها، ولا ننسى فهم أسلوب الآخرين في التعامل وتقبل أسلوبهم واختلافهم عنا فإذا تقبل الشخص أسلوب الشخص الذي يتعامل معه، فذلك يعتبر من أهم فنون التعامل مع البشر، وذلك حتى تقدر على الاستمرار في التعامل مع ذلك الشخص والحفاظ على الإيجابية في تلك العلاقة والتحكم في سير العلاقة ومشاعر الشخص الآخر. 


وتذكر إبراهيم، من عوائق حسن التعامل مع الآخرين هي التعصب، والتمسك بزلات الآخرين، وعدم المغفرة للأشخاص الذين أخطأوا، إذ ينتج عن هذا الأمر كره الأشخاص للذين يملكون هذه الصفة، لذلك يجب أن نكون رحيمين نغفر زلات الآخرين وأخطاءهم. ولنتذكر أننا نستطيع التأثير في الناس من خلال الحفاظ على الود والاحترام وبناء الصداقة مع جميع الأشخاص من حولنا، وكذلك أن نعاملهم بحسن النية وعدم كسب العداوة والحقد.


وتضيف، كذلك كي تكون شخصا مؤثرا ومرغوبا بين الناس يجب عليه أن يدرب نفسه على المهارات التي تُعدُّ من الضروري امتلاكها مثل الحديث والاستماع، كما يجب عليه أن تكتسب ثقة الآخرين وأن يكون جديرا بالثقة، وفي المقابل يجب أن يمنح الثقة للأشخاص من حوله، لكي يشعروا بالثقة بالنفس والأمان في التعامل.

 

اقرأ أيضاً: 

في المشكلات الزوجية.. كيف تنذر تدخلات ونصيحة الأصدقاء بانهيار العلاقة؟

"السلبيون" في حياة الإنسان كيف يعيقونه عن تحقيق أهدافه وأحلامه؟

العلاقات المستنزفة.. كيف نحمي أنفسنا من الأذى؟

"الأسلوب" بالحديث.. حينما يحدد مكانتك في قلوب الناس